ارشيف من :أخبار لبنانية

من دروس «25 أيار»

من دروس «25 أيار»
عفيف رزق - صحيفة السفير

في أدبيات الثورة الفيتنامية تروى القصة التالية: كان الجندي الأميركي التابع لقوات الغزو الأميركية، يدخل بيت الفلاح الفيتنامي في الأرياف، ويأخذ منه عنوة كل ما يملكه من مواد غذائية، من بيض ودجاج وخبز و... وبعد خروجه كان الفلاح يسأل: مَن هو هذا؟ ويأتيه الجواب، بأنه من القوات الأميركية، فيردّ متنهّداً ومتمتماً: «الله يهزم هذا الجندي ومَن معه». أما عندما كان المقاوم في جبهة «الفيتكونغ» يدخل عليه ويطلب إبرة مع ما تبقى فيها من الخيط لإصلاح فتق أو مزق في قميصه الممزّق، ثم يعيدها إلى الفلاح شاكراً. كان الفلاح يسأل: «مَن هو هذا؟» وعندما يعرف يبتسم ويرفع رأسه داعياً بنصرة الثوار... ويُقال، هذا واحد من أسباب انتصار الثورة الفيتنامية على القوات الأميركية الغازية. في المضمون الرمزي لهذه القصة، تكمن أهمية العلاقة بين الثوار والبيئة الحاضنة.

بموضوعية وقناعة وثقة وتجرد، انتصرت المقاومة في الجنوب اللبناني على أعتى وأقــوى قــوة عسكرية إسرائــيلية محتــلة في 25 أيار 2000. ومهما قيل، فإن انتصار المقاومة كان أولاً: بصمودها الرائع، بوجه القوة المعتدية، الذي لا يمكن لأي كان، وتحت أية ذريعة، إلا التسليم به. وثانياً: لإفشالها مخطط العدو الإسرائيلي الذي هدف بالدرجة الاولى القضاء عليها، ومن نافل القول إن الصمود هو سبب الانتصار، كما هو سبب الفشل؛ وثالثاً: إبراز، بشكل لا يقبل الجدال، الغباء وقصر النظر لدى القادة الإسرائيليين الذين تجاهلوا بديهية ثبت صوابها على مر الازمان من أن اية قوة لا تستطيع الانتصار على المقاومة الشعبية؛ ورابعاً: قوة ومصداقية الاحتضان الشعبي الذي حظيت به المقاومة من سكان القرى والبلدات المحتلة.

كتب مراسل صحيفة «اللوموند» الفرنسية في صيف 1982 تقريراً عن الوضع في منطقة الجنوب تحت الاحتلال الاسرائيلي، ومما جاء في هذا التقرير انه كان صباح احد الايام يجلس، في كوخ، مع جندي إسرائيلي مكلّف حراسة «معبر باتر». أخذ القادمون الى مناطق الاحتلال يتجمّعون امام المعبر بانتظار فتح بوابته. طال الانتظار وامتلأت الساحة بشتى انواع السيارات المحمّلة بالبضائع، فجلس المواطنون جماعات جماعات في ظل السيارات الكبيرة.

شربوا الشاي، بعدها تناولوا الطعام، قام بعضهم لتأدية صلاة الظهر.. وعندما طال الانتظار أكثر مما كانوا يتوقعون، أخذوا يرقصون الدبكة ويغنون. في هذه الأثناء كان الوضع داخل الكوخ، كما يقول التقرير، يشهد توتراً عصبياً حاداً ومتصاعداً ظهر على تصرفات الجندي الاسرائيلي مترافقاً بكلام خافت أشبه بالهذيان، حتى ان المراسل اعتبر ان الجندي «سجين» والمنتظرين هم الطلقاء. استمر هذا الوضع، فرفع الجندي سماعة الهاتف وتحدث مع مركز قيادة المنطقة مبدياً عدم إمكانية تحمّله المشهد أمامه، فإما تصدر الأوامر بفتح المعبر، وإما ارسال بديل عنه.. وفعلاً تم فتح البوابة وانطلق المنتظرون كل في اتجاه... هذه حادثة من حوادث كثيرة جداً ومعبرة عما كانت تزخر به الساحة الجنوبية من أنواع المقاومة الشعبية التي كانت سائدة في تلك الفترة، من إقفال بوابات «الجدار الطيب والمراكز الصحية»، الى رفض البضائع الاسرائيلية التي غزت الساحات الجنوبية، الى ماذا حلّ بسائق سيارة الدورية الاسرائيلية والى جانبه أحد كبار الضباط من تحرك ضفدع في كومة قش يابس على جانب طريق عام.

هناك حاجة الى تجــسيد هــذا الواقــع في وثائق الى جــانب مجهــود مقاومة السلاح، عندها يكتمل الدرس بدفتيه: الشعبية والمنظمة، إذا جاز التعبير.
2013-05-25