ارشيف من :أخبار لبنانية
أيار 2000... نهاية تاريخ وبداية آخر
محمد بدير- صحيفة الاخبار
منذ تأسيسها، عملت إسرائيل بجهد ومنهجية، على تكريس فوقيتها العسكرية في أذهان العرب ونفوسهم. هذا السعي ارتكز، من بين جملة أمور، على عناصر مساعدة، منها التفوق التكنولوجي والتحالفات المتوالية مع القوى العظمى، بدءاً ببريطانيا فالفرنسيين، وانتهاءً بالولايات المتحدة. إلا أن الركيزة الأهم التي استندت إليها مقولة التفوق الإسرائيلي العسكري كانت نتائج الحروب التي خاضتها تل أبيب على مدى العقود الأربعة الأولى من عمرها، التي أفضت معظمها (1948، 1956، 1967، 1982) إلى هزائم عربية موصوفة. حتى حرب أوكتوبر 1973، وبرغم أنها تمكنت من هز الجبروت الإسرائيلي في الصميم، إلا أن النتيجة النهائية التي رست عليها وقائع الميدان أسهمت عملياً في ترسيخ التفوق الإسرائيلي في وعي العرب. يمكن العثور على بدايات التأسيس النظري لهذا النهج الإسرائيلي منذ ما قبل قيام دولة الاحتلال. اشتهرت في هذا الإطار المقولة المعروفة لزئيف جابوتنسكي، أحد آباء الحركة الصهيونية في ثلاثينيات القرن الماضي، بأنه «فقط إذا أيقن العرب أن محاولة فرض إرادتهم بالقوة هي أشبه بعبور جدار حديدي يستحيل اختراقه فسيكونون عندئذ مستعدين للتسليم بالسيطرة اليهودية على أرض إسرائيل».
وبعد قيام إسرائيل، وضع دافيد بن غوريون هذه المقولة في صيغة عملية خلاصتها أن «على الجندي العربي أن يصل إلى قناعة بأن أمامه مهمة واحدة في مواجهة الجيش الإسرائيلي هي: الفرار».
في وقت لاحق، جرى التقدم بالصيغة خطوة إضافية عبر الترويج لمقولة «الجيش الذي لا يُقهر». حصل ذلك بعد الانتصار الساحق لإسرائيل عام 1967 حين تمكنت من إلحاق الهزيمة بثلاثة جيوش عربية في غضون ستة أيام. وتكرست هذه المقولة إثر اجتياح لبنان عام 1982 حين وصل جيش الاحتلال إلى بيروت خلال أيام أيضاً. من ثم تبلورت الصيغة في قالب نظريّ أطلق عليه مفهوم «كيّ الوعي» (العربي) الذي يعني أن على إسرائيل أن تدفع أعداءها إلى الانهزام النفسي أمامها من خلال دفعهم إلى الاعتقاد الضمني باليأس من إمكان هزمها عسكرياً. على أن يستتبع ذلك بالضرورة أمران:
الأول، التسليم بحقيقة وجود إسرائيل واعتبارها واقعة حتمية لا تحتمل النقاش.
الثاني، الاقتناع بأن التسوية السياسية (تحت سطوة التفوق الإسرائيلي) هي الخيار الوحيد بالنسبة إلى العرب لحل مشكلة احتلال أراضيهم (أو ما بقي منها). وهذا، على أي حال، ما تحقق في كامب دافيد مع مصر، وأوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، ووادي عربة مع الأردن. على خط هذا التراكم النسقي لحفر الجبروت الإسرائيلي في الوعي العربي، انبثق انتصار أيار عام 2000. كلام كثير يمكن أن يقال في سابقة الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من أرض عربية من دون شروط وتحت وطأة ضربات المقاومة. إلا أن الأهمية الأبرز لهذه السابقة تكمن في أنها مثلت طعناً في الصميم في نظرية كي الوعي الإسرائيلية، وتقويضاً لأسسها ودعائمها. فانتصار 2000 أثبت بالدليل المحسوس أن العجز العربي ليس قدراً مقدراً، وأن بالإمكان هزم إسرائيل ودفعها مرغمةً إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها تحت ضغط الفعل العسكري الميداني، لا عبر المفاوضات المحكومة لمنطق «العرب يأخذون ما تعطيه إسرائيل بشروطها».
