ارشيف من :أخبار لبنانية

سليمان متصدياً شرساً للتمديد أية حسابات يريدها وأية مكاسب يخطط لها؟

سليمان متصدياً شرساً للتمديد
أية حسابات يريدها وأية مكاسب يخطط لها؟
ابراهيم بيرم - صحيفة النهار
 

كثر يعتبرون ان الاعتراض الحاسم لرئيس الجمهورية ميشال سليمان على التمديد لمجلس النواب بالطريقة التي حصل فيها التمديد أخيراً تكتنفه ظلال سميكة من الالتباس والغموض.

فهو بهذا الموقف المتصلب يتحدى ضمناً اجماع القوى الاساسية في البلاد على المضي قدماً نحو خيار التمديد رغم كل ما احاط هذا الأمر من تناقضات في الرؤى والمواقف وما ولّده من "انشقاقات" وتصدعات في داخل كل اصطفاف سياسي.

وأكثر من ذلك، فإن سليمان يتجاوز في موقفه أيضاً رغبة ضمنية لدى واشنطن وأوروبا والدول العربية التي تعتبر نفسها قيّمة ولو من بعيد على الشأن اللبناني، فحواها ان التمديد على سيئاته وسلبياته، ورغم مناقضته المطلقة لمنظومة القيم التي ينادي بها الغرب وفي ذروتها  الحفاظ على معايير الديموقراطية وموجباتها وتداول السلطات خصوصاً في بلد مثل لبنان طالما "تباهى" به الغرب على اساس انه مثال حي للديموقراطية التي ينبغي أن تحتذى وسط المنطقة المفتقرة الى هذه التقاليد الراسخة، هذا التمديد يبقى أمراً مطلوباً بهذه اللحظة المضطربة كونه لا يرفع منسوب التوتر ويزيد وتيرة الاحتقان الذي يمكن أن يضاعف امكانات الانفجار.

ثم إن معارضة التمديد، الذي جعله سليمان شغله الشاغل في الايام الماضية وملأ به الدنيا، تجعله على تقاطع مع العماد ميشال عون رغم انهما على طرفي نقيض في التوجهات والحسابات السياسية المعقدة، لا سيما في الساحة المسيحية، واستطراداً يعطي اعتراض عون الشرس على التمديد بعداً وطنياً ويعلي من شأنه قانونياً ودستورياً ويخدم حسابات "جنرال الرابية" في شارعه. وبناء على كل ذلك يظل السؤال قائماً عن الاسباب التي تجعل سليمان يأخذ خيار معارضة التمديد ويمضي به قدماً ويجعل أمر اسقاطه في المجلس الدستوري احتمالاً لا يستهان به، رغم ادراكه ان تبني هذا الخيار فتح باب السجال مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وجمّد ولو لاسابيع قليلة عملية استيلاد الرئيس المكلف تمّام سلام لحكومته وهو اسير الانتظار منذ ما يقرب من شهرين، بل واعاق حسابات دول غربية تخلت مرة واحدة عن كل دفاعاتها المستميتة وتحذيراتها المتكررة عن ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها المبدئي. والكل يذكر ولا ريب تصريحات سفراء واشنطن وباريس ولندن وسواهم المثقلة بالتحذيرات مما سمّوه مخاطر عدم الذهاب الى صناديق الاقتراع، وهي تصريحات لم يمر عليها الزمن.

ثمة في رأي العارفين بتوجهات سيد قصر بعبدا مكاسب متعددة يجنيها الرجل من موقفه المتمايز هذا، فهو يبدو وكأنه يدحض بشكل أو بآخر كل ايحاءات وتصريحات لقوى اساسية في 8 آذار اتهمته صراحة بأنه انحاز عن الموضوعية والحيادية التي مارسها طوال الاعوام الاربعة الاولى من ولايته لينخرط أكثر فأكثر في خيارات قوى 14 آذار وتوجهاتها، لا سيما بعدما تبنى في الآونة الأخيرة مواقف متمايزة ومثيرة للجدل في شأن المقاومة وفي شأن مسار الاحداث في سوريا بدت متعارضة الى حد كبير مع توجهات "حزب الله" ومع دمشق التي أقفلت تقريباً خطوط التواصل معه منذ انكشاف قضية الوزير السابق ميشال سماحة.

