ارشيف من :ترجمات ودراسات
’يديعوت’: أضرار الهجوم الاسرائيلي على سوريا الإستراتيجية تفوق انجازاته
اعتبر محلل الشؤون العسكرية في يديعوت أحرونوت رون بن يشاي أن "إسرائيل" ضيعت حرية العمل العسكري من أجل استهداف سلاح غير كاسر للتوازن كان في طريقه الى حزب الله، فما تم استهدافه ليس أكيداً أنه من هذا النوع وما كان يستحق هذه المخاطرة الاستراتيجية.
وأضاف يشاي أن "الرئيس السوري بشار الأسد يتحدى الآن، وفي المرة المقبلة ثمة احتمال كبير جدا بأن يرد بجدية على "اسرائيل" والسؤال، عندئذ ماذا سيفعل نتنياهو عندما ستخرج قافلة سلاح "كاسر للتوازن" حقيقي من سوريا؟".
وتابع إن "سحب النيران التي تصاعدت فوق دمشق قبل حوالي أسبوعين استفزت بشار الأسد ونظامه الى أقصى حد تقريبا، وقد كان من الممكن أن تجر الى رد يشعل مواجهة واسعة النطاق في الشمال. هذه الليلة وصباحا (أمس الثلاثاء) رأينا استفزازا صغيرا - إطلاق نار على سيارة جيب تابعة للجيش وإعلان سوري عن "تدمير آلية اجتازت الحدود". الأسد لا يريد التسبب برد اسرائيلي، لكن في الشرق الأوسط لا يمكن دائما التحكم بحدة النيران".
وفي العودة الى الهجمات الاسرائيلية الشهر الفائت في سوريا، يقول يشاي، إنه "وبحسب التقارير الاجنبية ليس واضحا تماما ما إذا كانت الصواريخ التي استُهدفت مخصصة فعلاً لحزب الله أم هي عموما للجيش السوري - الذي نقصت مخازن السلاح الإستراتيجي لديه بشكل كبير مؤخرا اثر إطلاقها على مواطنيه.. كذلك ليس مؤكدا ما إذا كان الهدف الذي تم قصفه هو حقا بعثة صواريخ "كاسرة لميزان الردع" من إيران أم شيء آخر تماما.. ومن المناسب أيضا التساؤل حول ما إذا كان كل ما كان من المفترض تدميره قد دُمر فعلا وخرج من الدائرة العملية، باختصار، لا تأكيد أبدا على أن القصف الأخير قد مسّ فعلا بشكل كبير بجهد تسليح حزب الله وأن الإنجاز الذي حققته العملية كان يستحق المخاطرة الإستراتيجية التي اتخذها مبادرو هذه العملية".
يشاي سأل "ألم نخسر من أجل إحراق عدة أجهزة ملاحة للصواريخ، يمتلك حزب الله المئات منها، حريةَ عمل عسكري-استراتيجي وشرعية سياسية سنحتاجهما في المستقبل، عندما ستنطلق قافلة سلاح كاسر للتوازن حقيقي (مثل صواريح SA-17) في طريقها من سوريا الى لبنان؟"، وأردف "في جميع الأحوال، حتى في الرد على الإستفزازات السورية يجب الحذر، كي لا يجر الى تعقيدات ومواجهات غير مرغوب بها لدى الطرفين، مثل إدخال حزب الله الى هضبة الجولان - وهو تهديد قد سُمع ويجب أخذه بجدية".
ولفت يشاي الى أن "ضابطا في الجيش يربك إدارة أوباما لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق كان الغباء الذي عالجت به واشنطن وتل أبيب النواحي الإعلامية، السياسية والدبلوماسية للقضية. وقد بدأ ذلك بالرئيس باراك أوباما، الذي أعلن في آب الماضي عن أن استخدام سلاح كيميائي من جانب النظام السوري - أو حتى تحريكه من مخزنه - ما سيشكل تغييرا لقواعد اللعبة. وبكلمات بسيطة: خط أحمر في حال اجتازه الأسد - فإن الولايات المتحدة سترد. ربما حتى بالقوة. وهذا الإعلان في خطاب علني، كما عرفنا، قيل بدون تفكير، قبل أن يقرر الرئيس ومستشاروه ما سيفعلونه في حال اجتياز الأسد فعلا للخط الأحمر".
