ارشيف من :أخبار عالمية

اللآلئ لا تسقط: الحاجة زينب التاجر مثالاً..

اللآلئ لا تسقط: الحاجة زينب التاجر مثالاً..
بتول إبراهيم - السنابس / موقع جمعية الوفاق الوطني الاسلامي

لن نبتعد كثيراً عن دوار اللؤلؤة .. فهو مازال شامخاً نراه من الجهة الشرقية للقرية يسمعنا حين نهتف بالحرية و يطل علينا كلما ازداد القمع واختنقت قلوبنا و الجدران ويشعرُ بآلامنا حين تذيع نشرات الأخبار خبر رحيل الشهداء ..لن نستخدم كلمة السقوط هنا , فالشهداء أبداً لا يسقطون ..
عرفوها حنونة , طيبة , ابتسامتها لا تفارقها .. قدمتها قرية السنابس القربان الثاني بعد الشهيدة خديجة آل عبد الحي في ثورة 14 فبراير , عرفها الوطن حين ثار شعبه ” شهيدة ” سنفتح معاً ذكرى استشهاد الحاجة زينب التاجر من مواليد قرية السنابس لعام 1942 م .

شهدت قرية السنابس بعد يوم واحد من رفع حالة السلامة الوطنية في يوم الخميس الموافق 2 يونيو 2011 تظاهرة سلمية عند الساعة الرابعة عصراً قمعتها قوات مكافحة الشغب كعادتها باستخدام مختلف أنواع الأسلحة القاتلة . كانت الحاجة زينب التاجر في منزلها تعد لحظاتها الأخيرة , آخر موقف يذكره ابنها الأصغر ” جهاد” حين كان يقف معها عند باب المنزل , كانت تودعه على أصوات القمع العنيف .. يذكر ابنها هذا الموقف كما لو أنه يعيشه للتو ” كنت واقفا مع والدتي أمام منزلنا و كان معي صديقاي .. حينها كانت بحالة صحية طبيعية ما عدا توترها من الأوضاع التي تعيشها المنطقة و بدورها كأم كانت تطلب مني دخول المنزل بسرعة عندها تفاجأنا أنا ومن معي بوصول مجموعة من قوات الشغب مكونة من تسعة أفراد تفصلنا عنهم مسافة عشرة أمتار تقريبا , حاولنا الهروب بسرعة خشية أن يتم اعتقالنا فيما كانت والدتي في ذلك الوقت واقفة عند باب المنزل الرئيسي المطل على الشارع , حينها ألقت قوات الشغب القنابل الصوتية و قنابل الغازات المسيلة للدموع و الرصاص المطاطي باتجاهنا بشكل كثيف مستهدفةً المنزل حيث كانت تقف والدتي .. ” يكمل جهاد سرده لتفاصيل ذلك اليوم قائلاً :” بعد ساعة تقريبا و صلتني أنباء عن تواجد سيارة إسعاف أمام منزلنا فذهبت سريعا لأجدها قد تحركت , أخبرني أحد أقربائي بأن والدتي قد تعرضت للإصابة ” ..


ماذا بعد هذا القمع يا ترى ؟

يفتح ابنها البكر وجعه ليذكر أنه رأى والدته في آخر لحظاتها مغشياً عليها عند باب المنزل , كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة ..
يصف (سعيد) وضع والدته حينها قائلاً :” كنت في الطابق العلوي للمنزل و ما إن سمعت صوت القنابل الصوتية بشكل قوي في الحي الذي نقطن فيه هرعتُ سريعاً لأرى والدتي ملقاة عند الباب الخارجي للمنزل وهي في حالة حرجة جداً وكان الجو حينها مشبعاً بالغازات الخانقة .. اتصلت بالإسعاف مباشرة و حاولتُ حينها إجراء تنفس إصطناعي لها بعد نقلها لقاعة المنزل .. كانت بالكاد تتنفس .”