على أساس ذلك، يمكن فهم العقدة ــــ بكل معنى الكلمة ــــ التي تولّدت في الوعي الإسرائيلي السياسي والشعبي من خطاب «بيت العنكبوت» (بحسب التسمية الإسرائيلية) الذي ألقاه السيد حسن نصر الله في بنت جبيل عقب التحرير. فمقولة «بيت العنكبوت»، بما تعنيه من هشاشة إسرائيل وقابلية هزمها، مثلت النقيض لمقولة «كي الوعي» التي تعني مناعة إسرائيل واستحالة كسرها، الأمر الذي جعل إسرائيل تتعامل مع ما حصل في أيار 2000 بوصفه حداً فاصلاً بين مرحلة وأخرى. وبناء على ذلك، يمكن فهم ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحاق شامير، من أن «إسرائيل بعد الانسحاب من لبنان هي غير إسرائيل قبل الانسحاب منه». وقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، ما عناه سلفُهُ في محاضرة عام 2007 بقوله «إن المسار التاريخي لدولة إسرائيل انقلب، بدءاً بالانسحاب من لبنان عام 2000، مروراً بالانسحاب من قطاع غزة، وانتهاءً بحرب تموز 2006. فإسرائيل لم تعد في نظر العرب دولة لا تُهزم، وقد عاد التساؤل الوجودي حول إمكانية بقاء إسرائيل يلوح من جديد، ليس فقط لدى الأعداء، بل لدى الأصدقاء أيضاً».
انتصار أيار 2000، في ضوء ما تقدم، كان محطة الانطلاق لمسار جديد رسمت المقاومة آفاق عبوره، مروراً بتموز 2006 وصولا إلى غزة 2009/ 2012. مسارٌ يؤسس لـ «كي وعي» معاكس مهمته أن يجعل الجندي الإسرائيلي في الحرب المقبلة يعتقد أن أمامه مهمة واحدة في مواجهة المقاومة هي: الفرار.
منذ تأسيسها، عملت إسرائيل بجهد ومنهجية، على تكريس فوقيتها العسكرية في أذهان العرب ونفوسهم. هذا السعي ارتكز، من بين جملة أمور، على عناصر مساعدة، منها التفوق التكنولوجي والتحالفات المتوالية مع القوى العظمى، بدءاً ببريطانيا فالفرنسيين، وانتهاءً بالولايات المتحدة. إلا أن الركيزة الأهم التي استندت إليها مقولة التفوق الإسرائيلي العسكري كانت نتائج الحروب التي خاضتها تل أبيب على مدى العقود الأربعة الأولى من عمرها، التي أفضت معظمها (1948، 1956، 1967، 1982) إلى هزائم عربية موصوفة. حتى حرب أوكتوبر 1973، وبرغم أنها تمكنت من هز الجبروت الإسرائيلي في الصميم، إلا أن النتيجة النهائية التي رست عليها وقائع الميدان أسهمت عملياً في ترسيخ التفوق الإسرائيلي في وعي العرب. يمكن العثور على بدايات التأسيس النظري لهذا النهج الإسرائيلي منذ ما قبل قيام دولة الاحتلال. اشتهرت في هذا الإطار المقولة المعروفة لزئيف جابوتنسكي، أحد آباء الحركة الصهيونية في ثلاثينيات القرن الماضي، بأنه «فقط إذا أيقن العرب أن محاولة فرض إرادتهم بالقوة هي أشبه بعبور جدار حديدي يستحيل اختراقه فسيكونون عندئذ مستعدين للتسليم بالسيطرة اليهودية على أرض إسرائيل».
وبعد قيام إسرائيل، وضع دافيد بن غوريون هذه المقولة في صيغة عملية خلاصتها أن «على الجندي العربي أن يصل إلى قناعة بأن أمامه مهمة واحدة في مواجهة الجيش الإسرائيلي هي: الفرار».
