ارشيف من :أخبار لبنانية
30 يوماً للتأليف أو الاعتذار
احمد زين - صحيفة السفير
بعد مرور أكثر من أربعين يوماً على تكليف تمام سلام تأليف الحكومة، لا يزال البلد في عهدة حكومة تصريف أعمال. وهي ليست سابقة في عمليات التأليف ولا التصريف، فالحكومة الأخيرة لم تر النور إلا بعد أكثر من خمسة أشهر من تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتأليفها، وكذلك الأمر مع حكومات سابقة، ما يفرض التساؤل عن المشروعية القانونية للتريث في التشكيل.
في المنطق، ماهية حكومة تصريف الأعمال تفترض وجوباً ان يكون عمرها قصيراً جداً، لأن مهامها ـ بحسب ما استقر عليه الاجتهاد ـ تقتصر على الأعمال الإدارية الروتينية التي لا يجوز تأجيلها. ومن البديهي أنها تستمر في أداء هذه المهمة حتى تأليف حكومة جديدة، ولا يمكن لا لرئيس جمهورية ولا لمجلس نواب ولا لأي سلطة أخرى، وقف حالة تصريف الأعمال، لأن هذا الأمر بيد الشخص المكلف حصراً. فكيف لشخص لم ينل ثقة ولم يُشكل بعد، مثل هذا الدور الخطير الممنوع على أي سلطة الاقتراب إليه؟
من هنا، فإن الموضوعية والمنطق والمصلحة الوطنية تقتضي ان تكون عملية التشكيل قصيرة ما أمكن، وأن يتجه تفسير الأحكام المرتبطة بهذه العملية، إلى ذلك، بعيداً عن حرفية النصوص. وهذا دور يلتزم به عادة «المكلفون» المدركون للمصلحة الوطنية فالرئيس صائب سلام الذي كلف تشكيل الحكومة في الثالث من أيلول 1974 اعتذر عن قبول التكليف بعد 18 يوماً في 21/10/1974 والرئيس عبد الله اليافي الذي كلف في 10 آب 1954 اعتذر بعد ستة أيام في 16 آب وهكذا الرئيس تقي الدين الصلح...
ومقابل هذه العيِّنة المدركة هناك مكلفون يصرون على «أسر» البلد كله والدولة ومؤسساتها لأشهر تقارب النصف سنة أو لشهور عدة فهل يتساوى النموذجان؟
أما بالنسبة للنص الدستوري الذي ينظم عملية التشكيل، فقد اكتفى المشترع بالنص على استشارات التشكيل في الفقرة الثانية من المادة 64 ـ دستور لجهة إجراءها من المكلف التشكيل، وهذا ما كان يجري عرفاً، إلا انه لم يضع سقفاً زمنياً لانتهاء هذه العملية فهل يمكن ان يكون المشترع قد جعل «سقفها مثقوباً» لحدود زمنية لانتهائه؟
الواضح من المراحل الأربع التي يمر فيها تشكيل الحكومة الجديدة ونيلها الثقة، ان المشترع لم يحدد سقفاً زمنياً إلا لواحدة منها هي مدة الثلاثين يوماً لانجاز البيان الوزاري للحكومة التي تتشكل، فهل قصد المشترع بذلك ان تبقى المراحل الأخرى ومنها التشكيل من دون سقف زمني؟
المرحلة الأولى، بعد استقالة أي حكومة، هي إجراء رئيس الجمهورية لاستشارات التكليف وتكليفه الحكومة المستقيلة تصريف الأعمال. وهذه المرحلة محكومة بأمرين: مسؤولية رئيس الجمهورية بصون مؤسسات الدولة الدستورية، الأمر الذي يعني فرضية استعجاله إنهاء حالة التصريف لنشوء السلطة الإجرائية المكتملة الدستورية. وكذلك بعلاقة مجلس النواب في نشوء تلك السلطة وهي علاقة مباشرة، فالحكومة هي حكومة المجلس أولاً وعندما تتحول إلى تصريف أعمال تتعطل صلاحيات المجلس عملياً في الرقابة وتنحصر صلاحياته التشريعية بحدود اعتبارها حالة تصريف أعمال أيضاً. ويكون المجلس بذلك، وانطلاقاً من حرصه على استمرار العمل بصلاحياته، يستعجل عملية التشكيل ولا يكون بحاجة إلى نص لحثه على ذلك.
أما استشارات التشكيل التي يجريها الشخص المكلف فهي مجرد استئناس بآراء النواب واتجاهاتهم ونظرتهم إلى الحكومة الجديدة وخصوصاً البيان الوزاري. وهذه المرحلة التي تنتهي عادة في يومين، تبقى مفتوحة أمام اتصالات المكلف مع القيادات النيابية والسياسية، وبالتالي فان تحديد سقفها الزمني غير منطقي إلا إذا ما تجاوز المعقول، وقد يكون المكلف أول من يريد استعجال إنهاء تشكيل الحكومة ليبدأ ممارسة صلاحياته ودوره المهيمن جداً.
