ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس أسيرة السلاح والمسلحين.. وغياب الدولة

طرابلس أسيرة السلاح والمسلحين.. وغياب الدولة

عمر ابراهيم - صحيفة "السفير"

استعاد أبناء طرابلس، في اليومين الماضيين، تجربة الحرب الأهلية بكل ظروفها المأساوية، واستحضروا من خلالها حقبة سوداء من تاريخ المدينة التي كانت حتى الأمس القريب تنتظر وقفة مسؤولة من قياداتها السياسية ومرجعياتها تساهم في إقفال الجرح النازف في خاصرتها الرخوة في باب التبانة وجبل محسن قبل أن تجد نفسها غارقة في بحر من الدماء التي سالت في أكثر الأزقة والأحياء حرماناً.

ليلة أمس الأول، كانت ليلة قاسية أمضاها سكان المدينة على وقع مواجهات مسلحة، في مشهد مستوحى من حروب سابقة شهدتها طرابلس، ومن تفاصيلها أصوات مكبرات الصوت التي صدحت من المساجد وهي تنذر الأهالي بإخلاء الشقق العلوية والتوجه إلى الطوابق السفلية أو الملاجئ.
هي الحرب إذا التي كان الطرابلسيون يحاولون محو صورتها من ذاكرتهم، ويجهدون لإبعاد هذه الكأس المرة عن أبنائهم، فإذ بهم يجدون أنفسهم في قلب المعركة نتيجة حسابات وارتباطات متناقضة لا تمت بصلة لمصلحة المدينة وأهلها.

بالأمس كانت طرابلس تنتظر تصاعد الدخان الأبيض من قاعات الاجتماعات التي كانت تعقدها بعض القوى السياسية مع قيادات ميدانية ورجال دين بهدف التوصل إلى قرار لوقف إطلاق النار، قبل أن يأتيها الرد سريعاً من فوهات البنادق ليقضي على الأجواء الايجابية التي أشيعت وعلى تطلعات وآمال الطرابلسيين.

يطرح الجرح الطرابلسي النازف بالنيابة عن كل لبنان، أسئلة حول الجهة القادرة على حماية المدينة من محاولات استهدافها وعن مدى استطاعة القوى السياسية في استعادة زمام المبادرة بعد تفلت الكثير من المجموعات المسلحة من قبضتها، وما هو مصير المدينة في حال استمرت المواجهات بعناوينها المحلية والإقليمية، وإذا لم يستطع السياسيون إقناع المتحاربين بالجنوح إلى السلم هل يتم تفويض الجيش اللبناني بالحسم، وهل يكون هناك من سقف للحسم أم أنه مفتوح على كل الاحتمالات.

بدت طرابلس، أمس، كلها في وادٍ وكل المجموعات المسلحة في واد آخر. كانت ليلة الأربعاء الخميس كافية كي تُخرج الناس عن صمتها، ولو أن الصرخة لم تبلغ آذان المعنيين بعد، ولا المتحاربين الذين يخوضون «حرباً مقدسة»، بنظرهم، هم ضحاياها ومعهم مدينتهم وأهلهم.

ويمكن القول إن طرابلس لم تشهد على مدى 15 جولة مضت منذ العام 2008 مثل هذه المعركة، التي أوحت بدايتها أنها ستكون مستنسخة عن الجولات السابقة، قبل ان ترسم تطوراتها الدراماتيكية مشاهد مغايرة، لجهة ارتفاع عدد الضحايا واتساع دائرة المواجهات وبلوغها عمق المدينة وأطراف مخيم البداوي الذي كانت بعض تنظيماته على شفير الانزلاق في المستنقع الطرابلسي بعد سقوط قذيفة على أحد المواقع العسكرية وإصابة بعض عناصره، فضلاً عن حجم ونوعية السلاح المستخدم في قصف الأحياء السكنية والمواقع العسكرية، بالإضافة إلى الخطط التي اعتمدها المسلحون في سعيهم لتحقيق انتصارات ميدانية من خلال لجوئهم الى تنفيذ اقتحامات متبادلة تصدّى لها الجيش بالنار مستعيناً بقنابل مضيئة لكشف عمليات التسلل ومنع حصولها خشية أن تؤدي الى تفاقم الأمور ووصولها الى مراحل لا تحمد عقباها.

