ارشيف من :أخبار لبنانية
جبل محسن تحت الحصار
محمد نزال - صحيفة الاخبار
أبعد من المعارك والرصاص، من البيانات والخطابات، من التهديد والوعيد... يعيش جبل محسن اليوم حالة حصار يكاد يفجر معها. حصار غذائي وصحي واجتماعي وسياسي ومعنوي، وليس تهريب الطحين سوى أحد مظاهره. في الجبل أطفال وعائلات، موظفون وعمّال، تجذبهم البندقية إليها عنوة وهم ما كان لهم أن يحملوها يوماً. لا أحد يدري كيف سينتهي هذا المسلسل الممل والقاتل
كانوا 4 أطفال يلعبون. أعمارهم دون العاشرة. فجأة، أصبحوا نياماً على الأرض، سال دمهم على مرأى من أقاربهم، بعدما اخترقت رصاصات مجنونة طراوة أجسادهم. هذا المشهد حصل قبل 3 أيام في جبل محسن، الحي الطرابلسي الصغير، الذي يعيش منذ نحو 20 يوماً حصاراً هو الأقسى منذ سنوات. عجز الكبار، بداية، عن سحب الأطفال الأربعة المصابين من الأرض. كلما اقترب أحد منهم كان ينهمر عليه الرصاص. أبو حسن، رجل لديه أولاد، رأى المشهد واستذكر أطفاله: «لن أنسى ما رأيت. صورة الأطفال على الأرض، في حي البقار، والرصاص من فوقهم، كانت من أقسى الصور التي رأيتها في حياتي. شعرت بأنهم أطفالي». أخيراً تدخل أحد المقاتلين من الجبل، وفرض غطاءً نارياً بسلاح رشاش، لينقل بعدها الأطفال إلى مستشفى في زغرتا.
فُتحت النار فجأة على جبل محسن، هكذا بلا أي جرم ارتكبه أحد هناك، حتى ظن بعض الأهالي أن ثمة سوءاً كبيراً يُعدّ للجبل. لكن ساعات قليلة ويتوقف زخ الرصاص. طبعاً يستمر رصاص القنص، إذ لهذا الرصاص حكاية طويلة، تتوقف المعارك ولا يتوقف، واللافت، أو اللامنطقي، أن الناس في تلك المنطقة، في الجبل والتبانة على حد سواء، قد اعتادوا هذا النمط من الحياة! إذاً، قبل ثلاثة أيام حصلت معركة خاطفة، عبثية كعادتها، فجائية على غير عادة، أما الحصيلة فكانت: جرح 4 أطفال. هؤلاء الأطفال الذين يجلسون مع رفاق لهم من باب التبانة، على مقاعد المدرسة، ولا يدرون ماذا يخبئ لهم الغد. ما يجمعهم من فقر وحرمان، وقلة لعب، أكبر من أي شيء يمكن أن يفرقهم. محمد المرعبي، علي حسين، جعفر أحمد ومريم زيني، أربعة أطفال في المستشفى، أحدهم في حالة حرجة. المخيف أن في طرابلس، اليوم، من لديه الاستعداد النفسي لإطلاق النار على هؤلاء الأطفال وقتلهم. ربما هذا هو الجزء الأخطر في المشهد.
اليوم ثمة ما هو أبعد من الرصاص في جبل محسن. ذلك الحي، الذي تسكنه أكثرية علوية، كجزيرة محاطة بمحيط من «الآخرين». الكل هناك يُحدثك عن «الحصار». هذه الكلمة تسمع كثيراً منهم هذه الأيام. إلى درجة أن المجلس الإسلامي العلوي، الذي لا يتعاطى عادة السياسة بنحو مباشر، رفع الصوت من أجل «طائفة مُهددة». يتحدث أحمد عاصي، مدير مكتب المجلس المذكور، عن حصار على أنواع. يقول: «منذ سنوات ونحن نعيش الحصار، إذ نتعرّض للأذى والضرب كلما غادرنا الجبل، ولكن الأمر سابقاً كان على نحو يمكن الصبر عليه، أما الآن فوصلنا إلى مرحلة بات معها منع مجرد الدخول إلى الجبل والخروج منه، ولهذا نعتمد طرقاً ملتوية لذلك ولا نوفق دائماً».
