ارشيف من :أخبار لبنانية

عون لانتخابات الآن... أو قصة كل الحسابات

عون لانتخابات الآن... أو قصة كل الحسابات
جان عزيز - صحيفة الاخبار


ليس إلا من باب التجني، اتهام ميشال عون بأنه كان يناور طوال عام ونصف، ليخوض الانتخابات على أساس قانون الستين. يكفي دحضاً لذلك عرض دليلين: أولاً في الحسابات النظرية، إدراك عون بالتحليل كما بالتجربة، أن لا مصلحة له بهذا القانون، كما لا مصلحة فيه للمسيحيين الذين يدافع عن حقوقهم. وثانياً في الوقائع العملية، أن عون نفسه هو من فرض استحالة السير بقانون الستين في مجلس الوزراء. وذلك عبر منع تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات، وعدم تخصيص الاعتماد المالي اللازم لإجرائها، وعدم تشكيل لجان القيد. حتى إنه دخل يومها في مواجهة ساخنة مع ميشال سليمان، وكاد يطيح حكومة له فيها ثلثها، وله مع حلفائه أكثرية مطلقة فيها، كل ذلك كي يحول دون بقاء قانون الستين. حتى إنه ذهب في تفكيره إلى حد البحث في اقتراح قانون يعلن تشريعياً وفاة الستين. لو لم تظهر استحالة هذا المسعى، خوفاً من إعادة بعث قانون غازي كنعان. لذلك يمكن القول موضوعياً إن اتهام الرجل بالتخطيط لبقاء الستين، يقع بين افتراء آخر (بما أن المفردة باتت رائجة) وبين عدم المعرفة كحد أدنى. ومع ذلك، لا شك أن الجنرال يختار اليوم، لا أمس ولا غداً، الذهاب إلى الانتخابات، ولو وفق القانون النافذ. لكن لأن في ذلك أهون الشرور المطروحة أمامه، أو أقل الخيارات المفروضة عليه سوءاً.
كيف؟ يكفي أن يستعرض الرجل الاحتمالات المتاحة، وخلفيات كل طرف ميال إلى كل منها.

أولها مثلاً، خيار التمديد للمجلس الحالي، لمدة لا تزيد على ستة أشهر. وهو الخيار الذي أعلن الفريق الحريري تأييده له، أو قبوله به. ماذا يعني هذا الخيار؟ بكل بساطة، يمكن توقع نتائج هذا السيناريو كالآتي: تمر أشهر التمديد المحدودة بسرعتين مختلفتين. فهي ستكون بطيئة مثقلة بسجالات داخلية وخارجية، تهدف في ما تهدف، إلى هضم ردّ الفعل المسيحي الغاضب أو الناقم أو الثائر على إسقاط الاقتراح الأرثوذكسي، فتتذلل الموجة الشعبية الواضحة المؤيدة لعون. وينسى المسيحيون. لا بل قد يجري العمل بشكل مدروس وخبيث على بلبلة ذاكرتهم، وذلك عبر توتير شارعهم والذهاب بهم إلى ملامح صراع عنفي؛ لإحياء صورة حروبهم الداخلية، بدل صورة المسؤولية عن ضرب إجماع بكركي. والبعض يقول إن شيئاً من هذا قد بدأ فعلاً في الأوساط الطلابية، فتتحول الموجة المسيحية من تحميل طرف محدد مسؤولية التخلي عن المناصفة إلى تحميل كل الأطراف مسؤولية عودة التوتر العنفي والصدامي...

غير أن أشهر التمديد المحدودة نفسها، ستمر سريعة أيضاً، بحيث لا يتم الاتفاق على قانون جديد للانتخابات. وتتشكل حكومة يمسك فيها الفريق الحريري بمفاصل إدارة العملية الانتخابية في حقيبتي الداخلية والعدلية. ليطلب من عون في أيلول أو أحد التشرينين، العودة إلى الوضعية نفسها، قانون الستين أو التمديد، لكن في ظروف أسوأ بكثير من تلك الراهنة.

ثاني الاحتمالات المطروحة على عون الآن، التمديد لمدة أطول، تراوح بين عام، وصولاً حتى أربعة أعوام كما تردد. وهو الخيار الذي يميل إليه الطرف الشيعي، بثنائيته. لماذا؟ أيضاً بكل بساطة، لأن حزب الله من جهة، في خضم معركة حياة أو موت، تشنّ عليه دولياً من البوابة السورية، ما يجعل أولوياته متمايزة بعض الشيء عن همّ صناديق الاقتراع الآن. فيما نبيه بري من جهة أخرى مهدد في موقع الرئاسة الثانية، كما سبق وكشف سمير جعجع، ما يعني تهديد طائفة كاملة، في لحظة بقائية تاريخية، لا يعني خروجها فيها من السلطة أقل من خروجها من الحياة ومن الجغرافيا.

وقد تكون ثمة خلفية أخرى لهذا الخيار، لم تعد مكتومة ولا مستورة، وخصوصاً بعد أحداث القصير، ألا وهي الرهان على أن التطورات السورية قد تكون أكثر إيجابية، وقد ترتب تعديلات داخلية على موازين القوى، لتحصينها وتحسينها عمّا كانت عليه في العامين الماضيين، أقله لجهة موقف وليد جنبلاط وتموضعه، وهو ما يشي به تأييد جنبلاط نفسه لهذا الخيار التمديدي الطويل. لكن ماذا يعني ذلك في حسابات عون؟ يعني بكل بساطة، سحب مبدأ التمديد على كل الوضع اللبناني، وبالتالي الوصول إلى الاستحقاق الرئاسي في أيار المقبل في سياق سيحتم الفراغ. فراغ رئاسي قد يتزامن هذه المرة مع فراغات دستورية شاملة، نيابياً وحكومياً وربما إدارياً على أكثر من صعيد دولتي حساس، ما يفضي حتماً ـ كما في كل تجربة فراغ سابقة ـ إلى وضعية تأسيسية تنتهي بتعديل النظام. ومن اعتاد أن يدفع ويتنازل ويُقضم عند كل لحظة كهذه، غير المسيحيين؟
ثالث الاحتمالات، لا التمديد، ولا الانتخاب، وبالتالي الفراغ الآن، وهو ما يُعَدّ مجرد تسريع للسيناريو السابق لا غير.
الانتخابات الآن؟ لم لا، يفكر عون، ويقول ويتصرف على هذا الأساس. لا لأن مناورة معدة مسبقة قد نجحت. بل لأن ضربة سددت إليه راهناً، فعرف كيف يحولها فرصة.
2013-05-23