ارشيف من :أخبار لبنانية
الطوائف والمقاومة تكسر حدود سايكس ـ بيكو
سركيس ابو زيد - صحيفة "السفير"
يشهد المسرح السياسي اللبناني «بازار» قوانين انتخابية ومخاض تشكيل الحكومة وصيغ تمديد واحتمالات فراغ دستوري وضياعاً وفلتاناً أمنياً الى حد الفوضى.
وسط هذا الضجيج يواجه لبنان تحديات مصيرية تفرضها حقائق بدأت تتمظهر في الواقع أكثر، منها:
1) سقوط النظام الإقليمي العربي الرسمي ودخوله في مرحلة انتقالية تودع الماضي من دون أن يتبلور المستقبل. وتداعيات السقوط سوف يكون لها انعكاسات وتجاذبات على الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها والمتحالفة مع قوى إقليمية تتمدّد وتتماهى معها وتحدد قواها وتقرر مصير التوازنات الداخلية اللبنانية، بسبب ترابطها العضوي والبنيوي مع التوازنات الخارجية الإقليمية والدولية، وإمكانية إعادة رسم حدود القوى الإقليمية نفوذها وامتداداتها دولياً ومحلياً.
2) سقوط اتفاقية سايكس ـ بيكو التي رسمت الحدود السياسية لدول الهلال الخصيب في العقد الثاني من القرن العشرين، حيث ظهر لبنان بحدوده الحالية العام 1920. وقبل نهاية قرن على نشوء الكيان اللبناني بدأت الأحداث تكسر الحدود السياسية بعد أن اعترفت بها الدول كحالة قانونية دولية، والحركات القومية كأمر واقع. لكن من جهة فإن «اسرائيل» تهدد حدود لبنان الجنوبية بمطامعها التوسعية في الارض والموارد، ومن جهة أخرى تحوّلت حدود لبنان الشمالية الشرقية الى مساحات مفتوحة تشهد تراشقاً عابراً للحدود، وتبادلاً لإطلاق النار، وتنقل المقاتلين والعتاد بين ضفتيها، وقد اصبحت ساحة واحدة مستباحة للسلاح والمقاتلين والامدادات. وهكذا غدت هذه الحدود خطوطاً افتراضية يُعاد رسمها على ضوء نتائج الصراع الدموي الدائر على ضفتي الحدود وفي كلا البلدين.
وفي كل الحالات فإن مصير الكيان اللبناني على المحك، ويرجح ان وجوده بات مرهوناً بالمعارك الدائرة ونتائجها، وبالتالي قد تعدل حدوده قبل مضي قرن على ترسيمها. فلبنان على ابواب تغييرات جوهرية قد ترسمها جماعات وقوى فاعلة على الارض بامتداداتها الطبيعية والإقليمية أو يكون أمام مأزق سايكس بيكو جديدة ترسمها الدوائر الإقليمية والدولية.
3) سقوط اتفاق الطائف بسبب عدم القدرة على تطبيقه كاملاً، او لعدم توفر الإرادة لذلك التطبيق. وسقوط الطائف، يضع لبنان امام فراغ دستوري، تنجم عنه حالة فوضى تهدد السلم الاهلي والوحدة الوطنية وتجعل الحكم فيه غير ممكن، ودولة فاشلة عاجزة إزاء ازمة حكومة وحكم ونظام، فضلاً عن ازمة كيان ومصير ووجود.
إن سقوط النظام الإقليمي سياسياً (عجز الجامعة العربية) وجغرافياً (تكسير حدود سايكس بيكو) وتزامنه مع سقوط الدولة اللبنانية سياسياً (عجز اتفاق الطائف كمرجعية شرعية) وأمنياً (تناقض المواقف السياسية من استراتيجية الدفاع ضد إسرائيل والتعامل مع الحكومة والمعارضة السوريتين)، ما يفتح الباب واسعاً امام اسئلة ومعطيات وتحديات مستجدة تواجه لبنان من دون جواب موحّد ومحدّد منها:
١) فائض العنف والارهاب عبر حدود سايكس ـ بيكو، كسر الحواجز التي رسمتها الكيانات السياسية، وتحوّلت تخومها ساحة معركة واحدة، تعددت فيها المعابر لنقل العتاد والمقاتلين.
٢) فائض العصبيات المذهبية والإتنية والقبلية يشجع التواصل بين الجماعات المنتشرة على ضفتي الحدود متجاوزة الحدود السياسية التي اصبحت شرايين تواصل بدلاً من كونها جدار فصل. لم تكن حدود سايكس بيكو على حجم الفئات المنتشرة جغرافياً في اكثر من كيان سياسي. فقد طافت الجماعات عن التخوم المسيّجة وحطمت الحدود التي تباعد بين الأهل والأقارب.
٣) فائض الجهل والتخلف والتبعية والاستبداد والتكفير، مع فائض الظلم والقهر الذي وحد النازحين واللاجئين والهاربين من الخوف والاستبداد فأصبحوا مادة متفجرة تتمدد في المكان على اتساعه، ضاربةً عرض الحائط الحدود المصطنعة التي أصبحت عاجزة عن عزل الناس في معتقلات كبيرة.
٤) فائض المقاومة ضد اسرائيل أخرجها من القمقم الكياني، فغدت المقاومة في لبنان نموذجاً للانتفاضة في فلسطين، وسنداً للمقاومة في الجولان (إذا اندلعت) وامتداداً للمقاومة في العراق وحلماً للمعارضة في الاردن، وكلما اشتد عود المقاومة في لبنان أصبحت نواة لجبهة شرقية توحّد قوى الممانعة والمقاومة والتغيير في المنطقة، متجاوزة الحدود والحواجز وطاقة توحيد المجتمع وتثويره في جبهة مقاومة على امتداد المشرق العربي بعيداً عن الحدود الرسمية والتخوم الافتراضية.