وفي حديث له مع «الأخبار»، يلفت عاصي إلى أن نسبة أهالي الجبل الذين يعملون في المناطق الأخرى هي 80 في المئة تقريباً. هؤلاء يجب عليهم الدخول والخروج يومياً. لكنْ «قسم كبير منهم أصبح بلا عمل (من بين الموظفين) خاصة بعد مقتل الأستاذ المدرسي سليمان البريصي أثناء عودته من عكار إلى الجبل. عاد من عمله لتصب في جسده كمية كبيرة من الرصاص، على مدخل الجبل، علماً انه كان برفقة أحد عسكريي الجيش اللبناني، الذي قُتل أيضاً». قبل الأستاذ، يقول عاصي، اضطروا لنقل سيدة حامل للولادة في بيروت، وذلك «خشية وضعها في مستشفى داخل طرابلس وكشف طائفتها... إلى هذا الحد وصلنا، ولا نبالغ لأن التجارب أوصلتنا إلى هنا».
هل يُصدّق أحد أن القمح يُهرّب إلى جبل محسن؟ كميات قليلة كان الجيش أحياناً يساهم في نقلها، مضطراً، وإلا فمن يتحمّل فكرة المجاعة في هذا العصر؟ أحد شبّان الجبل يشبّه ما يحصل اليوم بأيام «سفربلك». هكذا، تعود طرابلس مع مشاهد كهذه إلى قرن مضى. يتحدث القيادي في الحزب العربي الديموقراطي، علي فضة، عن الحصار «الذي بات معه موزعو المواد الغذائية يخشون التوجه إلى جبل محسن، كذلك نعاني نقصاً في عبواب الغاز بعدما اعتدى الاخرون على الموزع بالضرب، ومن يومها لم يعد إلينا... مللنا السؤال أين الدولة؟ اليوم نسأل أين الحلفاء، كلهم بلا استثناء! أكل العصي ليس مثل عدها. استمرار الحياة على هذا النحو عندنا ما عاد يطاق، فإلى متى؟». أما عاصي، فيستغرب كيف «لا يتلقى المجلس الإسلامي العلوي اتصالاً من رئيس طائفة، على غرار ما يفعل رؤساء باقي الطوائف بين بعضهم. كما لا نتلقى أي اتصال من زعيم من هنا أو هناك، كأننا طائفة منبوذة غير معترف بها، بينما نحن طائفة رسمية بشهادة الدستور. للأسف نشعر بأنهم يخجلون بنا، لكن بكل الأحوال نحن لن نخجل بهم وسنبقى على مبادئنا، ولا يظنوا أن الرصاص او الجوع يمكن أن يحولنا إلى المحور الآخر. نحن على هذا المنوال، من القتل والتجويع والحصار منذ السلطان سليم العثماني حتى اليوم». ويختم عاصي: «مشكلتنا ليست مع السنة، هؤلاء أهلنا ونكررها للمرة المليون، لكنها مع التكفيريين الذين يرفضون فكرة وجودنا من أصلها. نحن اليوم ندفع ضريبة لعنة الجغرافيا، نموت رويداً رويداً، ولكننا نعدهم بأننا لن نموت تماماً».
في جو هذا الحصار المفروض على جبل محسن، فاجأ الجيش اللبناني أهالي الجبل أمس بحملة «عنيفة غير متوقعة». وبحسب بعض أبناء الجبل، فإن الجيش دخل إلى الشوارع مستخدماً العنف و«راح يُكسّر بالعالم». في المقابل، لم يتجاوز انتشار الجيش شارع سوريا، الفاصل بين الجبل وباب التبانة، إذ ظل على مسافة بعيدة من المسلحين في التبانة. في هذا الإطار، قال فضة في حديث مع «الأخبار» إن الجيش «لطالما كان في أعيننا، ولكن لا نفهم اليوم سبب البطش بنا، رغم كل الحصار الذي نعانيه، فيما الجيش والكل بلا استثناء يعرفون أن من يطلق النار، أي من يفتتح حفلات إطلاق النار، هم الطرف الآخر في باب التبانة ومحيطها. نفهم أن يكون الجيش غير قادر على ضبط من يسمون أنفسهم قادة محاور، لكن أيعقل أن نكون نحن في المقابل مكسر عصا؟».
هكذا، يعيش الناس في جبل محسن هذه الأيام، أكثر من أي زمن مضى، هاجس القلق من الأيام المقبلة. يرفضون «الانصياع». يركضون إلى الأمام، بلغة مليئة بمفردات التحدي والعنفوان. يدركون أن الدولة «استقالت» من طرابلس، وأنهم يعيشون في «غيتو» مفروض عليهم. تراهم يعيشون على قاعدة «من لا يملك شيئاً ليخسره... سوى الكرامة. وفي مطلق الأحوال سنقاتل حتى النهاية دفاعاً عن مبادئنا، وإن شئت قل وجودنا، وما نفهمه أن الحال لا يمكن أن يستمر هكذا».
