ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق من كولن باول إلى جفري فيلتمان

دمشق من كولن باول إلى جفري فيلتمان

صحيفة "السفير" - عبد الهادي محفوظ

إشارات متناقضة للإدارة الأميركية حيال العلاقات مع دمشق. فتجديد قرار العقوبات يأتي خارج سياق ديبلوماسية الحوار التي اعتمدها الرئيس باراك أوباما نحو العاصمة السورية. والدلالة هي في التوقيت. ما أن أنهى نائب وزير الخارجية الأميركي فيلتمان محادثاته في سوريا التي تكلم فيها بارتياح عن «تقاطع في المصالح الأميركية ـ السورية» حتى كان صدور قرار تجديد العقوبات جاهزاً. ومع أنه في واشنطن لم يتم الربط بين العقوبات ونتائج زيارة فيلتمان فإن دمشق اكتفت بالتفسير الأميركي الذي اعتبر أن الأمر يقتصر على الجانب «الروتيني» ولا يؤثر على توجهات الرئيس أوباما الجديدة نحو الشرق الأوسط، حيث عنصرها الأساسي هو الانفتاح على دمشق وطهران. لكن أيا يكن الأمر تتعاطى العاصمة السورية بشيء من الحذر مع قرار تجديد العقوبات شأنها في تعاطيها مع الديبلوماسية الأميركية الجديدة حيث هناك مزيج من التفاؤل والحيطة في آن معا.

في الأساس اندرج قرار العقوبات بسياسة أميركية شاءت تغيير سلوك النظام السوري وحتى إسقاطه في توجّه للرئيس السابق جورج بوش نحو تشكيل «شرق أوسط جديد» تكون فيه الخريطة السياسية للمنطقة «أميركية» بدون ألوان مضافة. وكان الاحتلال الأميركي للعراق يشكل تهديداً حقيقياً للنظامين السوري والإيراني اللذين عمّقا من تحالفهما وتبنيّا موقفاً واحداً في دعم المقاومة العراقية وفي رفض الاحتلال الأميركي. وبالتأكيد فإن «التعويض» عن الخسائر الناجمة عن قرار العقوبات كان في توفير إيران للإمدادات النفطية وللتغطية المالية لشراء الأسلحة وفي توسيع دائرة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين.

لا يكفي أن يكون الرئيس أوباما حاسماً في توجهه الديبلوماسي نحو المنطقة حتى تستقيم الأمور. فمقاربة اسرائيل للأوضاع تناقض توجّه الرئيس الأميركي. نتنياهو يرى أن «الخطر الوجودي» في المنطقة يتمثل بإيران. فيما ليست هذه هي وجهة نظر باراك أوباما الذي يرى أن تفكيك التوتر في المنطقة يرتبط بحل الدولتين، أي إقامة الدولة اليهودية والدولة الفلسطينية. ومن هنا فإن الإبقاء الأميركي على العقوبات ضد سوريا له علاقة باستكشاف ما يمكن أن يقوم به باراك أوباما بعد أن يستكمل جولة حواراته مع بعض قادة المنطقة.

أدرك فيلتمان في محادثاته السورية أن دمشق تتمسك باستعادة الجولان كاملاً كما أنها ليست في وارد التهاون في دورها الإقليمي. إضافة إلى أنها تريد ترجمت «النيات الطيبة الأميركية إلى أفعال». فدمشق ليست «جمعية خيرية» تقدم خدمات مجانية. وفي هذا المجال كان الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد واضحاً مع محاوره الأميركي فيلتمان: دمشق متفائلة بالسياسة الأميركية الجديدة وهي مستعدة للبناء عليها إذا ما لمست تجاوباً أميركياً فعلياً مع مطالبها البديهية التي منها رفع العقوبات والتعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وفي اللقاء الذي جمعه والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تكلم الرئيس السوري عن تقاطعات ايجابية بين السياستين الأميركية والسورية وعن نقاط خلاف وعن استعداد سوري لتعامل بنـّاء مع الإدارة الأميركية الجديدة إذا ما اختارت فعلاً أن تأخذ مسافة عن المصالح الإسرائيلية بوجهة محايدة نسبياً.

بوصلة الرئيس باراك أوباما نحو المنطقة تعتمد على المعادلة الآتية: «يجب ألا تتخذ المعركة ضد الإرهاب في أي حال من الأحوال شكل حملة ضد الإسلام، مع تجاهل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. من جهة أخرى لا يمكن أن يجتمع العرب والمسلمون في تحالف مناهض للإرهاب إلا من طريق تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.» دمشق تجد في هذه «البوصلة الأميركية» مدخلاً لتحقيق السلام العادل. لكن إلى الآن تراعي واشنطن الاعتبارات الإسرائيلية ولم تتجاوزها في موضوع الجولان. وهذه الاعتبارات تلحظ الأهمية الاستراتيجية للجولان كموقع يشرف على عمق الأراضي الإسرائيلية وعلى كون بحيرة طبريا توفـّر المصدر الرئيسي للمياه في مناطق الشمال وعلى كون المنتجعات السياحية على ضفاف البحيرة هي المصدر الأساسي للمياه في مناطق الشمال.

في جانب آخر يريد الرئيس الأميركي اختبار موقف حلفائه العرب من الانفتاح الأميركي على سوريا، وتحديداً السعودية ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، كما يريد معرفة طبيعة العلاقة التي تنشأ بين سوريا وكل من لبنان والعراق بعد الانسحاب العسكري الأميركي... وأكثر من ذلك يعرف باراك أوباما أن أيّ تحوّل فعلي إيجابي باتجاه دمشق يفترض تحضير الأجواء في الحزب الديموقراطي الذي ينتمي إليه وربط ضرورات هذا التحوّل بالحاجة الأميركية إلى الانسحاب من العراق ومساهمة العاصمة السورية في استقرار الساحة العراقية.

الصورة الحالية للعلاقة الأميركية ـ السورية تجعل دمشق حريصة على تمتين علاقتها بطهران مع فتح النوافذ على المملكة العربية السعودية والأردن وعلى ترتيب «البيت الفلسطيني» بما يكفل وحده المسارات التفاوضية. فدمشق تعرف أن مرحلة إملاء السياسات والشروط الأميركية قد ذهبت وأن واشنطن مستعدة للإصغاء كما أنها مع أوباما خرجت من وهم إحياء دور «روما القديمة» في العلاقة مع الآخرين.

باختصار شديد نحن إزاء صورة جديدة في العلاقة بين واشنطن ودمشق : صورة كولن باول الذي يضع شروطاً على دمشق. والثانية جفري فيلتمان الذي يبحث عما يمكن تلبيته من المطالب السورية.
 

[ رئيس المجلس الوطني للإعلام (لبنان)
 




   
 



2009-05-29