وجاء في مقال يشاي "حقيقة: بعد ذلك بثمانية أشهر، في نيسان الأخير، عندما اتضح بشكل لا يشوبه أي شك أن الأسد قد استخدم فعلا سلاحا كيميائيا ضد مواطنيه، ساد صمت في الإدارة الأميركية. أوباما لم يقرر حتى الآن كيف يرد.. من أربك الإدارة الأميركية؟ بالطبع الحليف الإسرائيلي. فرئيس قسم البحوث في أمان، العميد إيتي بارون، الذي يُعتبر عمليا الرقم 2 في الإستخبارات العسكرية في "اسرائيل"، جزم بشكل علني أن الأسد استخدم سلاحا كيميائيا وأن حقيقة عدم رد المجتمع الدولي على ذلك هي "مسألة مقلقة". وليس صعبا تقدير أن العميد بارون تعمّد رفع بطاقة صفراء للإدارة الأميركية وللمجتمع الدولي عندما يتحدث عن سوريا - لكن في الحقيقة يفكر بإيران".
ويتابع محلل الشؤون العسكرية في "يديعوت": "سواء كان بارون قد فعل ذلك بإذن وبمعرفة المسؤولين عنه أم لا، فهو نجح في إرباك وزير الخارجية الأميركي الجديد، جون كيري، الذي كان حينها في اسطنبول، حيث سأله الصحافيون، وكيري عديم الخبرة والساذج رفع الهاتف ليتحدث مع نتنياهو. فقال له رئيس الحكومة إنه لا يمكنه أن يناقش ما قاله العميد بارون، ليعود بعدها كمنتصر الى الصحافيين ملوّحا بكلام نتنياهو، لكن بعد مرور عدة أيام اضطر كيري وأوباما نفسه الى الإعتراف، بخجل، بأن فعلا ثمة معلومات استخبارية موثوقة بما يكفي عن أن الأسد قد استخدم سلاحا كيميائيا.. فورا بدأ خصوم أوباما السياسيون من اليمين واليسار، وبالطبع أيضا الإعلام، بإزعاجه بالسؤال عما ينوي القيام به. ولأن الرئيس الأميركي لم تكن لديه فكرة، ولا حتى الآن، عما سيفعله لتلقين الأسد درسا، فقد بدأ بالمراوغة، وفي أزمته أيضا جند رئيس الأركان المشتركة، الجنرال مارتن دامبسي، لتوضيح سبب الخطورة الكبيرة للعمل عسكريا في سوريا - ليس برا فحسب بل أيضا جوا".
بالإضافة الى ذلك، يرى يشاي أن "أوباما واجه خلال الأسابيع الأخيرة عدة فضائح، على أن المشترك بينها جميعا هو كشفها عن مزيج مهين من الخبث والأداء الرديء للإدارة. لكن في هذه النقطة جاءت "اسرائيل" لتساعده فهاجمت سوريا. هذا الهجوم في الواقع يهدف الى منع وصول سلاح متطور الى حزب الله لكن من المناسب جدا للإدارة في واشنطن أن يبدو الهجوم كمبادرة اسرائيلية-أميركية مشتركة. عمل دفاعي اسرائيلي مستقل ونوع من التلميح برد أميركي على اجتياز الأسد للخط الأحمر في موضوع السلاح الكيميائي. وهكذا على الأقل سوف يتوقف خصوم أوباما السياسيون، خصوصا السناتور الجمهوري جون مكاين، عن إزعاج الرئيس المتردد بالموضوع السوري".
