ارشيف من :أخبار لبنانية

المجلس يمدّد فشلَه: ليس بالبنــدورة وحدها يُصان الدستور

المجلس يمدّد فشلَه: ليس بالبنــدورة وحدها يُصان الدستور

ميسم رزق -"الأخبار"


17 شهراً مُدّد عمر المجلس النيابي أمس. بأقل من عشر دقائق، توافق نواب الأمة على أن يطيلوا عمر ولايتهم. البهجة بدت واضحة على وجوههم دون خجل. أما الحجة، فجاهزة: «الظروف الأمنية دفعتنا إلى ذلك». كسر «سعادتهم» مبدأ تداول السلطة، وجدّدوا لقبهم مدّة سنة وخمسة أشهر. الكتل النيابية التي ابتُليت بالمعاصي استترت. وحده فؤاد السنيورة خرج محاضراً بـ«الاضطرار»، ليحمّل مسؤولية التمديد لحزب الله
 

يُمكن تيّارات المجتمع المدني أن تنزِل إلى تمثال رياض الصلح في وسط بيروت، وأن تهتف بأعلى صوتها ضد التمديد. يُمكن أعلى حنجرة فيها أن تصرخ بالنائب وليد جنبلاط ليرحل. وتدعو الرئيس نبيه برّي إلى الاستقالة. أو تتمنّى على كل النواب تحرير مقاعد المجلس النيابي من أسرها. ويُمكن هؤلاء كذلك، أن يعرضوا أمام جميع المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة عضلاتهم ولافتاتهم التي لم توفّر فريقاً سياسياً إلا هاجمته، رفضاً لجلسة التمديد التي عُقدت أمس. لا يُمكن القول إن هذه التيارات مثّلت لسان حال أغلب الشعب اللبناني الذي تقاعس عن تلبية الدعوة، فلم يأتِ منه إلا قلّة قليلة أحاطت بساحة النجمة، من دون أن تتمكن من الوصول إليه. وعموماً، إن الفكرة الأساسية التي دعت إليها الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي، كانت للوقوف في وجه النواب المهرولين باتجاه مجلسهم، والذين أعطوا الحق لأنفسهم لإقرار قانون يمنحهم لقب «السعادة» مدة سنة وخمسة أشهر إضافية. من المستحيل التنبؤ بمدى تأثير ما يقارب 100 شاب وشابة، لم يهضموا قرار التمديد هذا. أو الأصح، من المستحيل أن يُصدق أحد، ولا هم أنفسهم أن في استطاعتهم إيصال صوتهم إلى قاعة الهيئة العامّة.

 لا لأنّ نواب 14 آذار، يُعانون الطرش، ولا لأنّ بين نواب 8 آذار من يضع سمّاعة أُذُن، وبالكاد يلتقط من الكلمات ما يعينه على «سيسرة» أموره. في حقيقة الأمر، هؤلاء لا يُقدّمون ولا يؤخرون في الحياة السياسية. هم أرقام انتخابية وحسب. استشرس هؤلاء في دعوتهم. كانت لافتة تلك الدعوة التي أتت على شكل «نعوة» دعت فيها اللبنانيين إلى الصلاة على روح الديموقراطية في ساحة الجريمة. ساحة النجمة. هي ساعات قليلة قبل أن ينجلي المشهد، وتسقط كل الاعتبارات الدستورية. تجمّع المتظاهرون. أصروا على أن يُلحقوا بكل نائب «طرطوشة» مادية ومعنوية. لم يوفروا موكباً آتياً إلى المكان. سلاحهم الحجارة والبندورة التي رشقوا بها اللوحات الزرقاء.
 