٥) وبالتوازي مع فائض قوة المقاومة يواجهه فائض قوة الثورة المضادة او فائض العداء لسلاح المقاومة وروح الممانعة تحت شعار الاستقرار والازدهار على قاعدة التطبيع والسلم مع اسرائيل. مما شكل جبهة محاصرة المقاومة وأوجد مواجهة مفتوحة بين المقاومة وأعدائها.
هذه الأسئلة الوجودية من يجيب عنها في لبنان؟
القوى القومية والتقدمية غارقة في أزمة أحزابها وتنظيماتها وتعيش حالة مخاض ونقد ذاتي ولم تبلور بعد فكراً جديداً فاعلاً. الجماعات الدينية تلقت التحديات وتجاوبت معها بأشكال ومستويات مختلفة.
هكذا يمكن رصد الحراكات الشعبية التالية:
1) بعد ان ساد الفكر الانعزالي بشكل واسع داخل الوسط المسيحي، داعياً الى فصل لبنان عن محيطه ونظّر لإمكانية ادارة شؤون لبنان بعيداً عن جواره، نلاحظ ان هذا الوسط انتقل الى وعي مشرقي يتفاعل مع المحيط ويلتزم بقضاياه ويدرك ترابط وجوده ووضعه في لبنان مع تطورات الحالة الإقليمية، لا سيما في المشرق، فتأسست جمعيات ومراكز تدعو الى إحياء المشرقية بأشكال مختلفة تدل عن وعي جديد للتراث والمصير.
2) يشهد الجمهور السني في لبنان حالات تجاذب حادة غير مستقرة ولم يحسم بعد بين اتجاهات فكرية متناقضة، يتوزعها «الإخوان المسلمون» والسلفيون والليبراليون وتراودها تيارات الاعتدال والفكر القومي والتقدمي على اختلاف مدارسه. هذا الجمهور كان يتعاطف تاريخياً مع القومية العربية وكان في طليعة دعم ثورات الاستقلال العربية والقضية الفلسطينية على اختلاف مراحلها. اما اليوم فيشهد مواجهة كامنة وأحياناً مكشوفة بين تيارات التكفيريين ودعاة الإمارة الإسلامية ولو في حي او قرية وبين فكر ديني وسطي معتدل يعبر عن نفسه بأشكال متنوعة، وهو في حالة الدفاع والترقب والضياع بين «لبنان اولاً» لا يرضي طموحه وبين «هلال سني» لم تتبلور معالمه بعد. هل هو بديل عن العروبة ام امتداد للعثمانية الجديدة. فبعد سقوط العروبة الخيالية يفتش رواد العروبة التاريخية عن عروبة حضارية جديدة تحقق طموحاتهم وتوحد جهود الأمة على اختلاف مذاهبها وتياراتها.
3) الاتجاه الشيعي الأغلب يلتف حول المقاومة التي بدأت تشعر بمأزق عزلتها الجغرافية (الجنوب والبقاع) وبشرياً (الطائفة الشيعية وحلفاؤها)، كما ان التحديات التي تواجهها من خارج الحدود من فلسطين المحتلة والعراق الفدرالي وسوريا المعارضة والسلطة، ما دفع البعض الى بداية طرح افكار ابعد من المقاومة الاسلامية في الجنوب لتلامس الدعوة الى تحرير الجليل في الشمال الفلسطيني ودعم المقاومة في الجولان ومساندة العمق العراقي، مما بدأ يلامس فكرة حرب التحرير الشعبية الممتدة من المتوسط الى الخليج والتي يطلق عليها البعض «الهلال الشيعي»، بينما يسميها آخرون هلال المقاومة المدعوم من إيران. وقد بدأت اوساط شيعية تستسيغ تسمية «الهلال الشيعي» لما فيها من امتداد شعبي وجغرافي يربط بلاد الشام ببلاد الرافدين وجبل عامل بالنجف.
4) اما الدروز فهم يتوزعون في فلسطين ولبنان وسوريا ويحلم البعض منهم بجبل يوحّدهم بين كل التناقضات التي تحيط بهم وتتحكم بأكثريتهم حالة الانتظار والتردد والخوف من المجهول.
يتخوف بعض اللبنانيين من اتجاه الوضع الى سقوط الدولة جغرافياً وسياسياً، خاصة ان منطقة الهلال الخصيب تشهد اعادة رسم موازين القوى والحدود:
1) على أساس «سايكس بيكو» جديد يقسم المقسّم.
2) يمكن أن تذهب المنطقة الى فرصة جديدة اذا تمكّنت قوى المقاومة والتغيير من إعادة توحيد المجتمع في مواجهة المشروع الاميركي الاسرائيلي عبر صيغة مجلس تعاون مشرقي على طريقة «مجلس التعاون الخليجي» او تأسيس جبهة شرقية توحد قوى المقاومة والانتفاضة والممانعة في حرب تحرير قومية.
3) إعادة إنتاج «سايكس ـ بيكو» القديم بصيغ جديدة تتلاءم مع تحولات الواقع في المنطقة ولبنان تحديداً.
الانقلاب الاستراتيجي في المنطقة والمنعكس حكماً على لبنان يفرض تحدياً على لبنان والمنطقة يلخصه سؤال فلسفي: إلى أين؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018