ارشيف من :أخبار لبنانية

حروب بلا حدود

حروب بلا حدود

سليمان تقي الدين - صحيفة "السفير"

لن نخرج من مشكلاتنا إلا حين نعترف بها ونفهمها من دون أغلفة إيديولوجية أو محسّنات لغوية ولفظية. الذهول الذي نحن فيه من أوضاعنا العربية عموماً ناجم عن تاريخ طويل من إنكار القضايا العالقة والتعامي عنها أو تحويرها. ما كان يجب أن نفاجأ بنكبة 1948 ولا بهزيمة 1967 ولا بهذا الغليان العربي الذي كشف البلدان العربية كلها على أسئلة وجودها ومكوّناتها. ليست الحروب الأهلية الجارية بأشكال مختلفة إلا ثمرة أنظمة سياسية ظلت أنظمة ولم تتحوّل إلى دول وهي تربّعت على مجتمعات لم تنجح في بلورة عقد وطني أو اجتماعي يتجاوز حالة التساكن أو التعايش إلى الاندماج الحقيقي.

إذا كانت القوة أو السلطة هي ضابط التعايش، فمن البديهي أن ضعفها أو اختلالها يؤديان إلى الفوضى. في أساس ارتباك التفكير العربي حين يواجه هذا الزلزال أنه يستخدم ويستعير مقولات ومفاهيم وأنماط تفكير سابقة على الواقع. بقطع النظر عن النيات والمبرّرات وبقطع النظر عن المصالح الفئوية التي تختبئ عادة خلف كل خطاب سياسي أو هي يجب أن تقدّم نفسها في سياق مشروع له مسوّغات أو مبرّرات أكبر بكثير من طبيعته وقواه، فإن «الحروب الأهلية» المركّبة واقعات لا يجب أن ننكرها أو أن نتعامل معها «بالخجل السياسي» أو فقط بالمقاربات الأخلاقية.

انفجر العالم العربي نتيجة تراكمات وتفاعلات ليست ذات بُعد واحد، بل ليست محصورة في بضعة عناصر. ما هو أساسي أن منظومة العلاقات السياسية، إدارة المجتمعات، طبيعة المؤسسات، الثقافة السائدة، كلها في حالة تصادم عنيف. نحن أمام «مرحلة جديدة» بكل ما للعبارة من معنى ليس من منظور جهة أو طرف أو فئة، بل من منظور كل المكوّنات التي فقدت عناصر لحمتها السابقة وانضباطها السابق.

الحرب الطائفية ذات البُعد المذهبي هي أزمة علاقات في الماضي والحاضر، فلا هي مجرّد نزاع تاريخي يتجدّد ولا هي مجرّد أزمة عابرة وطارئة تستخدم أفكار الماضي. إن التمييز المعلن أو الضمني الذي شارف حد الاضطهاد في بعض الأحيان هو العنصر الأكثر تحريضاً على تماسك الهويات الفئوية.

لم يكن العالم العربي وفق أي مقياس في حالة عافية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً. الأميّة، الفقر، البطالة، التهميش، النمو الاقتصادي المشوّه، ضعف استثمار الموارد وسوء إدارتها وتوزيعها، التدني المريع في حقوق الإنسان، كلها مؤشرات للمطالبة بالتغيير. فإذا كان هذا التغيير قد سلك طريقاً عنيفاً أو تصادمياً وأظهر انقسامات ونزاعات طائفية فهذه لم تولد في مخاض التغيير نفسه بلا مقدمات وبلا الظروف التي سبقت ذلك. المهم الآن إدراك أن هذه الصراعات لا تخدم التقدم ولا تحل المشكلات طالما أنها لا تفتح أفقاً لنمط عيش من طبيعة مختلفة قائمة على الاعتراف بالآخر ومشاركته. إن فكرة الغلبة تصبح أكثر استحالة مع وجود ثقافات حصرية خاصة وسيطرتها إذا اتخذت صفة دينية أو مقدسة. تنتفي الوظيفة السياسية التي تتطلع إلى المجتمع الأوسع حين تصطدم بالآخر بغير ما دعوة للمشاركة في البحث عن سبيل للعيش المسالم والمستقر سوية.

يتجذر الصراع الطائفي حتى لو كان غير مؤهّل لانتصار فريق على آخر واحتكار السلطة لمجرد الاعتداء على ذاكرة أي فريق ورموز يعدّها جزءاً من لحمته وقوته وهويته ووجوده. ونحن نختبر هذا الصراع في كل ما يدور في العالم العربي سواء أكان له المدى السلطوي المفتوح حين يكون صادراً عن «أكثرية» أو إذا كان محدود الآفاق إذا صدر عن طرف «أقلوي». ما نحتاجه الآن برغم هذا الإرث من الانقسام والتصادم هو البحث عن المشترك في الحياة اليومية للناس وليس بين الأفكار أو المشاريع المطبوعة بنسق معيّن من الإيديولوجيات. ومن المعروف أن تشويه صورة الآخر أو مجرّد تظهير عدم مشروعيتها لا يحلاّن ضرورة إيجاد صيغة للسلم الأهلي وفق قواعد ومعايير مدنية. هذه هي المهمة الأساسية في مواجهة مهمات مستحيلة أو وهمية أخرى.
2013-06-04