ارشيف من :ترجمات ودراسات

الاعتداء الإسرائيلي على سورية ولبنان

الاعتداء الإسرائيلي على سورية ولبنان
بقلم أبو القاسم زادة
عن صحيفة اطلاعات


تداولت وسائل الإعلام مؤخراً، خبر قيام الطائرات الحربية الإسرائيلية بالاعتداء على سورية وكذلك خرقها للأجواء اللبنانية، وهو ما يمكن اعتباره سابقة خطيرة في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ونحن وفي هذا المقال لا نحاول أن نسلط الضوء على رجع صدى هذه العدوان، بل التقويم السياسي له بكل اختصار:

1ـ لا قيمة لهذا الهجوم العسكري الأخير على كلا البلدين (سورية ولبنان) من الناحية العسكرية في ظل افتقارهما لأنظمة دفاع جوية متطورة تمكنهما من وضع حد لهذه الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، هذا فضلاً عن كون سلاح الجو التابع للجيش الإسرائيلي قد حصل على أسلحة حديثة من أمريكا وعدة دول أوروبية (بريطانيا وفرنسا) الأمر الذي يمكنها من القيام بأي اعتداء على أي بلد عربي في أي وقت كان، هذا إذا ما علمنا أن كلاً من سوريا ولبنان بلدان مجاوران للكيان الصهيوني ودائما التعرض للتهديد والخروقات من قبله وذلك بالاستفادة من المقاتلات الحربية الأمريكية.

كما إن خبراء عسكريين في تقويمهم للظروف الراهنة، لا يعيرون أي أهمية لقيمة القوة العسكرية لمثل تلك العمليات (الغارة على سوريا)، إلا أن مثل ذلك الهجوم الأخير، يؤكد على التعبئة والتجهيز الغربي (الأمريكي والأوروبي) للمقدرة التسليحية للكيان الصهيوني بغية التهديد العسكري لكل الدول الإسلامية في المنطقة، هذا فضلا عن مساعي الولايات المتحدة الأمريكية لتغيير معادلة المواجهة العسكرية للكيان الصهيوني مع الدول العربية من خلال تزويده بكافة أنواع الأسلحة الحديثة ومن جملتها الطائرات الحربية الأمريكية الحديثة، لتضع الشرق الأوسط بالدرجة الأولى في إطار دوامة العسكرة والتسليح، وهذا ما شهدناه مؤخراً وذلك لدى قيام كل من قطر والسعودية بإبرام اتفاقية مع أمريكا لشراء معدات عسكرية بقيمة تصل إلى أكثر من 50 مليار دولار أمريكي.
ضوء أخضر

2ـ قال أوباما في الزيارة الأولى له لـ "اسرائيل" وبعد انتخابات المرحلة الثانية للرئاسة الأمريكية بشكل علني وصريح: "إن "إسرائيل" لديها استقلالية في اتخاذها قرارا يتعلق بالحملات العسكرية"، مبررا ذلك بين قوسين بـ"الدفاع عن النفس".
وبعد زيارة أوباما فإن كلاً من وزير الخارجية والدفاع الأمريكيين زارا "إسرائيل" وكررا جملة ومواقف الرئيس الامريكي نفسها، مؤكدين أنها سياسة الدولة الأمريكية إزاء دولة "إسرائيل". وبناءً عليه وبعد إعلان هذه المواقف من جانب الإدارة الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني، فإن أول إجراء قام به هذا الكيان هو الهجوم على سوريا ولبنان، هذا إذا ما علمنا أن كثيرا من المحافل السياسية ووسائل الإعلام المستقلة اعتبروا الاعتداء الإسرائيلي على سورية ولبنان هو بمثابة ضوء أخضر من قبل أوباما.

وبعد انتشار خبر الغارة الجوية الإسرائيلية على كلا البلدين العضوين في منظمة الأمم المتحدة (سورية ولبنان) فإن أوباما لم يعتبر هذا العمل مخالفا للقوانين الدولية، حتى إنه لم يُدِنْهُ أيضاً بل إنه قال مرة أخرى إن "إسرائيل"لديها الصلاحيات لتنفيذ إجراءات عسكرية رادعة في الشرق الأوسط!".

وكلنا يعرف أن الكيان الصهيوني هو الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يمتلك أنواعا مختلفة من الأسلحة غير التقليدية، فضلا عن الرؤوس الحربية النووية والأسلحة الكيميائية، لذلك فإن الرئيس الأمريكي بحديثه الأخير كان قد أجاز لـ"إسرائيل" بأن تقوم بأي عمل عسكري وكان ذلك بمثابة مفتاح لبداية مأساة للشرق الاوسط، هذا فضلا عن كون ذلك بمثابة تخييب لآمال كثير من شعوب الشرق الاوسط فيما يخص التغيير الذي طال مسار سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط المبني على "السلام".