"هذه لم تكن نية القادة الإسرائيليين، لكن هذا ما حصل. ففي تل أبيب كانوا مهتمين بالذات بأن يتجاهل الأسد والإيرانيون الهجوم كي لا يردّا عليه بشكل قد يعرّض "اسرائيل" للخطر، لكن في البنتاغون فكروا بشكل مختلف. حيث سارع موظف هناك الى تسريب خبر الهجوم الإسرائيلي الى وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية. والباقي معروف. عمليا لم تحصل كارثة كبرى، لأن بعد ذلك بيوم، في الليلة التي ما بين السبت والأحد، هاجمت "اسرائيل" مجددا مواقع مخازن الصواريخ التي وصلت من إيران. وهذه المرة حصل الهجوم في ثلاثة اماكن - اثنان منهما في أطراف دمشق. سكان المدينة الذين استفاقوا على أصوات التفجيرات ورأوا النيران لم يكونوا بحاجة لتوضيحات وكذلك التسريبة الأميركية في اليوم السابق لم تغيّر الكثير"، على ما يعتقد يشاي.
يشاي يعرب عن قناعته بأنه "وبعد طلعة الغارة الثانية لم يبق خيار لدى الأسد، حزب الله والإيرانيين، إلا التهديد برد مؤلم على "اسرائيل" والبحث عن طرق عملية لتطبيقه.. الروس شعروا أن الغارات الإسرائيلية أنتجت سابقة خطيرة بالنسبة لهم: فالطريقة التي تم فيها تنفيذ الهجمات الإسرائيلية أوضحت لخبراء البنتاغون والنيتو (وللسياسيين الجمهوريين) أنه يمكن التدخل عسكريا في سوريا - على الأقل من الجو - دون خسائر. لذلك عمل بوتين بسرعة وبحزم لنسف هذا الإحتمال.. النقطة الجوهرية هي أن الأضرار الإستراتيجية التي خلفها الهجوم على سوريا وما يسمى كتنسيق غبي بين حكومتي "اسرائيل" والولايات المتحدة كانت أعلى بكثير من الربح الذي حققته العملية العسكرية. (في المحصلة تم في هاتين الغارتين تدمير عدة صواريخ من طراز فاتح 110، التي يوجد لدى حزب الله المئات منها، وإن كانت أقل دقة بقليل)".
وعدّد يشاي أضرار الأداء حول الهجوم في سوريا، فجاءت على النحو التالي كما يقول:
- "منذ الآن سوف يضطرون في الجيش الاسرائيلي وفي المجلس الوزاري المصغر الى التفكير جيدا قبل المصادقة على أي خطة هجومية أو توقيف عبر وسائل أخرى قافلة سلاح من سوريا الى حزب الله في لبنان. في تل أبيب يعرفون حاليا أن في المستقبل ستكون هناك المزيد من المحاولات لنقل سلاح الى حزب الله من سوريا أو من إيران، وفي حالة هجوم اسرائيلي إضافي سيصبح من الصعب على الأسد ضبط نفسه، حتى إذا أراد هو ذلك. ومثله أيضا حزب الله، الإيرانيون وربما أيضا الروسيون.
-"اسرائيل" منحت بإرادتها عاملا داعما- ماديا ومعنويا - لنظام بشار الأسد. فهو حصل على شرعية مضاعفة وضرورية للطلب من بوتين تزويده فعليا، بعد سنوات من التردد الروسي، بمنظومة الصواريخ المضادة للطائرات الـ S-300 وصواريخ أرض-بحر "ياحونط" من الطراز المجهز برادار محسّن. منظومة السلاح هذه هي من جهة طويلة المدى ومن جهة أخرى محصنة ضد التعطيل، الى حد أنها تهدد دولة "اسرائيل" وحرية العمل البحري والجوي الإسرائيلية سواء وصلت الى حزب الله أو بقيت في المقاطعة العلوية المتبلورة في سوريا. كذلك فإن تل أبيب مكّنت الأسد من جمع مؤيديه حوله وزرع حافز لديهم، هو موجود أصلا، لأنها أثبتت لهم أن المتمردين يعملون بالتشاور وبالتنسيق مع ا"سرائيل" والولايات المتحدة.