لم يسلم أحد منها. لكن الحصّة الأكبر من الرشق أكلها صاحب اللوحة رقم 105. بحث صغير في مفكّرة مجلس النواب. من هو صاحب هذه اللوحة؟ إنه طوني أبو خاطر. رُبما لم يهتم النائب القواتي بكل تلك «الوساخة» التي غطّت لمعة موكبه. ليس ذلك مهماً. بإمكانه الاستغناء عنها، وإرسالها إلى المحطة؛ إذ إن وقت تنظيفها لن يتجاوز ربع ساعة، أي أكثر من المدّة التي احتاجها للتمديد لنفسه. أبو خاطر، على غرار زملائه، لم ينتبه إلى النعوش الثلاثة التي حملها المتظاهرون، ولا إلى الصورة الكبيرة الجامعة له وللنواب، مذيّلة بعبارة «فلّو فلّو فلّو». ففي النهاية، سيحمل هؤلاء مقبرة الديموقراطية، ويعودون أدراجهم إلى المنزل، بعد احتكاكات بينهم وبين القوى الأمنية، وسيعود أبو خاطر وكتلته، وجميع الكتل إلى «قصورهم» نواباً لمدّة 17 شهراً إضافياً.

نرفض التمديد… فنوقّع عليه

منذ الصباح الباكر أُغلقت جميع الطرق المؤدية إلى المجلس النيابي. كثّفت قوى الأمن إجراءاتها الأمنية في محيطه، قبيل ساعات من بدء التظاهرة، وبدء وصول النواب. إن لم تكُن صحافياً أو لبنانياً يحمل صفة رسمية، فأنت إذاً ممنوع من المرور. كيف لا وعامّة الشعب خطر يُهدّد حياة ممثليه. مدرّعات للجيش، وحواجز من الأسلاك الشائكة، ومربّع أمني يضاف إلى المربعات الأمنية المزروعة في مختلف المناطق اللبنانية، يُعكّر على المواطنين صفو يومهم، ويمنعهم من التحرك بحريّة. الشعب منزعج؟ لا يهمّ، الأهم هو تأمين حياة «سعادتهم» وهم في طريقهم إلى المنطقة.

 لم يكن الحدث عادياً. لم يكن من المفترض أن يكون عادياً. مع أنه سبق أن حدث هذا الأمر في تاريخ لبنان السياسي، إذ مدّد المجلس لنفسه أكثر من مرة، منذ عام 1976 حتى عام 1992، لكن تحت ضغط الحرب الأهلية. في النتيجة، نفض مجلس النواب الغبار عن القانون الذي كان نائماً منذ ذلك الحين، مع تناقض واضح: لا يريدون التمديد، لكنهم يوقّعون قانونه. هم مضطرون إلى ذلك كما يقولون. لكن وجوههم لا تشي بذلك. منذ فترة لم يظهر النواب بهذا المظهر السعيد.

وجوههم البشوشة تقول عكس ذلك. حتّى صدف الأمس كانت جميلة، مع تزامن وصول نواب حزب الله وجبهة النضال الوطني في وقت واحد إلى المجلس. لم تبدُ هيئتهم منهكة شاحبة يجتاحها الاصفرار، بعد جهد ثمانية أشهر من عملية البحث عن قانون انتخابي جديد. فيلم «التمديد» أجاز لنائب مستقبلي أن يهرول باتجاه زميل قواتي أو كتائبي للحديث بحرية دون أن يحمل في داخله عقدة ذنب «أرثوذكسية» كادت تطيح تحالفهما. الكل «يتغنّج». نواب 8 و14 «رجعوا» أصدقاء، تجمعهم المخالفة الدستورية طبعاً، لا من باب «الطمع بالمناصب»، بل من باب «الحرص على السلم الأهلي» كما يقولون. رُبما كان ذلك صحيحاً. فرضية يؤكّدها النائب هادي حبيش باعترافه بأنه «غير سعيد بالتمديد فترة بسيطة»؛ فـ«من يضمن التمديد انتخاباً لمدة 4 سنوات لن يفرح بالتمديد بسنة ونصف سنة!». تُنير ابتسامة النائب عمّار حوري وجهه. جاءت مضاعفة أمس، مع أن الجلسة كانت «ضرورة». ومن الجيّد أن التمديد سلك طريقه ليكون أمراً واقعاً، حتّى يكحّل النواب عيونهم بزيارة زميلتهم النائبة نائلة التويني للمجلس، وهي تدخل إلى جانب جدّها النائب ميشال المرّ، لتمدد هي الأخرى لنفسها، مكافأةً على إنجازاتها التشريعية التي لا تُعدّ ولا تحصى. ومن الجيّد أيضاً، أن تأتي هذه المناسبة ـــ التمديد ـــ كي يحمل أصحاب البذلات الأنيقة كتاب الدستور اللبناني الذي أتوا لخرقة، وكي يرفع النائب جورج عدوان أصابعه العشرة، معلناً استسلامه بعدما كان قد أكد «إنجازه الانتخابي العظيم»، وكي ترتدي النائبة ستريدا جعجع فستانها الأبيض وكأنها في يوم زفافها، وكي يُزايد النائب سامي الجميّل بحرصه، من خلال طرحه «اقتراح عدم صرف تعويضات أو مخصصات للنواب طوال مدّة التمديد»، مع علمه أنه لن يمُرّ، وكي يقف النائب بطرس حرب بوجهٍ بريء، مطالباً «بتقديم تبريرات للشعب اللبناني توضح الأسباب الموجبة لكسر قاعدة تداول السلطة»، وكي يصبح من السهل على النائب عاصم قانصوه أن «يستهضم» النائب نديم الجميّل، فينفرد به دقائق معدودة لإمرار الوقت.

