ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا يجري؟ «كعي» الطرابلسيون
رضوان مرتضى - صحيفة الاخبار
لا أحد يعلم ماذا يجري في طرابلس. هي الفوضى في أبشع تجلياتها. حرب شوارع وسفك دماء واستغاثة أبرياء وأمنٌ مستباح وعصابات فالتة من عقالها. يقابل ذلك جيشٌ مُفكّك مُنقسمٌ على نفسه، يُدارى كي لا يخرج الانشقاق إلى العلن
أن يُقتل شخصٌ أو شخصان ويُجرح عشرة، فذلك لم يعد خبراً في طرابلس. بات أمراً اعتيادياً في يوميات المدينة الحزينة. أن يقطع قنّاصون معروفو الهوية والعنوان طريقاً دولياً لأيّام، فذلك أيضاً ليس أمراً ذا أهمية. وأن يُقتل عناصر من الجيش وقوى الأمن ومدنيون، فهذا حدث لا يُحرّك أحداً في البلاد.
ببساطة، قد خرج ما يجري في عاصمة الشمال عن المنطق، لا بل تجاوز الجنون. وفوق كل ذلك، تتحدّث قيادتا الجيش وقوى الأمن، وخلفهما وزير الداخلية عن «الجهود المبذولة لحفظ الأمن»؟ عن أيّ أمنٍ يتحدّث هؤلاء وقد تجاوز عدد القتلى الثلاثين في أقلّ من عشرين يوم حرب، فضلاً عن الجرحى الذين سقطوا بالعشرات، فيما أقلّ الواجب يُحتّم محاسبة الأمنيين على غضّ طرف أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟ لكن من يجرؤ على المطالبة بمحاسبة ضابط فيما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يدعم خارجين على القانون يُعرفون بـ«قادة المحاور»، لا بل وتخرج البيانات الإعلامية عن مكتبه متحدّثة عن اجتماعه بهم.
كل قراصنة طرابلس أو حتى ميليشياتها، ولا يُستثنى من بينهم أصحاب الياقات البيضاء الذين يجتمعون تحت مسميات مختلفة، من لقاء وطني إسلامي إلى لجنة متابعة نيابية وغيرهما الكثير، كل هؤلاء يتحمّلون مسؤولية الدم المسفوك، ومن بينهم أيضاً ضباط استخبارات الجيش وقوى الأمن.
منذ نحو ١٨ يوماً، استُعيد السيناريو نفسه. قنصٌ وقذائف هاون ومجموعات مسلّحة وحديث عن اقتحام للجبل. شهد الطرابلسيون ليلة غير مسبوقة من حيث شدة الاشتباكات، فيما بلع أُمراء الميدان السياسيون ألسنتهم. لم يجدوا ما يُجيبون به على التساؤلات المطروحة حول أفق الاشتباك الحاصل. يومها ضاعت الطاسة وسط هؤلاء. تارة يستنكر أحدهم اعتداءات جبل محسن وطوراً يدعو آخر إلى التهدئة. وبين هذا وذاك، يخرج ثالث مهدّدا متوعّداً «عصابة جبل محسن». أوليس كل من يتصدّر المشهد الطرابلسي عصابات؟ بدءاً من أصغر بيدق مروراً بمعظم مشايخ المدينة ووجهائها، وصولاً إلى الرأس المدبّر والمموّل الذي بات معروفاً لدى القاصي والداني؟
خلال الأيام الماضية، رُوّج أن المعركة فُتحت لتمرير التمديد للمجلس النيابي. وأكّد معظم الناشطين على جبهات عاصمة الشمال أن الأمور ستنتهي بمجرّد التصويت عليه. مُرِّر التمديد، لكنّ أزيز الرصاص لم يهدأ. ماذا يجري في طرابلس؟ سؤالٌ تحوّل إلى أُحجية تعجيزية فشل كثيرون في فكّ لغزها. والأنكى من ذلك، نفي معظم من يُفترض أنّهم أصحاب العقد والحل، معرفتهم بحقيقة ما يجري في الميدان. يُحصي المراقبون ١٧ جولة قتال عنيفة شهدتها طرابلس خلال الأشهر الماضية. ورغم ذلك، يردّ بعضهم استمرار التوتّر الحالي إلى اشتداد وطيس معركة القصير، لكن يُستنتج وفق معادلة حسابية بسيطة أنّه لا دخل للقصير في ما يجري، طالما قد سبق معركتها ١٦ جولة مماثلة. وأيضاً وأيضاً، يرد مراقبون استمرار التوتر الأمني شمالاً إلى «رغبة الهروب من القتال في القصير وفتح معركة على الحدود الشمالية باختيار الاشتباك مع الجبل كونه مكسر العصى الأسهل والأقلّ تكلفة».