- لقد سمحت تل أبيب للروس بإظهار موقف صلب مجددا الى جانب زبونهم السوري، وبالمناسبة تقليص ربح مالي، تأثير إقليمي وعدة انجازات سياسية. ليس فقط لأن بوتين وضع اصبعه في عين الولايات المتحدة الأميركية عندما أحبط محاولة فرض عقوبات إضافية على النظام في سوريا، بل أيضا لأنه أجبر نتنياهو - الذي يعتذر بشكل متعاقب منذ قضية مشعل في العام 1998 - على الذهاب اليه في منتجعه في سوتشي، في محاولة لإقناعه بعدم نقل صواريخ الـ S - 300 وياحونط متطورة الى الأسد".
بحسب يشاي، "طلب بيبي بلطف، لكن بوتين وبّخه على الهجمات التي نفذها في سوريا ورفض وعده بشيء. وهذا الأمر يبدو أن الرئيس الروسي كان قد قرره مسبقا: تلقين رئيس الحكومة الإسرائيلية درسا وتوبيخه قليلا كي لا يضرب الروس بنقطة ضعفهم ولا يخدم الأميركيين. مع ذلك، في حقيقة الأمر، لا زالت هناك فرصة ليمتنع بوتين عن نقل الصواريخ المضادة للدبابات والياحونط الى الأسد، أو لكي يمتنع عن تحويلها الى منظومات تنفيذية".
أخيرا، يخلص يشاي في "قضية السلاح الكيميائي والهجوم الإسرائيلي على سوريا الى ظهور حالة اللا-حزم لدى إدارة أوباما وعدم جهوزيته للوقوف خلف الخطوط الحمراء التي وضعها. عموما، من غير الصائب استراتيجيا وضع خطوط حمراء تمرر للعدو قدرة تحديد متى سيعمل ومتى لا يعمل. لكن إذا وضعتَ خطا أحمرا - فإن مصداقيتك وقدرة الردع لديك ستكون على المحك. في طهران رأوا كيف تتشابك كلٌّ من إدارة أوباما وحكومة نتنياهو إحداهما بأقدام الأخرى وتحبط كلاهما الأخرى عن غير قصد وفهموا الدلالات. إنه أمر مؤسف".
وأضاف يشاي أن "الرئيس السوري بشار الأسد يتحدى الآن، وفي المرة المقبلة ثمة احتمال كبير جدا بأن يرد بجدية على "اسرائيل" والسؤال، عندئذ ماذا سيفعل نتنياهو عندما ستخرج قافلة سلاح "كاسر للتوازن" حقيقي من سوريا؟".
وتابع إن "سحب النيران التي تصاعدت فوق دمشق قبل حوالي أسبوعين استفزت بشار الأسد ونظامه الى أقصى حد تقريبا، وقد كان من الممكن أن تجر الى رد يشعل مواجهة واسعة النطاق في الشمال. هذه الليلة وصباحا (أمس الثلاثاء) رأينا استفزازا صغيرا - إطلاق نار على سيارة جيب تابعة للجيش وإعلان سوري عن "تدمير آلية اجتازت الحدود". الأسد لا يريد التسبب برد اسرائيلي، لكن في الشرق الأوسط لا يمكن دائما التحكم بحدة النيران".
وفي العودة الى الهجمات الاسرائيلية الشهر الفائت في سوريا، يقول يشاي، إنه "وبحسب التقارير الاجنبية ليس واضحا تماما ما إذا كانت الصواريخ التي استُهدفت مخصصة فعلاً لحزب الله أم هي عموما للجيش السوري - الذي نقصت مخازن السلاح الإستراتيجي لديه بشكل كبير مؤخرا اثر إطلاقها على مواطنيه.. كذلك ليس مؤكدا ما إذا كان الهدف الذي تم قصفه هو حقا بعثة صواريخ "كاسرة لميزان الردع" من إيران أم شيء آخر تماما.. ومن المناسب أيضا التساؤل حول ما إذا كان كل ما كان من المفترض تدميره قد دُمر فعلا وخرج من الدائرة العملية، باختصار، لا تأكيد أبدا على أن القصف الأخير قد مسّ فعلا بشكل كبير بجهد تسليح حزب الله وأن الإنجاز الذي حققته العملية كان يستحق المخاطرة الإستراتيجية التي اتخذها مبادرو هذه العملية".