أما بالنسبة للثقة، فإنه كما جرت العادة، يعين رئيس المجلس جلسة لمناقشة البيان الوزاري وطرح الثقة، بعد انتهاء إعداده مباشرة، وهذا ما ينص عليه النظام الداخلي للمجلس وتحديداً المادة 73 التي تلحظ مناقشة البيان بعد 48 ساعة على الأقل من جلسة تلاوته...
أما البيان الوزاري الذي انفرد بتحديد السقف الأعلى لإعداده وتصديقه من الحكومة، فهو المرحلة الأصعب كونه يحدد سياسة الحكومة في كل المجالات أمنية وسياسية وإنمائية واقتصادية وتربوية وخارجية وغيرها. والحكومة، وخصوصاً في الأنظمة البرلمانية وفي لبنان تحديدا، تتشكل من ممثلين لسياسات متناقضة متباينة حتى يمكن القول إن كل واحدة منها «تبني مجدها السياسي» على مقارعة السياسة الأخرى. وقد أدرك المشترع ذلك فخصص له المدة الأطول لانجازه وهي 30 يوماً.
وهذا التحديد الفريد لمراحل التشكيل، لا بد من ان يطرح تساؤلاً عند الذين يريدون أو يقولون باحترام الدستور هو التالي: لماذا ينفرد إعداد البيان وهو من أصعب المراحل التي تمر فيها الحكومات الجديدة، بتحديد السقف الأعلى لانجازه بثلاثين يوماً؟
ان هذا التحديد وفق ماهية مراحل التشكيل هو السقف الأعلى لانجاز أي مرحلة من المراحل الأخرى وفي مقدمتها إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة. فالسقف الزمني ليس مفتوحاً لعملية التشكيل، ومن لا يستطيع إنجازها بشهر لا يستطيع إنجازها بشهور إلا إذا تمت الاستعانة بصديق وظهر المكلف عندها محملاً بأمانة «رد الجميل» وهذا ما لم يتقبله صائب سلام وتقي الدين الصلح وعبد الله اليافي وغيرهم بينما رآه آخرون مقبولاً.
لذلك من المفترض إجراء تفسير صحيح لعدم وجود نص يحدد المهلة لتشكيل الحكومة، وهذا لا يؤثر سلباً على «مخصصات طائفة أو مذهب من النظام» باعتبار ان استبدال مكلف بآخر لن يكون إلا من داخل ما تتيحه صيغة 1943 للطوائف والمذاهب.
بعد مرور أكثر من أربعين يوماً على تكليف تمام سلام تأليف الحكومة، لا يزال البلد في عهدة حكومة تصريف أعمال. وهي ليست سابقة في عمليات التأليف ولا التصريف، فالحكومة الأخيرة لم تر النور إلا بعد أكثر من خمسة أشهر من تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتأليفها، وكذلك الأمر مع حكومات سابقة، ما يفرض التساؤل عن المشروعية القانونية للتريث في التشكيل.
في المنطق، ماهية حكومة تصريف الأعمال تفترض وجوباً ان يكون عمرها قصيراً جداً، لأن مهامها ـ بحسب ما استقر عليه الاجتهاد ـ تقتصر على الأعمال الإدارية الروتينية التي لا يجوز تأجيلها. ومن البديهي أنها تستمر في أداء هذه المهمة حتى تأليف حكومة جديدة، ولا يمكن لا لرئيس جمهورية ولا لمجلس نواب ولا لأي سلطة أخرى، وقف حالة تصريف الأعمال، لأن هذا الأمر بيد الشخص المكلف حصراً. فكيف لشخص لم ينل ثقة ولم يُشكل بعد، مثل هذا الدور الخطير الممنوع على أي سلطة الاقتراب إليه؟
من هنا، فإن الموضوعية والمنطق والمصلحة الوطنية تقتضي ان تكون عملية التشكيل قصيرة ما أمكن، وأن يتجه تفسير الأحكام المرتبطة بهذه العملية، إلى ذلك، بعيداً عن حرفية النصوص. وهذا دور يلتزم به عادة «المكلفون» المدركون للمصلحة الوطنية فالرئيس صائب سلام الذي كلف تشكيل الحكومة في الثالث من أيلول 1974 اعتذر عن قبول التكليف بعد 18 يوماً في 21/10/1974 والرئيس عبد الله اليافي الذي كلف في 10 آب 1954 اعتذر بعد ستة أيام في 16 آب وهكذا الرئيس تقي الدين الصلح...
