ارشيف من :أخبار لبنانية

جعجع: لن أخضع لابتزاز الكتائب

جعجع: لن أخضع لابتزاز الكتائب
ميسم رزق - صحيفة الاخبار

طفح كيل معراب. سمير جعجع لن يسكت عمّا يسميه «ابتزاز» آل الجميّل له. ستتعامل القوات مع الكتائب بصفته «خصماً لا حليفاً». الخيط الرفيع الذي يربط الطرفين بالإكراه سيُحرّك، على قاعدة «شدّ الأصابع أفضل من بترها»

ليس هناك أصعب من المشي في حقل الألغام الفاصل بين معراب وبكفيا. فكل خطوة فيه، كفيلة بإحداث تفجير، يُعيد تذكير الساحة السياسية بأن حزبي «القوات» و«الكتائب» متنافسان، لا حلفاء في فريق الرابع عشر من آذار كما يدعّي الطرفان. وإن كان البوح بهذه الحقيقة محبوساً بين قضبان «السيادة والحرية والاستقلال»، بعد عام 2005، أتى قانون الانتخابات، وتحديداً اقتراح اللقاء الأرثوذكسي، ليفصل «الصورة» عن الواقع.

تسعة وثلاثون عاماً، ولم ينسَ حزب الكتائب انتفاضة القوات على «الصيفي». منذ ذلك الحين، لا تزال العلاقة بين الكتائب والقوات ملتبسة. فلا مسيرة النفي والسجن، أزالت «الكره» بينهما، ولا ثورة الأرز أعادت المياه إلى مجاريها.

لطالما نظرت بكفيا إلى «القوات» اللبنانية بصفتها ولداً عاقّاً، خرج من البيت، ولم يكن من المفترض أن يكون له جسم مستقلّ عن الجسم «الأم». هذه النظرة استمرت منذ عهد بيار الجَدّ حتى هذه الأيام. يُروى أن «الرئيس الجميّل، أكد في أيامه الأخيرة، أمام رئيس حزب الكتائب السابق إيلي كرامة أن الهدف الرئيسي للحزب يجب أن يتركز على إعادة القوات إلى حضن بكفيا». إلا أن الانتفاضات المتتالية في الشارع المسيحي هي التي رسمت مسار العلاقة، حتّى مع وجود الرئيس أمين الجميّل في المنفى، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في السجن. بدا لكثيرين أن قلاع بكفيا غير متضررة من حصن معراب. لكن في الواقع، كان حزب الكتائب يرى نفسه في صراع مع القواتيين أكثر منه مع العونيين، إما بشكل مباشر أو غير مباشر. ومنذ عام 2005، بدأت المعركة الخفية، بعدما حاول الوزير بيار الجميّل خلق حالة في الشارع المسيحي، بقيت ما دون حجم القوات الذي بدأ يتضاعف، ما دفع الكوادر الكتائبية، عند كل استحقاق، إلى طرح مسألتين لطالما شغلت بالهم. الأولى، هي محاولة جعجع الاستيلاء على الميراث الشرعي السياسي والتاريخي لحزب الكتائب. والثانية، ضرورة التعاطي مع معراب في كل استحقاق من زاوية المناصفة بمعزل عن حجم الطرفين.

ولا يُمكن فصل مزاج القاعدة الكتائبية عن مزاج الوارث سامي الجميّل. للأخير عتب كبير على جعجع يحمّله لكل عابر سبيل بين الاثنين. فسامي لا ينفك أمام زواره يردّد سيرة أنه «مستاء من عدم زيارة جعجع لبكفيا، فيما قصد الجميّل معراب أكثر من خمس مرات». ولا يمرّ النائب الكتائبي مرور الكرام، على «تجاهل جعجع لما حكي عن معلومات تُفيد بأن الجميّل الابن مهدد بالاغتيال من قبل بعض الجماعات، فلم يكلّف نفسه عناء فتح خط اتصال، أقله لتسجيل استنكار». ولا يُخفى على أحد، بحسب متابعين للعلاقة بين الحزبين، أن «الكتائب تتهم القوات، بأنها هي التي تحرّك الأمانة العامة لـ 14 آذار في وجهها بهدف إقصائها»، وهي أيضاً «التي تحرّك الرئيس السابق لمجلس الأقاليم والمحافظات ميشال مكتّف (الصهر السابق للرئيس أمين الجميّل)». طريق العتب هذا لا يسلك خطاً واحداً، حيث تفتح بكفيا طريقَ عتب فرعياً باتجاه الرئيس سعد الحريري. يرى الكتائبيون أن «الحريري أعطى الأولوية لعلاقته مع القوات اللبنانية على حسابهم»، فيما ردّ الحريريين الدائم يذكّر «بالعلاقة القوية التي ربطت الشهيد بيار الجميّل بالشيخ سعد، ما يعني أن المشكلة هي في سامي الجميّل لا في سعد الحريري». وبعين الحسد، تنظر بكفيا إلى وضع القوات داخل فريق الرابع عشر من آذار، مستنكرة كيف يُصار إلى عقد ثلاثة مؤتمرات لهذا الفريق في معراب، بينما لم يعقد أي واحد منها في الصيفي أو بكفيا.