أبعد من المعارك والرصاص، من البيانات والخطابات، من التهديد والوعيد... يعيش جبل محسن اليوم حالة حصار يكاد يفجر معها. حصار غذائي وصحي واجتماعي وسياسي ومعنوي، وليس تهريب الطحين سوى أحد مظاهره. في الجبل أطفال وعائلات، موظفون وعمّال، تجذبهم البندقية إليها عنوة وهم ما كان لهم أن يحملوها يوماً. لا أحد يدري كيف سينتهي هذا المسلسل الممل والقاتل
كانوا 4 أطفال يلعبون. أعمارهم دون العاشرة. فجأة، أصبحوا نياماً على الأرض، سال دمهم على مرأى من أقاربهم، بعدما اخترقت رصاصات مجنونة طراوة أجسادهم. هذا المشهد حصل قبل 3 أيام في جبل محسن، الحي الطرابلسي الصغير، الذي يعيش منذ نحو 20 يوماً حصاراً هو الأقسى منذ سنوات. عجز الكبار، بداية، عن سحب الأطفال الأربعة المصابين من الأرض. كلما اقترب أحد منهم كان ينهمر عليه الرصاص. أبو حسن، رجل لديه أولاد، رأى المشهد واستذكر أطفاله: «لن أنسى ما رأيت. صورة الأطفال على الأرض، في حي البقار، والرصاص من فوقهم، كانت من أقسى الصور التي رأيتها في حياتي. شعرت بأنهم أطفالي». أخيراً تدخل أحد المقاتلين من الجبل، وفرض غطاءً نارياً بسلاح رشاش، لينقل بعدها الأطفال إلى مستشفى في زغرتا.
فُتحت النار فجأة على جبل محسن، هكذا بلا أي جرم ارتكبه أحد هناك، حتى ظن بعض الأهالي أن ثمة سوءاً كبيراً يُعدّ للجبل. لكن ساعات قليلة ويتوقف زخ الرصاص. طبعاً يستمر رصاص القنص، إذ لهذا الرصاص حكاية طويلة، تتوقف المعارك ولا يتوقف، واللافت، أو اللامنطقي، أن الناس في تلك المنطقة، في الجبل والتبانة على حد سواء، قد اعتادوا هذا النمط من الحياة! إذاً، قبل ثلاثة أيام حصلت معركة خاطفة، عبثية كعادتها، فجائية على غير عادة، أما الحصيلة فكانت: جرح 4 أطفال. هؤلاء الأطفال الذين يجلسون مع رفاق لهم من باب التبانة، على مقاعد المدرسة، ولا يدرون ماذا يخبئ لهم الغد. ما يجمعهم من فقر وحرمان، وقلة لعب، أكبر من أي شيء يمكن أن يفرقهم. محمد المرعبي، علي حسين، جعفر أحمد ومريم زيني، أربعة أطفال في المستشفى، أحدهم في حالة حرجة. المخيف أن في طرابلس، اليوم، من لديه الاستعداد النفسي لإطلاق النار على هؤلاء الأطفال وقتلهم. ربما هذا هو الجزء الأخطر في المشهد.
اليوم ثمة ما هو أبعد من الرصاص في جبل محسن. ذلك الحي، الذي تسكنه أكثرية علوية، كجزيرة محاطة بمحيط من «الآخرين». الكل هناك يُحدثك عن «الحصار». هذه الكلمة تسمع كثيراً منهم هذه الأيام. إلى درجة أن المجلس الإسلامي العلوي، الذي لا يتعاطى عادة السياسة بنحو مباشر، رفع الصوت من أجل «طائفة مُهددة». يتحدث أحمد عاصي، مدير مكتب المجلس المذكور، عن حصار على أنواع. يقول: «منذ سنوات ونحن نعيش الحصار، إذ نتعرّض للأذى والضرب كلما غادرنا الجبل، ولكن الأمر سابقاً كان على نحو يمكن الصبر عليه، أما الآن فوصلنا إلى مرحلة بات معها منع مجرد الدخول إلى الجبل والخروج منه، ولهذا نعتمد طرقاً ملتوية لذلك ولا نوفق دائماً».