في وقت لاحق، جرى التقدم بالصيغة خطوة إضافية عبر الترويج لمقولة «الجيش الذي لا يُقهر». حصل ذلك بعد الانتصار الساحق لإسرائيل عام 1967 حين تمكنت من إلحاق الهزيمة بثلاثة جيوش عربية في غضون ستة أيام. وتكرست هذه المقولة إثر اجتياح لبنان عام 1982 حين وصل جيش الاحتلال إلى بيروت خلال أيام أيضاً. من ثم تبلورت الصيغة في قالب نظريّ أطلق عليه مفهوم «كيّ الوعي» (العربي) الذي يعني أن على إسرائيل أن تدفع أعداءها إلى الانهزام النفسي أمامها من خلال دفعهم إلى الاعتقاد الضمني باليأس من إمكان هزمها عسكرياً. على أن يستتبع ذلك بالضرورة أمران:
الأول، التسليم بحقيقة وجود إسرائيل واعتبارها واقعة حتمية لا تحتمل النقاش.
الثاني، الاقتناع بأن التسوية السياسية (تحت سطوة التفوق الإسرائيلي) هي الخيار الوحيد بالنسبة إلى العرب لحل مشكلة احتلال أراضيهم (أو ما بقي منها). وهذا، على أي حال، ما تحقق في كامب دافيد مع مصر، وأوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، ووادي عربة مع الأردن. على خط هذا التراكم النسقي لحفر الجبروت الإسرائيلي في الوعي العربي، انبثق انتصار أيار عام 2000. كلام كثير يمكن أن يقال في سابقة الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من أرض عربية من دون شروط وتحت وطأة ضربات المقاومة. إلا أن الأهمية الأبرز لهذه السابقة تكمن في أنها مثلت طعناً في الصميم في نظرية كي الوعي الإسرائيلية، وتقويضاً لأسسها ودعائمها. فانتصار 2000 أثبت بالدليل المحسوس أن العجز العربي ليس قدراً مقدراً، وأن بالإمكان هزم إسرائيل ودفعها مرغمةً إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها تحت ضغط الفعل العسكري الميداني، لا عبر المفاوضات المحكومة لمنطق «العرب يأخذون ما تعطيه إسرائيل بشروطها».
على أساس ذلك، يمكن فهم العقدة ــــ بكل معنى الكلمة ــــ التي تولّدت في الوعي الإسرائيلي السياسي والشعبي من خطاب «بيت العنكبوت» (بحسب التسمية الإسرائيلية) الذي ألقاه السيد حسن نصر الله في بنت جبيل عقب التحرير. فمقولة «بيت العنكبوت»، بما تعنيه من هشاشة إسرائيل وقابلية هزمها، مثلت النقيض لمقولة «كي الوعي» التي تعني مناعة إسرائيل واستحالة كسرها، الأمر الذي جعل إسرائيل تتعامل مع ما حصل في أيار 2000 بوصفه حداً فاصلاً بين مرحلة وأخرى. وبناء على ذلك، يمكن فهم ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحاق شامير، من أن «إسرائيل بعد الانسحاب من لبنان هي غير إسرائيل قبل الانسحاب منه». وقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، ما عناه سلفُهُ في محاضرة عام 2007 بقوله «إن المسار التاريخي لدولة إسرائيل انقلب، بدءاً بالانسحاب من لبنان عام 2000، مروراً بالانسحاب من قطاع غزة، وانتهاءً بحرب تموز 2006. فإسرائيل لم تعد في نظر العرب دولة لا تُهزم، وقد عاد التساؤل الوجودي حول إمكانية بقاء إسرائيل يلوح من جديد، ليس فقط لدى الأعداء، بل لدى الأصدقاء أيضاً».
انتصار أيار 2000، في ضوء ما تقدم، كان محطة الانطلاق لمسار جديد رسمت المقاومة آفاق عبوره، مروراً بتموز 2006 وصولا إلى غزة 2009/ 2012. مسارٌ يؤسس لـ «كي وعي» معاكس مهمته أن يجعل الجندي الإسرائيلي في الحرب المقبلة يعتقد أن أمامه مهمة واحدة في مواجهة المقاومة هي: الفرار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018