وسط كل هذه الانتقادات، يملك القواتيون الكثير من الحجج للرد. ينبش هؤلاء الكثير من المعارك التي «تخلّى فيها الكتائبيون عن آذاريتهم». فهم من «يتقنون فن الدخول إلى 14 آذار والخروج منها، متى اقتضت مصلحتهم». وهم أيضاً من «وقعوا في فخّ خطابهم السياسي المزدوج، في ما يتعلّق بأحداث الربيع العربي، إذ كانوا أول المشككين بها، وفخ خطابهم المسيحي، عندما وضعوا الأولوية المسيحية في المقدمة على حساب الشراكة المسيحية – الإسلامية»، من دون أن يكون لهم دور فاعل داخل الفريق، في وقت «افتقرت فيه مقاربتهم السياسية في جميع الملفات إلى الوضوح، وخصوصاً من خلال تعمّدهم إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بنحو غير علني مع حزب الله والرئيس نبيه برّي والنائب سليمان فرنجية».

كان لا بدّ لجمر العلاقة المشتعل تحت الرماد أن يظهر. بدءاً بالصراع على مستوى القواعد الشعبية، والانتخابات التي تحصل في الجامعات والنقابات، وصولاً إلى السياسة العامة لكل منهما. فكان قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي سارت به جميع القيادات المسيحية، ومن ضمنها القوات «من باب المزايدة»، فتيل التفجير القواتي ـــ الكتائبي. فقد أكد جعجع أخيراً أمام زواره أن «لا صحة للكلام حول ما تردد عن عدم التنسيق بين القوات والكتائب في شأن قانون الانتخابات»، مؤكداً أنه «كان يحرص شخصياً على وضع الكتائب في صورة كل الاتصالات والمفاوضات التي كانت تجري مع تيار المستقبل، ولا سيما الرئيس سعد الحريري»، لافتاً إلى أن «كل الكلام الذي يصدر عن الكتائب غير دقيق». وبناءً على ذلك، رسم قائد معراب خطة التعاطي مع بكفيا في المستقبل. قالها علناً: «أنا سمير جعجع لن أسمح باستمرار عملية الابتزاز التي تقودها بكفيا بوجهنا في الشارع المسيحي، لا على مستوى الجامعات ولا النقابات ولا النيابة». مؤكداً أنه «سيقف في وجه الأقدمية التي يتشدّق بها الكتائبيون»، ومن اليوم «على كل طرف أن يمدّ بساطه على قد حجمه».

يعود قائد القوات إلى المفاوضات التي جرت مع العونيين بشأن قانون الانتخابات. يُصر على أنه «وضع الكتائب في صورة كل الاتصالات، وتمّ الاتفاق بينهما على السير في القانون المختلط». الخيانة بنظره «لم تأت من الرابية، بل من بكفيا التي كانت تعلم أنه بحاجة إلى قوى مسيحية تقف إلى جانبه في هذا الملف». يرى أن «الكتائب استغلت المواجهة القواتية – العونية لتقطف ثمارها مسيحياً، وتركت معراب وحدها تتحمل تداعيات التخلي عن الأرثوذكسي في المجتمع المسيحي». مع العلم أن جعجع حامي الحلف الآذاري، وحامل رسالة السلام، سيحرص بحسب متابعين على «الحفاظ على العلاقة مع الرئيس أمين الجميّل والنائب سامي الجميّل»، فـ«الإبقاء عليها، وإن كانت ملتبسة، أفضل من ذهاب الكتائبيين إلى حضن الرابية».
2013-05-23