يشاي سأل "ألم نخسر من أجل إحراق عدة أجهزة ملاحة للصواريخ، يمتلك حزب الله المئات منها، حريةَ عمل عسكري-استراتيجي وشرعية سياسية سنحتاجهما في المستقبل، عندما ستنطلق قافلة سلاح كاسر للتوازن حقيقي (مثل صواريح SA-17) في طريقها من سوريا الى لبنان؟"، وأردف "في جميع الأحوال، حتى في الرد على الإستفزازات السورية يجب الحذر، كي لا يجر الى تعقيدات ومواجهات غير مرغوب بها لدى الطرفين، مثل إدخال حزب الله الى هضبة الجولان - وهو تهديد قد سُمع ويجب أخذه بجدية".
ولفت يشاي الى أن "ضابطا في الجيش يربك إدارة أوباما لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق كان الغباء الذي عالجت به واشنطن وتل أبيب النواحي الإعلامية، السياسية والدبلوماسية للقضية. وقد بدأ ذلك بالرئيس باراك أوباما، الذي أعلن في آب الماضي عن أن استخدام سلاح كيميائي من جانب النظام السوري - أو حتى تحريكه من مخزنه - ما سيشكل تغييرا لقواعد اللعبة. وبكلمات بسيطة: خط أحمر في حال اجتازه الأسد - فإن الولايات المتحدة سترد. ربما حتى بالقوة. وهذا الإعلان في خطاب علني، كما عرفنا، قيل بدون تفكير، قبل أن يقرر الرئيس ومستشاروه ما سيفعلونه في حال اجتياز الأسد فعلا للخط الأحمر".
وجاء في مقال يشاي "حقيقة: بعد ذلك بثمانية أشهر، في نيسان الأخير، عندما اتضح بشكل لا يشوبه أي شك أن الأسد قد استخدم فعلا سلاحا كيميائيا ضد مواطنيه، ساد صمت في الإدارة الأميركية. أوباما لم يقرر حتى الآن كيف يرد.. من أربك الإدارة الأميركية؟ بالطبع الحليف الإسرائيلي. فرئيس قسم البحوث في أمان، العميد إيتي بارون، الذي يُعتبر عمليا الرقم 2 في الإستخبارات العسكرية في "اسرائيل"، جزم بشكل علني أن الأسد استخدم سلاحا كيميائيا وأن حقيقة عدم رد المجتمع الدولي على ذلك هي "مسألة مقلقة". وليس صعبا تقدير أن العميد بارون تعمّد رفع بطاقة صفراء للإدارة الأميركية وللمجتمع الدولي عندما يتحدث عن سوريا - لكن في الحقيقة يفكر بإيران".
ويتابع محلل الشؤون العسكرية في "يديعوت": "سواء كان بارون قد فعل ذلك بإذن وبمعرفة المسؤولين عنه أم لا، فهو نجح في إرباك وزير الخارجية الأميركي الجديد، جون كيري، الذي كان حينها في اسطنبول، حيث سأله الصحافيون، وكيري عديم الخبرة والساذج رفع الهاتف ليتحدث مع نتنياهو. فقال له رئيس الحكومة إنه لا يمكنه أن يناقش ما قاله العميد بارون، ليعود بعدها كمنتصر الى الصحافيين ملوّحا بكلام نتنياهو، لكن بعد مرور عدة أيام اضطر كيري وأوباما نفسه الى الإعتراف، بخجل، بأن فعلا ثمة معلومات استخبارية موثوقة بما يكفي عن أن الأسد قد استخدم سلاحا كيميائيا.. فورا بدأ خصوم أوباما السياسيون من اليمين واليسار، وبالطبع أيضا الإعلام، بإزعاجه بالسؤال عما ينوي القيام به. ولأن الرئيس الأميركي لم تكن لديه فكرة، ولا حتى الآن، عما سيفعله لتلقين الأسد درسا، فقد بدأ بالمراوغة، وفي أزمته أيضا جند رئيس الأركان المشتركة، الجنرال مارتن دامبسي، لتوضيح سبب الخطورة الكبيرة للعمل عسكريا في سوريا - ليس برا فحسب بل أيضا جوا".