ردود أفعال محبطة

ويعتقد بعض المحللين السياسيين أن إدارة أوباما تعمل على إرساء دعائم الهيمنة العسكرية الإسرائيلية على الشرق الاوسط رغم أن "إسرائيل" تمتلك ترسانة من الأسلحة الذرية والكيمائية، فضلا عن مساعيها لضرب أي معادلة سلام أو توازن أمني في الشرق الاوسط من خلال التدخلات العسكرية.

3ـ لقد بات وضحاً وظاهراً للعيان حالة اليأس التي تعيشها البلدان العربية وكذلك الضعف الناجم عن الأزمات الداخلية التي انتشرت في مصر وسورية والعراق ولبنان وليبيا والجزائر واليمن و.... لتكلل مرة أخرى بهجوم صهيوني على بلدين عضوين في جامعة الدول العربية، هذا في حين اقتصر إعلان مواقف جامعة الدول العربية فقط على نشر أخبار قصيرة في إدانة هذا الاعتداء من دون أن يكون هناك أي نتائج متوقعة وعملية من قبلها حتى على الساحة الدولية، إضافة إلى أن كلاً من أمريكا وبريطانيا و"إسرائيل" سعت كثيراً إلى أن تحوّل بوصلة صراع الشعوب والدول الإسلامية مع الكيان الصهيوني إلى صراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

الاعتداء الإسرائيلي على سورية ولبنان

ولكن هذا الاعتداء الواضح على كل من سوريا ولبنان يدلل على أن هناك تهديداً عسكرياً إسرائيلياً على دول الشرق الاوسط، فضلا عن مساعي هذا الكيان لتوجيه ضربات لمصالح الشعوب المسلمة في المنطقة لا سيَما الشعب الفلسطيني.

4ـ إن ردّ فعل كلّ من روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدول لا يزال غير واضح فيما يخص إدانتهما لهذا الاعتداء في المحافل والأروقة السياسية، رغم أن الغارة الجوية على سوريا هي بالنسبة للرئيس بوتين بمثابة هزيمة، كل ذلك يأتي في سياق تزويد الإدارة الأمريكية الكيان الصهيوني بمعدات متطورة تتمثل في "القبة الحديدية" وما يسمى جدرانا مضادة للصواريخ.

حرب إعلامية باردة

5ـ إن التنسيق الإعلامي لوسائل الإعلام الغربية في عكسها لأخبار اعتداء الكيان الصهيوني على سورية ولبنان كان له مؤشر عن حرب إعلامية باردة، وبحسب الروايات الإعلامية فإن ما يقارب 300 شخص من المواطنين السوريين قتلوا وجرحوا في هذه الغارة، وقد جرى المرور على خبر مقتل السوريين مروراً سريعاً، مقابل عملها على تضخيم ومتابعة ما يسمى "إرهاب" "حزب الله اللبناني" أو حتى تضخيم وتهويل خطر إيران وحزب الله على الشرق الأوسط وكل ذلك يصب في سياق مسار سياسي أو حرب إعلامية باردة، لذلك فإن أسلوب وسائل الإعلام الغربية يؤكد على أهدافها الرامية إلى الحفاظ على السيطرة العسكرية الصهيونية على الشرق الأوسط.

وبدلاً من أن تكون سياسة إدارة أوباما مبنية على مساعي السلام والامن لجميع دول الشرق الاوسط فإننا ينبغي أن نتوقع الفوضى والصراع القومي والمذهبي في داخل البلدان الإسلامية وصولاً إلى "حرب محدودة"، هذا فضلا عن اعتبار نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه ممثلاً للجناح اليميني المتطرف في إسرائيل، مطالباً بإحياء وتكرار السياسات العسكرية "للجنرال شارون "رئيس الوزراء السابق، في البلدان العربية.
لقد اهتم الأمريكيون ببناء 'القبة الحديدية' لـ"إسرائيل" وذلك بغية إظهار القبضة الحديدية للكيان الصهيوني على دول الشرق الاوسط، على الرغم من أن من الأمين العام للأمم المتحدة اعتبر الظروف التي تعصف بالشرق الأوسط "خطيرة جدا"، مطالباً طرفي النزاع بأن يضبطا نفسيهما إلا أن الكيان الصهيوني انتهج سياسة التدخل العسكري وقصف سورية وقام بالاعتداء على الاجواء اللبنانية، وهذا الامر أدى إلى ابتعاد السلام والامن عن الشرق الاوسط وكذلك امتداد نيران الحرب في الشرق الاوسط.
2013-05-24