استنتاجٌ يبدو مقبولاً للوهلة الأولى، لكنّ الوقائع الميدانية تُشير إلى أنّ مشاركة المجموعة السلفية الأقوى لا تكاد تُذكر. وتكشف المعلومات أنّ هؤلاء منهمكون في تسهيل الإمدادات اللوجستية للمقاتلين على الحدود وفي داخل القصير بتواطؤ أمني. بمعنى آخر، أنّ معظم من يُراهن عليهم استناداً إلى قدراتهم القتالية هم السلفيون الذين يُعدّون الأكثر عدة وعديداً، فضلاً عن مستوى الانضباط الذي يتمتعون به. أمّا من يتصدّر واجهة الميدان أمثال زياد علّوكي وعامر أريش وسعد المصري فلا يُعوّل عليهم في مواجهة القصير. وظيفة هؤلاء تقتصر على افتعال مشكلٍ هنا وإطلاق رشق هناك. وقد تتجاوز مهمتهم ذلك أحياناً إلى تنفيذ عملية اختطاف خدمة للمشروع نفسه. مجدداً يحضر السؤال نفسه: ماذا يجري في طرابلس؟ ومجدداً الجواب: لا أحد يعلم. يحكي أحد قادة المجموعات المسلّحة عن خسارة فادحة مُنيت به منطقة باب التبّانة خلال المواجهة المفتوحة، كاشفاً عن مقتل أربعة من أبرز القادة الميدانيين على محاورها أمثال ابراهيم التركماني.
إزاء كل ذلك، لم يعد أمام أبناء طرابلس سوى الصلاة بانتظار فرجٍ يبدو بعيداً. أما التوّاقون إلى معرفة الجواب، فلا سبيل لهم سوى الأخذ بنصيحة إحدى الرسائل التي جرى تداولها عبر «الواتسآب» منذ أيّام، التي تضم أرقام الهواتف الخلوية والأرضية لنوّاب المدينة وسياسييها، داعية الناس إلى التعبير عن سخطهم وغضبهم باتصال أو بإرسال رسالة احتجاج على رقم أحدٍ يقع عليه اختيارهم.
لا أحد يعلم ماذا يجري في طرابلس. هي الفوضى في أبشع تجلياتها. حرب شوارع وسفك دماء واستغاثة أبرياء وأمنٌ مستباح وعصابات فالتة من عقالها. يقابل ذلك جيشٌ مُفكّك مُنقسمٌ على نفسه، يُدارى كي لا يخرج الانشقاق إلى العلن
أن يُقتل شخصٌ أو شخصان ويُجرح عشرة، فذلك لم يعد خبراً في طرابلس. بات أمراً اعتيادياً في يوميات المدينة الحزينة. أن يقطع قنّاصون معروفو الهوية والعنوان طريقاً دولياً لأيّام، فذلك أيضاً ليس أمراً ذا أهمية. وأن يُقتل عناصر من الجيش وقوى الأمن ومدنيون، فهذا حدث لا يُحرّك أحداً في البلاد.
ببساطة، قد خرج ما يجري في عاصمة الشمال عن المنطق، لا بل تجاوز الجنون. وفوق كل ذلك، تتحدّث قيادتا الجيش وقوى الأمن، وخلفهما وزير الداخلية عن «الجهود المبذولة لحفظ الأمن»؟ عن أيّ أمنٍ يتحدّث هؤلاء وقد تجاوز عدد القتلى الثلاثين في أقلّ من عشرين يوم حرب، فضلاً عن الجرحى الذين سقطوا بالعشرات، فيما أقلّ الواجب يُحتّم محاسبة الأمنيين على غضّ طرف أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟ لكن من يجرؤ على المطالبة بمحاسبة ضابط فيما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يدعم خارجين على القانون يُعرفون بـ«قادة المحاور»، لا بل وتخرج البيانات الإعلامية عن مكتبه متحدّثة عن اجتماعه بهم.
كل قراصنة طرابلس أو حتى ميليشياتها، ولا يُستثنى من بينهم أصحاب الياقات البيضاء الذين يجتمعون تحت مسميات مختلفة، من لقاء وطني إسلامي إلى لجنة متابعة نيابية وغيرهما الكثير، كل هؤلاء يتحمّلون مسؤولية الدم المسفوك، ومن بينهم أيضاً ضباط استخبارات الجيش وقوى الأمن.