وعليه فإن اصحاب هذه الرؤية، وجلّهم من قوى 8 آذار، يذهبون الى القول بأن سليمان يستظل اجتهادات دستورية وحسابات قانونية هي مدار جدال وسجال، ويفتح أبواب المواجهة بشكل دائري مع كل الاطراف الاساسيين على الساحة ويلاقي مخاصميه من اجل مسألة اساسية وجوهرية بالنسبة اليه وهي استعادة حيويات وتمايزات وحسابات للرئاسة الاولى أوشكت التطورات والتحولات المتسارعة ان تودي بها وتبدّدها، وآخرها كان حساب تعزيز القوة الوسطية في المسرح السياسي من خلال ضم النائب وليد جنبلاط والرئيس نجيب ميقاتي والرئيس بري الى دائرتها وتقديمها على أساس انها ضمان للتوازن والاستقرار في البلاد وعدم طغيان فريق على آخر.

فلم يعد خافياً ان خيار الوسطية استهلك نفسه واستنفد اغراضه حتى قبل ان يصير أمراً واقعاً ورقماً صعباً.
وتعتبر أوساط 8 آذار ان سليمان أصيب في الآونة الأخيرة بعلاقته مع دول خليجية معينة والانقسام الذي يعاني منه الشارع المسيحي بين قواه الاساسية، فضلاً عن تداعيات الأحداث في سوريا و"استضعاف" النظام في دمشق مما قلص مساحة حضوره وحلفائه في الساحة اللبنانية وتوازن القوى شبه الثابت بين 8 و14 آذار على نحو أظهرت التطورات الاخيرة أنه ثابت.

كل تلك المعطيات والوقائع جعلت سليمان يسارع الى اتخاذ مواقف حازمة من قضايا اساسية، يقدم من خلالها "اوراق اعتماد" لمرحلة جديدة في الداخل والاقليم يعتقد ان ساعتها آتية لا ريب فيها، ولو كان في ذلك نوع من المغامرة او ما يمكن تسميته "لعبة الصولد".
وبالطبع ازدادت هذه النزعة لدى الرئاسة الأولى بعد سقوط حسابات ورهانات سابقة أبرزها اقناع من يمكن اقناعهم من الشركاء الباحثين عن اوراق دعم أبرزها حساب التمديد، او حساب اثبات الحضور عبر نواب يسميهم في هذه اللائحة او تلك.

ولا شك في ان سليمان من خلال لعبة معارضة التمديد اختار مسألة تمتلك شرعية ولا تبدو وكأنها عبارة عن مكايده فقط، وتمتلك مظلة دستورية.
والى ذلك، يتقدم سليمان الى ساحة المواجهة مع مؤيدي التمديد وهو يستند الى اوراق قوة ظهرت خلال الاعوام الخمسة من ولايته. فهو واجه "حزب الله" وتصدى لمسلماته وخطوطه الحمر جهاراً نهارا إن لجهة تمسكه برؤى قدمها على طاولة الحوار الوطني لتكون اساس الاستراتيجية الدفاعية المشتركة، أو لجهة انضمامه صراحة الى قائمة المعترضين على انخراط الحزب في معارك القصير ودعوته إياه الى سحب مقاتليه فورا من هذه المعارك.
واضافة الى ذلك، كانت لسليمان مواقفه المعارضة لأعلى مرجعية روحية مسيحية في وقت من الاوقات عندما اعترض على الاجماع المسيحي الذي رعته هذه المرجعية على مشروع "اللقاء الارثوذكسي".

وفوق ذلك لم يخل سليمان الساحة امام طموحات العماد عون على المستوى الاداري والحكومي حتى عندما كانت لعون غالبية الوزراء المسيحيين في الحكومة. وعليه فقد يكسب سليمان رهان الطعن بالتمديد او لا يكسب، ولكن الثابت ان لدى الرئاسة الاولى رهانات على "مكاسب" اخرى يسعى الرجل الى تحقيقها من خلال نهج المعارضة الشرسة للتمديد، وفي مقدمها ان يكون ذلك مقدمة لازمة لرهان التمديد او التجديد له نظراً الى ما كرسه من حيثية مستقلة واداء متمايز خلال الاعوام الخمسة الماضية. وإن لم يكن له ما يريد فإن الاكيد ان للرئيس سليمان طموحاً ان يسجل تاريخ الرئاسات في لبنان انه كان مختلفاً كل الاختلاف عن اسلافه، وانه لم يلعب فقط دور المدير للأزمات المتناسلة.
2013-06-05