ومقابل هذه العيِّنة المدركة هناك مكلفون يصرون على «أسر» البلد كله والدولة ومؤسساتها لأشهر تقارب النصف سنة أو لشهور عدة فهل يتساوى النموذجان؟
أما بالنسبة للنص الدستوري الذي ينظم عملية التشكيل، فقد اكتفى المشترع بالنص على استشارات التشكيل في الفقرة الثانية من المادة 64 ـ دستور لجهة إجراءها من المكلف التشكيل، وهذا ما كان يجري عرفاً، إلا انه لم يضع سقفاً زمنياً لانتهاء هذه العملية فهل يمكن ان يكون المشترع قد جعل «سقفها مثقوباً» لحدود زمنية لانتهائه؟
الواضح من المراحل الأربع التي يمر فيها تشكيل الحكومة الجديدة ونيلها الثقة، ان المشترع لم يحدد سقفاً زمنياً إلا لواحدة منها هي مدة الثلاثين يوماً لانجاز البيان الوزاري للحكومة التي تتشكل، فهل قصد المشترع بذلك ان تبقى المراحل الأخرى ومنها التشكيل من دون سقف زمني؟
المرحلة الأولى، بعد استقالة أي حكومة، هي إجراء رئيس الجمهورية لاستشارات التكليف وتكليفه الحكومة المستقيلة تصريف الأعمال. وهذه المرحلة محكومة بأمرين: مسؤولية رئيس الجمهورية بصون مؤسسات الدولة الدستورية، الأمر الذي يعني فرضية استعجاله إنهاء حالة التصريف لنشوء السلطة الإجرائية المكتملة الدستورية. وكذلك بعلاقة مجلس النواب في نشوء تلك السلطة وهي علاقة مباشرة، فالحكومة هي حكومة المجلس أولاً وعندما تتحول إلى تصريف أعمال تتعطل صلاحيات المجلس عملياً في الرقابة وتنحصر صلاحياته التشريعية بحدود اعتبارها حالة تصريف أعمال أيضاً. ويكون المجلس بذلك، وانطلاقاً من حرصه على استمرار العمل بصلاحياته، يستعجل عملية التشكيل ولا يكون بحاجة إلى نص لحثه على ذلك.
أما استشارات التشكيل التي يجريها الشخص المكلف فهي مجرد استئناس بآراء النواب واتجاهاتهم ونظرتهم إلى الحكومة الجديدة وخصوصاً البيان الوزاري. وهذه المرحلة التي تنتهي عادة في يومين، تبقى مفتوحة أمام اتصالات المكلف مع القيادات النيابية والسياسية، وبالتالي فان تحديد سقفها الزمني غير منطقي إلا إذا ما تجاوز المعقول، وقد يكون المكلف أول من يريد استعجال إنهاء تشكيل الحكومة ليبدأ ممارسة صلاحياته ودوره المهيمن جداً.
أما بالنسبة للثقة، فإنه كما جرت العادة، يعين رئيس المجلس جلسة لمناقشة البيان الوزاري وطرح الثقة، بعد انتهاء إعداده مباشرة، وهذا ما ينص عليه النظام الداخلي للمجلس وتحديداً المادة 73 التي تلحظ مناقشة البيان بعد 48 ساعة على الأقل من جلسة تلاوته...
أما البيان الوزاري الذي انفرد بتحديد السقف الأعلى لإعداده وتصديقه من الحكومة، فهو المرحلة الأصعب كونه يحدد سياسة الحكومة في كل المجالات أمنية وسياسية وإنمائية واقتصادية وتربوية وخارجية وغيرها. والحكومة، وخصوصاً في الأنظمة البرلمانية وفي لبنان تحديدا، تتشكل من ممثلين لسياسات متناقضة متباينة حتى يمكن القول إن كل واحدة منها «تبني مجدها السياسي» على مقارعة السياسة الأخرى. وقد أدرك المشترع ذلك فخصص له المدة الأطول لانجازه وهي 30 يوماً.
وهذا التحديد الفريد لمراحل التشكيل، لا بد من ان يطرح تساؤلاً عند الذين يريدون أو يقولون باحترام الدستور هو التالي: لماذا ينفرد إعداد البيان وهو من أصعب المراحل التي تمر فيها الحكومات الجديدة، بتحديد السقف الأعلى لانجازه بثلاثين يوماً؟
ان هذا التحديد وفق ماهية مراحل التشكيل هو السقف الأعلى لانجاز أي مرحلة من المراحل الأخرى وفي مقدمتها إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة. فالسقف الزمني ليس مفتوحاً لعملية التشكيل، ومن لا يستطيع إنجازها بشهر لا يستطيع إنجازها بشهور إلا إذا تمت الاستعانة بصديق وظهر المكلف عندها محملاً بأمانة «رد الجميل» وهذا ما لم يتقبله صائب سلام وتقي الدين الصلح وعبد الله اليافي وغيرهم بينما رآه آخرون مقبولاً.
لذلك من المفترض إجراء تفسير صحيح لعدم وجود نص يحدد المهلة لتشكيل الحكومة، وهذا لا يؤثر سلباً على «مخصصات طائفة أو مذهب من النظام» باعتبار ان استبدال مكلف بآخر لن يكون إلا من داخل ما تتيحه صيغة 1943 للطوائف والمذاهب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018