أمن البلاد يطيّر الانتخابات

النتيجة؟ 17 شهراً مُدّد عمر المجلس النيابي، أمس. بأقل من عشر دقائق، توافق 97 نائباً على إعادة إحياء برلمانهم. حتى العشرين من شهر تشرين الثاني 2014. لو كان الاقتراح المطروح يطالب بتنفيذ مشاريع إنمائية، لكان قد أخذ سنوات، لتقسيم الحصص في ما بينهم. لكن نواب الأمة، لا أسرع منهم في انتخاب أنفسهم مجدداً، نيابة عن الشعب.

تخطّى هؤلاء «هرطقة» البحث عن قانون جديد للانتخابات. استغلوا الظروف الأمنية الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان ليطيلوا في عمر ولايتهم. داخل القاعة العامة، كانت بارزة مقاعد نواب التيار الوطني الحر الفارغة. تخيّلوا مثلاً أنّ تيار المستقبل هو مَن كان مقاطعاً. لو حصل ذلك، لكان التنديد بعدم دستورية الجلسة قد بلغ حدّه.

بمقاطعة العونيين، وغياب النواب فريد مكاري وجوزيف معلوف ونضال طعمة بعذر، والنواب سعد الحريري وبهية الحريري وعقاب صقر ونهاد المشنوق بغير عذر، انعقدت الجلسة العامة. سلكت مسارها الطبيعي. افتتحها الرئيس نبيه بري بتلاوة الاقتراح المعجّل المكرّر المقدّم من النائب نقولا فتوش. دقائق قليلة، ورفع الجميع أيديهم للتصويت دون اعتراض. مددوا لأنفسهم بعد صولات وجولات تحت عنوان أنّ «الفراغ ممنوع».
 
قُضي الأمر. خارج القاعة بدأ النواب يحتفلون من دون خجل. وبعد الانتهاء من الهرج والمرج، حان وقت التصريحات. تقاطعت مواقف النواب جميعهم بتأكيد أنّ «قرار التمديد جاء لقطع الطريق على الحرب الأهلية»، مع الإشارة إلى أن «مهمتهم في المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على البحث عن قانون انتخابي يتيح لهم إجراء الانتخابات النيابية بعد هذه المدّة».

لم تعقد أي من الكتل النيابية مؤتمراً صحافياً بعد انتهاء الجلسة، باستثناء كتلة المستقبل. لم يذرف خلاله رئيس الكتلة النائب فؤاد السنيورة دموعه وهو يتحدث عن الظروف القاهرة التي دفعت كتلته إلى الموافقة على القانون. كان من الأجدى به أن يوزّع المناديل الورقية على الصحافيين الذين كادت دموعهم تنفجر من كثرة تأثرهم بكلامه الذي عزا فيه سبب التصويت على القانون إلى «الاحتقان السياسي المتزايد في البلاد والأوضاع الأمنية المتردية بسبب الحرائق التي أشعلت في أكثر من منطقة في لبنان، فضلاً عن التطور السلبي الخطير وغير المسبوق الذي تمثل في إعلان حزب الله مشاركته الواسعة والعلنية في المعارك الجارية في سوريا إلى جانب النظام الحاكم». السنيورة يريد أن يُقنِع اللبنانيين بأنه قبل بالتمديد. غسل يده التي رفعها للتوّ موافقاً على التمديد، محمّلاً المسؤولية لحزب الله. الكتل الأخرى استترت بعد المعصية.
 