منذ نحو ١٨ يوماً، استُعيد السيناريو نفسه. قنصٌ وقذائف هاون ومجموعات مسلّحة وحديث عن اقتحام للجبل. شهد الطرابلسيون ليلة غير مسبوقة من حيث شدة الاشتباكات، فيما بلع أُمراء الميدان السياسيون ألسنتهم. لم يجدوا ما يُجيبون به على التساؤلات المطروحة حول أفق الاشتباك الحاصل. يومها ضاعت الطاسة وسط هؤلاء. تارة يستنكر أحدهم اعتداءات جبل محسن وطوراً يدعو آخر إلى التهدئة. وبين هذا وذاك، يخرج ثالث مهدّدا متوعّداً «عصابة جبل محسن». أوليس كل من يتصدّر المشهد الطرابلسي عصابات؟ بدءاً من أصغر بيدق مروراً بمعظم مشايخ المدينة ووجهائها، وصولاً إلى الرأس المدبّر والمموّل الذي بات معروفاً لدى القاصي والداني؟
خلال الأيام الماضية، رُوّج أن المعركة فُتحت لتمرير التمديد للمجلس النيابي. وأكّد معظم الناشطين على جبهات عاصمة الشمال أن الأمور ستنتهي بمجرّد التصويت عليه. مُرِّر التمديد، لكنّ أزيز الرصاص لم يهدأ. ماذا يجري في طرابلس؟ سؤالٌ تحوّل إلى أُحجية تعجيزية فشل كثيرون في فكّ لغزها. والأنكى من ذلك، نفي معظم من يُفترض أنّهم أصحاب العقد والحل، معرفتهم بحقيقة ما يجري في الميدان. يُحصي المراقبون ١٧ جولة قتال عنيفة شهدتها طرابلس خلال الأشهر الماضية. ورغم ذلك، يردّ بعضهم استمرار التوتّر الحالي إلى اشتداد وطيس معركة القصير، لكن يُستنتج وفق معادلة حسابية بسيطة أنّه لا دخل للقصير في ما يجري، طالما قد سبق معركتها ١٦ جولة مماثلة. وأيضاً وأيضاً، يرد مراقبون استمرار التوتر الأمني شمالاً إلى «رغبة الهروب من القتال في القصير وفتح معركة على الحدود الشمالية باختيار الاشتباك مع الجبل كونه مكسر العصى الأسهل والأقلّ تكلفة».استنتاجٌ يبدو مقبولاً للوهلة الأولى، لكنّ الوقائع الميدانية تُشير إلى أنّ مشاركة المجموعة السلفية الأقوى لا تكاد تُذكر. وتكشف المعلومات أنّ هؤلاء منهمكون في تسهيل الإمدادات اللوجستية للمقاتلين على الحدود وفي داخل القصير بتواطؤ أمني. بمعنى آخر، أنّ معظم من يُراهن عليهم استناداً إلى قدراتهم القتالية هم السلفيون الذين يُعدّون الأكثر عدة وعديداً، فضلاً عن مستوى الانضباط الذي يتمتعون به. أمّا من يتصدّر واجهة الميدان أمثال زياد علّوكي وعامر أريش وسعد المصري فلا يُعوّل عليهم في مواجهة القصير. وظيفة هؤلاء تقتصر على افتعال مشكلٍ هنا وإطلاق رشق هناك. وقد تتجاوز مهمتهم ذلك أحياناً إلى تنفيذ عملية اختطاف خدمة للمشروع نفسه. مجدداً يحضر السؤال نفسه: ماذا يجري في طرابلس؟ ومجدداً الجواب: لا أحد يعلم. يحكي أحد قادة المجموعات المسلّحة عن خسارة فادحة مُنيت به منطقة باب التبّانة خلال المواجهة المفتوحة، كاشفاً عن مقتل أربعة من أبرز القادة الميدانيين على محاورها أمثال ابراهيم التركماني.
إزاء كل ذلك، لم يعد أمام أبناء طرابلس سوى الصلاة بانتظار فرجٍ يبدو بعيداً. أما التوّاقون إلى معرفة الجواب، فلا سبيل لهم سوى الأخذ بنصيحة إحدى الرسائل التي جرى تداولها عبر «الواتسآب» منذ أيّام، التي تضم أرقام الهواتف الخلوية والأرضية لنوّاب المدينة وسياسييها، داعية الناس إلى التعبير عن سخطهم وغضبهم باتصال أو بإرسال رسالة احتجاج على رقم أحدٍ يقع عليه اختيارهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018