بالإضافة الى ذلك، يرى يشاي أن "أوباما واجه خلال الأسابيع الأخيرة عدة فضائح، على أن المشترك بينها جميعا هو كشفها عن مزيج مهين من الخبث والأداء الرديء للإدارة. لكن في هذه النقطة جاءت "اسرائيل" لتساعده فهاجمت سوريا. هذا الهجوم في الواقع يهدف الى منع وصول سلاح متطور الى حزب الله لكن من المناسب جدا للإدارة في واشنطن أن يبدو الهجوم كمبادرة اسرائيلية-أميركية مشتركة. عمل دفاعي اسرائيلي مستقل ونوع من التلميح برد أميركي على اجتياز الأسد للخط الأحمر في موضوع السلاح الكيميائي. وهكذا على الأقل سوف يتوقف خصوم أوباما السياسيون، خصوصا السناتور الجمهوري جون مكاين، عن إزعاج الرئيس المتردد بالموضوع السوري".
"هذه لم تكن نية القادة الإسرائيليين، لكن هذا ما حصل. ففي تل أبيب كانوا مهتمين بالذات بأن يتجاهل الأسد والإيرانيون الهجوم كي لا يردّا عليه بشكل قد يعرّض "اسرائيل" للخطر، لكن في البنتاغون فكروا بشكل مختلف. حيث سارع موظف هناك الى تسريب خبر الهجوم الإسرائيلي الى وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية. والباقي معروف. عمليا لم تحصل كارثة كبرى، لأن بعد ذلك بيوم، في الليلة التي ما بين السبت والأحد، هاجمت "اسرائيل" مجددا مواقع مخازن الصواريخ التي وصلت من إيران. وهذه المرة حصل الهجوم في ثلاثة اماكن - اثنان منهما في أطراف دمشق. سكان المدينة الذين استفاقوا على أصوات التفجيرات ورأوا النيران لم يكونوا بحاجة لتوضيحات وكذلك التسريبة الأميركية في اليوم السابق لم تغيّر الكثير"، على ما يعتقد يشاي.
يشاي يعرب عن قناعته بأنه "وبعد طلعة الغارة الثانية لم يبق خيار لدى الأسد، حزب الله والإيرانيين، إلا التهديد برد مؤلم على "اسرائيل" والبحث عن طرق عملية لتطبيقه.. الروس شعروا أن الغارات الإسرائيلية أنتجت سابقة خطيرة بالنسبة لهم: فالطريقة التي تم فيها تنفيذ الهجمات الإسرائيلية أوضحت لخبراء البنتاغون والنيتو (وللسياسيين الجمهوريين) أنه يمكن التدخل عسكريا في سوريا - على الأقل من الجو - دون خسائر. لذلك عمل بوتين بسرعة وبحزم لنسف هذا الإحتمال.. النقطة الجوهرية هي أن الأضرار الإستراتيجية التي خلفها الهجوم على سوريا وما يسمى كتنسيق غبي بين حكومتي "اسرائيل" والولايات المتحدة كانت أعلى بكثير من الربح الذي حققته العملية العسكرية. (في المحصلة تم في هاتين الغارتين تدمير عدة صواريخ من طراز فاتح 110، التي يوجد لدى حزب الله المئات منها، وإن كانت أقل دقة بقليل)".