نقاط التفتيش .. الموت البطيء

بعد 25 دقيقة من الانتظار وصلت سيارة الإسعاف .. رافق محسن جدته الشهيدة زينب التاجر رحلتها في عذابات الوطن الأخيرة عبوراً بنقاط التفتيش المعنية بإهانة المواطنين واستحقارهم ..
يقول محسن ” رافقت جدتي في الإسعاف أثناء نقلها للمستشفى و لكنه اضطر إلى التوقف عند أكثر من نقطة تفتيش مجبراً على ذلك أولها كانت عند المنفذ الفرعي للسنابس بجانب فرع البنك الأهلي حيث كانت تتمركز نقطة تفتيش لقوات الشغب و أمروني بالنزول من سيارة الإسعاف و بدئوا بتفتيش السيارة ,و بالرغم أنني أخبرتهم بأن جدتي في حالة حرجة إلا أنهم كانوا يوجهون لي الشتائم و يعمدون للتفتيش بدقة غير مكترثين لحالتها الصحية المتدهورة حتى وصل الأمر بهم إلى تفتيشها ..” يواصل محسن سرده لمشوار العذابات ” بعد ذلك تم إيقافنا عند نقطة تفتيش أخرى عند إشارات المؤيد و تم تفتيش سيارة الإسعاف بنفس الكيفية و كانوا أيضا يوجهون لي الشتائم في كل مرة أقول لهم بأن حالة جدتي صعبة جداً و تحتاج أن تصل للمستشفى بأسرع وقت ممكن , بعدها وصلنا إلى نقطة تفتيش إشارات السلمانية ( الحواج ) و تعرضنا لمعاملة سيئة أثناء التفتيش أيضاً و كأنهم يتعمدون تأخير سيارة الإسعاف وأخيراً وصلنا إلى نقطة تفتيش مستشفى السلمانية حيث كانت المعاملة الأسوء على الإطلاق .. كان الجيش حينها يتمركز هناك و قد تم الإعتداء عليَّ مباشرة و على الطاقم الطبي في الإسعاف ..” يحتفظ محسن حفيد الشهيدة بهذا الموقف في ذاكرته ” لا أنسى هنا أن أذكر لكم بأن الممرض المرافق لجدتي كان يحاول طوال الطريق إنعاشها و لكنه يضطر إلى التوقف في كل مرة نصل فيها إلى نقطة تفتيش حيث استغرق وصولنا إلى المستشفى حوالي نصف ساعة ” .

وفارقت روحها الوطن ..

يكمل محسن التفاصيل قائلاً ” تم إدخال جدتي إلى قسم العناية القصوى في طوارئ السلمانية , و عند الساعة السابعة و النصف مساءًا تم إبلاغنا بأنها قد فارقت الحياة مع العلم بأنه كانت هناك محاولات لإنعاشها , ولأن المستشفى مليء بالجنود و العساكر مُنعنا حتى من البكاء عليها بعد سماع خبر إستشهادها و لم يفصح الأطباء في ذلك الوقت عن سبب الوفاة و لم نعلم بالنتائج و الفحوصات التي أجريت لها ” .

بعد أن فارقت روحها أرض القرية والوطن في مساء ذلك اليوم الحزين اتشحت السنابس بالسواد استعداداً لموكب تشييعها . ولأن الشهادة عند القتلة مكرمة لا يمنحونها إلا للعبيد حاولوا طمس ملامحها في صباح اليوم التالي بنشرهم أخبار كاذبة تفيد نفي العائلة خبر استشهاد الحاجة زينب التاجر , حيث يؤكد ابنها جهاد هذه المحاولة الفاشلة بقوله ” كان استشهاد الشهيدة السعيدة في بداية يونيو أي بعد يوم واحد من انتهاء فترة السلامة الوطنية وكانت الأجواء آنذاك ملتهبة فحاولت السلطات أن تخفي الجريمة ,أو تبعد عنها أنظار الإعلام بقيامها بنشر أخبار كاذبة في الصحف والتلفزيون تفيد بأن العائلة تقول بأن وفاتها طبيعية ولا علاقة لها بالأحداث وهذا ليس بصحيح حيث أنها استشهدت جراء القمع العنيف الذي تعرضت له القرية ومنزلنا بالتحديد في ذلك اليوم ” .

شعب الشهداء لا يستبدل الدم بماء ..
” عندما ذهبنا وجلسنا مع بسيوني رحب بنا ,ولكن عندما أخبرناه بأننا نريد القصاص من القتلة ولا نريد التعويض المادي قال ” ليس هناك دليل على أن رأس النظام مُتهم بعمليات القتل والتعذيب ولم يبحث بقضية الاستشهاد واكتفى بقوله ” لا نستطيع البحث عمن قتلوا بهذا التاريخ ” هذا ما ينقله ( جهاد ) ابن الشهيدة زينب التاجر وقلبه يحترق من شدة الألم مرفقاً حديثه برسالة مختومة بالولاء للوطن والشهداء ” رسالتنا للشعب الصابر كونوا في الساحات رغم القتل والتعذيب والسجن .. كونوا متواجدين من أجل عزتكم وكرامتكم .. والله ناصركم ” .

سألتُ ابنها جهاد .. ماذا كانت تقول لكم عن الوطن ؟

أجابني بأنها كانت ومازالت أم الوطن .. لم يكن لديها يأس فهي متفائلة بأن النصر قريب وكانت تبشرهم دائماً بذلك وخصوصاً بعد استشهاد الشهيد السيد أحمد شمس , وعبارتها دائماً كانت ( المشتكى لله ) .
على مد البصر قافلة من الشهداء لم يسقط أحد منهم قط بل ارتفعوا ورفعوا معهم راية الوطن .. و الشهيدة الحاجة زينب التاجر لؤلؤة قيل بأنها سقطت لكنها لم تسقط بل ارتفعت ورفعت معها مظلومية شعب من أطيب وأقوى شعوب العالم تحدى رؤوس العبودية من أجل نيل الحرية.
2013-06-03