ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري يمدّد لنفسه في المنفى

الحريري يمدّد لنفسه في المنفى

ميسم رزق - صحيفة "الاخبار"

 
ليس مهمّاً أن يبقى الرئيس سعد الحريري زعيماً أو يتحوّل إلى مجرّد رقم على اليمين أو الشمال. المهمّ أن «يبقى بخير». يجهد زعيم تيار المستقبل منذ فترة لإيجاد ذرائع جديدة تتيح له البقاء خارج البلاد، بعدما فقدت الحجج الأمنية قيمتها، حتّى عند جمهوره، أتاه التمديد النيابي ذريعة لتمديد «إجازته السياسية المفتوحة».

يلعب القدر لمصلحة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إيجاباً هذه الأيام. قد يبدو ذلك غريباً، نسبة إلى الهزّات السياسية التي تعرّض لها زعيم تيار المستقبل بعدما أخرجته استقالة وزراء حكومته من جنّة السرايا. مروراً بالأزمة المالية والتنظيمية التي عصفت بشركاته، وصولاً إلى الأحداث السورية التي انغمس في وحلها. طبعاً، لم يدُر الزمان دورته الكاملة مع «الشيخ»، فلا أزمته المالية حُلّت، ولا تياره أصبح على خير ما يُرام، ولا نظام الرئيس السوري بشار الأسد سقط ليعود إلى بيروت عبر مطار دمشق كما وعد.

من هنا، جاء التوافق على التمديد لمجلس النواب لسنة ونصف سنة «شحمة على فطيرة». لن يضطر «الشيخ سعد» إلى العودة، والشعار الخالد «زي ما هيي» لن يحتاج إلى من يردّده قريباً على مسامع الجماهير. مدّد مجلس النواب لنفسه، فمدّد الحريري «إجازته السياسية المفتوحة».
يمكن القول إن الحريري هو صاحب المصلحة الأول في مخالفة الدستور. فإجراء الانتخابات في موعدها، وهي اللازمة التي ما برح التيار الأزرق يردّدها من أشهر، كانت تضيف إلى هموم رئيس الحكومة السابق همّ العودة إلى لبنان؛ لأن حصولها في غيابه كان سيُشكّل له إحراجاً كبيراً.
بإمكان الحريري المفجوع باغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، أن يفرط في الحديث عن الخطر الأمني المحدق به، لتبرير غيابه عن حضور ذكرى هذا الاغتيال. كذلك يُمكنه، وهو المصعوق بنبأ استشهاد صديقه اللواء وسام الحسن، أن يتذرّع بالخطر ذاته، كي لا يفكر أحد مرتين في دعوته إلى حضور مراسم التشييع. لكنّ حال الانتخابات مختلفة. فمن الصعب جداً، في ما لو حصلت الانتخابات في موعدها، أن يدير رئيس أكبر كتلة نيابية حملته الانتخابية من الخارج. الحملات هذه تفترض وجوده داخل البلاد لشدّ عصب قاعدته الشعبية. وحتى لو كان «الشيخ» يعوّل على العنصر الأكثر تأثيراً في هذه الحملات، وهو المال الانتخابي، إلا أنه من غير الجائز لزعيم في مثل حجمه، «الهروب» كل هذه المدّة.

هذا ليس تحليلاً شخصياً، بل هو ما يدور في كواليس قوى الرابع عشر من آذار. الجميع يتحدث عن الغياب «غير المبرّر». الرسالة وصلت إلى الحريري في الرياض، ومفادها أن «عودتك باتت لا بدّ منها، وبقاءك خارج البلاد أمرٌ غيرُ مرحَّب به»، على قاعدة «يسواك ما يسوانا ما يسوى الجميع». فكل السياسيين في لبنان مهددون وفي دائرة الخطر. وتقول مصادر قريبة من فريق الرابع عشر من آذار إن هناك «من ذكّر الشيخ سعد بجملة رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع قبل دخوله إلى السجن، عندما طالبه البعض بالخروج من لبنان، فردّ قائلاً: لست أفضل من شبابنا، وما ينزل بهم ينزل بنا». وبالتالي إن «إصرار الحريري على عدم سماع النصيحة»، يُبيّن للجميع أنه «خائف على نفسه أكثر من خوفه على جمهوره».

فرض التمديد نفسه على اللبنانيين. لكنه جاء مواتياً لوضع سعد الحريري وأراحه. لا يريد الرجل المجازفة بحياته، والمحيطون به يعزلونه في جحيم الكابوس الأمني، ولا ينفكّون يرّددون أمامه أنه في خطر. يقول مقربّون من تيار المستقبل إن «المحيطين بالشيخ سعد لن يتأخروا عن إبقائه خارجاً ولو بالقوة، إن أتيح لهم ذلك، مؤكدين له أن استهدافه سيؤدي إلى إقفال بيته السياسي، وأن لا شيء يستحق المخاطرة». موقفه هذا، لم يأخذ في الاعتبار «خيبة مناصريه الذين انتظروا بفارغ الصبر هذا الاستحقاق، للقاء زعيمهم من جديد. ليس لخلع الجاكيت، ومخاطبتهم وجهاً لوجه، واستقبالهم في بهو قصر قريطم وفي الساحات»، بل لأنّ «احتكاكه المباشر معهم، سيقوي من عزيمتهم، ويخفف من إحباطهم».

يؤكّد المقرّبون أن «جزءاً من تردّد الحريري يتعلّق بالشق المالي الذي لم تحلّ أزمته حتى الآن». والتمديد سنة ونصف سنة لا يعني غياب الحريري 18 شهراً إضافية وحسب. سيزيد ابن الرئيس الشهيد من استرخائه، فلا جهد انتخابياً ينتظره، ولا ضغط شعبياً «يوجع» رأسه. ولكن إذا كانت مصلحة الحريري تكمن في التمديد، فإن المتضرر الأول من هذا التوجّه هو تيار المستقبل نفسه. التيار بات موعوداً بسنة ونصف سنة إضافية من الفوضى، تغرق خلالها هذه القطاعات في غياب التنظيم والهيكلية المتصدعّة ومركزية القرار الضائعة بين الباحثين عن أدوار قيادية فيه. يعلّق ساخرون من فريق 8 آذار بالقول: «إذا كان فريق الرابع عشر من آذار قد اهتزّ بغياب الرئيس الحريري، فكيف ستكون حال تياره المهترئ أساساً؟».

التمديد سيمُرّ، وطائرة الرئيس سعد الحريري لن تحُطّ في «مطار بيروت الدولي». لا جولات حريرية في صيدا وطرابلس وبيروت والبقاع، ولا حملات طويلة وعريضة ولا لوائح انتخابية تنزل «زي ما هيي» لاسترجاع السلطة. المهم أن «الشيخ بخير، والباقي كلو مش محرز»!
2013-05-31