وفي حديث له مع «الأخبار»، يلفت عاصي إلى أن نسبة أهالي الجبل الذين يعملون في المناطق الأخرى هي 80 في المئة تقريباً. هؤلاء يجب عليهم الدخول والخروج يومياً. لكنْ «قسم كبير منهم أصبح بلا عمل (من بين الموظفين) خاصة بعد مقتل الأستاذ المدرسي سليمان البريصي أثناء عودته من عكار إلى الجبل. عاد من عمله لتصب في جسده كمية كبيرة من الرصاص، على مدخل الجبل، علماً انه كان برفقة أحد عسكريي الجيش اللبناني، الذي قُتل أيضاً». قبل الأستاذ، يقول عاصي، اضطروا لنقل سيدة حامل للولادة في بيروت، وذلك «خشية وضعها في مستشفى داخل طرابلس وكشف طائفتها... إلى هذا الحد وصلنا، ولا نبالغ لأن التجارب أوصلتنا إلى هنا».
هل يُصدّق أحد أن القمح يُهرّب إلى جبل محسن؟ كميات قليلة كان الجيش أحياناً يساهم في نقلها، مضطراً، وإلا فمن يتحمّل فكرة المجاعة في هذا العصر؟ أحد شبّان الجبل يشبّه ما يحصل اليوم بأيام «سفربلك». هكذا، تعود طرابلس مع مشاهد كهذه إلى قرن مضى. يتحدث القيادي في الحزب العربي الديموقراطي، علي فضة، عن الحصار «الذي بات معه موزعو المواد الغذائية يخشون التوجه إلى جبل محسن، كذلك نعاني نقصاً في عبواب الغاز بعدما اعتدى الاخرون على الموزع بالضرب، ومن يومها لم يعد إلينا... مللنا السؤال أين الدولة؟ اليوم نسأل أين الحلفاء، كلهم بلا استثناء! أكل العصي ليس مثل عدها. استمرار الحياة على هذا النحو عندنا ما عاد يطاق، فإلى متى؟». أما عاصي، فيستغرب كيف «لا يتلقى المجلس الإسلامي العلوي اتصالاً من رئيس طائفة، على غرار ما يفعل رؤساء باقي الطوائف بين بعضهم. كما لا نتلقى أي اتصال من زعيم من هنا أو هناك، كأننا طائفة منبوذة غير معترف بها، بينما نحن طائفة رسمية بشهادة الدستور. للأسف نشعر بأنهم يخجلون بنا، لكن بكل الأحوال نحن لن نخجل بهم وسنبقى على مبادئنا، ولا يظنوا أن الرصاص او الجوع يمكن أن يحولنا إلى المحور الآخر. نحن على هذا المنوال، من القتل والتجويع والحصار منذ السلطان سليم العثماني حتى اليوم». ويختم عاصي: «مشكلتنا ليست مع السنة، هؤلاء أهلنا ونكررها للمرة المليون، لكنها مع التكفيريين الذين يرفضون فكرة وجودنا من أصلها. نحن اليوم ندفع ضريبة لعنة الجغرافيا، نموت رويداً رويداً، ولكننا نعدهم بأننا لن نموت تماماً».
في جو هذا الحصار المفروض على جبل محسن، فاجأ الجيش اللبناني أهالي الجبل أمس بحملة «عنيفة غير متوقعة». وبحسب بعض أبناء الجبل، فإن الجيش دخل إلى الشوارع مستخدماً العنف و«راح يُكسّر بالعالم». في المقابل، لم يتجاوز انتشار الجيش شارع سوريا، الفاصل بين الجبل وباب التبانة، إذ ظل على مسافة بعيدة من المسلحين في التبانة. في هذا الإطار، قال فضة في حديث مع «الأخبار» إن الجيش «لطالما كان في أعيننا، ولكن لا نفهم اليوم سبب البطش بنا، رغم كل الحصار الذي نعانيه، فيما الجيش والكل بلا استثناء يعرفون أن من يطلق النار، أي من يفتتح حفلات إطلاق النار، هم الطرف الآخر في باب التبانة ومحيطها. نفهم أن يكون الجيش غير قادر على ضبط من يسمون أنفسهم قادة محاور، لكن أيعقل أن نكون نحن في المقابل مكسر عصا؟».
هكذا، يعيش الناس في جبل محسن هذه الأيام، أكثر من أي زمن مضى، هاجس القلق من الأيام المقبلة. يرفضون «الانصياع». يركضون إلى الأمام، بلغة مليئة بمفردات التحدي والعنفوان. يدركون أن الدولة «استقالت» من طرابلس، وأنهم يعيشون في «غيتو» مفروض عليهم. تراهم يعيشون على قاعدة «من لا يملك شيئاً ليخسره... سوى الكرامة. وفي مطلق الأحوال سنقاتل حتى النهاية دفاعاً عن مبادئنا، وإن شئت قل وجودنا، وما نفهمه أن الحال لا يمكن أن يستمر هكذا».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018