وعدّد يشاي أضرار الأداء حول الهجوم في سوريا، فجاءت على النحو التالي كما يقول:
- "منذ الآن سوف يضطرون في الجيش الاسرائيلي وفي المجلس الوزاري المصغر الى التفكير جيدا قبل المصادقة على أي خطة هجومية أو توقيف عبر وسائل أخرى قافلة سلاح من سوريا الى حزب الله في لبنان. في تل أبيب يعرفون حاليا أن في المستقبل ستكون هناك المزيد من المحاولات لنقل سلاح الى حزب الله من سوريا أو من إيران، وفي حالة هجوم اسرائيلي إضافي سيصبح من الصعب على الأسد ضبط نفسه، حتى إذا أراد هو ذلك. ومثله أيضا حزب الله، الإيرانيون وربما أيضا الروسيون.
-"اسرائيل" منحت بإرادتها عاملا داعما- ماديا ومعنويا - لنظام بشار الأسد. فهو حصل على شرعية مضاعفة وضرورية للطلب من بوتين تزويده فعليا، بعد سنوات من التردد الروسي، بمنظومة الصواريخ المضادة للطائرات الـ S-300 وصواريخ أرض-بحر "ياحونط" من الطراز المجهز برادار محسّن. منظومة السلاح هذه هي من جهة طويلة المدى ومن جهة أخرى محصنة ضد التعطيل، الى حد أنها تهدد دولة "اسرائيل" وحرية العمل البحري والجوي الإسرائيلية سواء وصلت الى حزب الله أو بقيت في المقاطعة العلوية المتبلورة في سوريا. كذلك فإن تل أبيب مكّنت الأسد من جمع مؤيديه حوله وزرع حافز لديهم، هو موجود أصلا، لأنها أثبتت لهم أن المتمردين يعملون بالتشاور وبالتنسيق مع ا"سرائيل" والولايات المتحدة.
- لقد سمحت تل أبيب للروس بإظهار موقف صلب مجددا الى جانب زبونهم السوري، وبالمناسبة تقليص ربح مالي، تأثير إقليمي وعدة انجازات سياسية. ليس فقط لأن بوتين وضع اصبعه في عين الولايات المتحدة الأميركية عندما أحبط محاولة فرض عقوبات إضافية على النظام في سوريا، بل أيضا لأنه أجبر نتنياهو - الذي يعتذر بشكل متعاقب منذ قضية مشعل في العام 1998 - على الذهاب اليه في منتجعه في سوتشي، في محاولة لإقناعه بعدم نقل صواريخ الـ S - 300 وياحونط متطورة الى الأسد".
بحسب يشاي، "طلب بيبي بلطف، لكن بوتين وبّخه على الهجمات التي نفذها في سوريا ورفض وعده بشيء. وهذا الأمر يبدو أن الرئيس الروسي كان قد قرره مسبقا: تلقين رئيس الحكومة الإسرائيلية درسا وتوبيخه قليلا كي لا يضرب الروس بنقطة ضعفهم ولا يخدم الأميركيين. مع ذلك، في حقيقة الأمر، لا زالت هناك فرصة ليمتنع بوتين عن نقل الصواريخ المضادة للدبابات والياحونط الى الأسد، أو لكي يمتنع عن تحويلها الى منظومات تنفيذية".
أخيرا، يخلص يشاي في "قضية السلاح الكيميائي والهجوم الإسرائيلي على سوريا الى ظهور حالة اللا-حزم لدى إدارة أوباما وعدم جهوزيته للوقوف خلف الخطوط الحمراء التي وضعها. عموما، من غير الصائب استراتيجيا وضع خطوط حمراء تمرر للعدو قدرة تحديد متى سيعمل ومتى لا يعمل. لكن إذا وضعتَ خطا أحمرا - فإن مصداقيتك وقدرة الردع لديك ستكون على المحك. في طهران رأوا كيف تتشابك كلٌّ من إدارة أوباما وحكومة نتنياهو إحداهما بأقدام الأخرى وتحبط كلاهما الأخرى عن غير قصد وفهموا الدلالات. إنه أمر مؤسف".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018