فعلى وقع إطلاق الرصاص المتقطع والقذائف بدأ ليل طرابلس أمس الاول، حيث دارت اشتباكات في منطقة بعل الدراويش في التبانة، وسرعان ما انتقلت الى منطقة المنكوبين التي شهدت أعنف اشتباكات منذ بدء هذه الجولة وسط معلومات عن مقاتلين وصلوا اليها من خارج المنطقة لتدعيم صفوف من فيها، فحصلت مواجهات ضارية استمرت حتى ساعات الفجر الاولى، تخللتها محاولات تسلل من الطرفين، معتمدين سياسة الارض المحروقة في قصف الأحياء والمنازل التي تصاعدت منها ألسنة اللهب، ما أدى حتى العاشرة من ليل أمس، الى ارتفاع حصيلة القتلى الى 20 مدنياً، بينهم شخصان قتلا برصاص القنص في جبل محسن وميلاد عوكر الذي توفي متأثراً برصاص أصيب به في القبة، فضلا عن سقوط شهيد ثالث للجيش ليرتفع عدد شهداء المؤسسة العسكرية الى ثلاثة فضلاً عما يزيد عن 200 جريح من المدنيين والمتحاربين وعناصر الجيش وضباطه.

ضراوة المواجهات كانت تنتقل من محور الى آخر، حيث دارت معركة وصفت بأنها الأقسى بين منطقتي الشعراني ومشروع الحريري في القبة وبين حي الأميركان في جبل محسن، استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية والعبوات ذات التصنيع المحلي والتي كان يتقاذفها المسلحون من داخل المباني وفي الشوارع القريبة من بعضها، فضلاً عن قذائف الهاون والتي أدى سقوطها الى إصابات كبيرة والى تضرّر سيارات ومنازل مواطنين في الشعراني على وجه الخصوص.

ولم يكن سير المواجهات في بقية المحاور مختلفاً، خصوصاً في الريفا وحي البقار، والذي كان شهد أيضاً عمليات اقتحام مواقع والسيطرة على مبانٍ، جوبهت من قبل عناصر الجيش المتمركزين في المنطقة.

وانسحبت المواجهات على مختلف المحاور في التبانة والحارة البرانية، وكان يُسمع دوي القذائف والقنابل اليدوية وقذائف الهاون وهي تتساقط على الأحياء صعوداً الى جبل محسن، والذي لم يسلم من قذائف الهاون.

ومع ساعات الصباح الأولى بدأت تتراجع وتيرة المواجهات لتتحوّل إلى مناوشات وأعمال قنص، حاصدة مزيداً من الجرحى وبينهم خمسة عسكريين في الجيش اللبناني، بالإضافة إلى عدد من جرحى رصاص القنص المباشر في حي البقار، واستمر الأمر على ما هو عليه حتى وقت متأخر من ليل أمس، علماً أنه سجل سقوط صاروخ من عيار 107 ملم على جبل محسن ولم ينفجر.

وواصل الجيش تسيير دورياته في بعض مناطق التوتر وفي أحياء طرابلس، وعمل على إخلاء عائلات عدة راغبة في مغادرة منازلها من خطوط التماس، كما ساهمت آلياته في إخراج إعلاميين من داخل خطوط التماس.

وصدر عن قيادة الجيش - مديرية التوجيه، البيان الآتي: «ظهر اليوم (أمس)، تعرّض أحد مراكز الجيش في محلة ضهر المغر - طرابلس لإطلاق نار ادى الى اصابة ثلاثة عسكريين بحروح مختلفة. كما تعرّضت سيارة مدنية تقل عسكرييْن اثنين لإطلاق نار أمام مدخل طبابة منطقة الشمال - طرابلس ما أدى لإصابتهما بجروح خطرة، وقد ردّت قوى الجيش على مصادر النيران، وباشرت عمليات دهم واسعة بحثاً عن الفاعلين. وتم نقل العسكريين الجرحى الى أحد المستشفيات للمعالجة».

كذلك، تواصلت الاجتماعات في المدينة من أجل التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار، وزار مدير عام قوى الأمن الداخلي بالوكالة اللواء روجيه سالم طرابلس والتقى ضباط المنطقة الإقليمية، وأكد أننا «نحافظ على مراكزنا ومؤسساتنا ونفعّل عملنا حتى خارج الاشتباكات ليشعر الناس أننا الى جانبهم وأننا لن نتركهم عرضة لرغبات المسلحين وسنكون الى جانبهم ضمن الأوضاع والإمكانيات الموجودة لدينا».
2013-05-24