راحت على المرشّحين الجدد

شكّلت جلسة التمديد للمجلس النيابي أمس صفعة قوية لكثُر من المرشحين الذين هرولوا في ماراتون سياسي، بكامل أناقتهم وربطات العنق، ليصطفوا في طوابير تسجيل ترشّحهم. منهم نواب حاليون تخوّفوا من انتهاء المهل وسقوطهم عن الكرسي. ومنهم مرشَّحون جدد كانوا يحلمون ليل نهار بأن يصل بهم قطار قانون الستين إلى محطة ساحة النجمة.
 
المرشحون الجدد «راحت» عليهم، بعدما سرحوا بخيالهم، وظنوا أن النواب الحاليين سيفوّتون على أنفسهم فرصة التمديد، ويتنازلون لهم عن بعض المقاعد. وإن كان المرشحون الجدد قد ركضوا بوجوه مسرورة، آملةً الحصول على لقب «السعادة»، فإنّ القدر قد شاء أن يرجعهم إلى وزارة الداخلية، التي من الممكن أن تبادر بعد بتّ موضوع الطعن في المجلس الدستوري إلى إعلان «إمكانية سحب الترشيحات، وإعادة الأموال إلى المرشحين». مع العلم أن «التمديد للمجلس النيابي ليس كافياً لاعتبار ترشيحات الستين مُلغاة، وهي لا تسقط إلا في حال إقرار قانون جديد يستوجب على المرشحين تقديم طلباتهم على أساسه».


الضغوط الدولية تبخرت


تبخرت الضغوط الدولية على القوى السياسية اللبنانية والرئاسات الثلاث لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها. وانقلب رفض التمديد إلى قبول ضمني به.

 فقد أعلن الاتحاد الأوروبي عن «أسفه» لعدم إجراء الانتخابات «عند انتهاء ولاية مجلس النواب»، لافتاً إلى أنه «أكد دوما أهمية عملية الإصلاح الانتخابي في لبنان، وعمل على نحو مكثّف مع السلطات اللبنانية والمجتمع المدني على دعم هذه العملية بطرق مختلفة منذ عام 2005».

 ومباشرة، بدأ الاتحاد الأوروبي بالبحث عن الأوجه الإيجابية للتمديد، حاثاً «جميع الجهات السياسية على جعل التمديد فرصة للاتفاق على قانون للانتخابات وتحديد تاريخ جديد لإجرائها»، كما شجع على «تأليف حكومة من دون أي تأخير لإعادة بناء ثقة المواطنين اللبنانيين بمؤسساتهم الديمقراطية من أجل تجاوز التحديات الملحة التي يواجهها لبنان اليوم».

 بدوره، أكد منسق الأمم المتحدة الخاص في لبنان ديريك بلامبلي «دعم الأمم المتحدة المستمر للعملية الانتخابية في لبنان»، لكنه شدد على أنه «مهم طبعاً ضمان استمرارية المؤسسات، إلّا أنه من المؤسف عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الانتخابات».

 وأكد في بيان له أن «الأمم المتحدة ستستمر في تشجيع جميع الأفرقاء في لبنان على العمل من أجل إجراء الانتخابات النيابية دون إبطاء، تماشياً مع التقاليد الديمقراطية في البلاد».

 من جهته، رأى المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني ان اقدام المجلس النيابي على التمديد لنفسه « سابقة خطيرة في التعدي على الدستور والقوانين وخرقها، ويمثل طعنة كبيرة للارادة الشعبية، مهما حاول التستر خلف ذرائع واهية او حجج باتت مفضوحة، ولا تنطلي على أحد»، وإذ رفض الحزب «الخضوع للابتزاز الذي وضعتنا امامه الطبقة السياسية الحاكمة بالقول إما الفراغ او التمديد»، أعلن رفضه «الاعتراف بشرعية المجلس النيابي بعد الخامس عشر من حزيران، وشرعية كل القرارات الصادرة عنه لاحقاً، لان ما بني على باطل فهو باطل».


2013-06-01