ارشيف من :أخبار لبنانية
القصَيْر نصر استراتيجي حاسم والدلالات؟
د.أمين حطيط-البناء
لم يدرك البعض دلالات الاحتقان الغربي - الصهيوني الاقليمي والهياج ومخاوف محور الشر العدواني من نتيجة معركة القصير ومصير المسلحين المرتزقة الذين حوصروا فيها بعد ان بدأ الجيش السوري والقوى الرديفة بالهجوم التطهيري على المدينة وقد تراءى للبعض ان الضمير او الشعور الانساني استيقط فجأة عند الولايات المتحدة صاحبة السجل الحافل بالإبادة الجماعية بدءاً من هيروشيما ونكازاكي وصولاً الى العراق وليبيا ومروراً بسجن ابو غريب وغوانتانامو اميركا صاحبة هذا السجل تباكت أمس على الجرحى والمحاصرين في القصير وساندها في النحيب والعويل بان كي مون الذي عيّنته - في لحظة قوتها وقدرتها ـ أميناً عاماً للامم المتحدة ولم يتوقف التدخل هنا بل توسّع ليشمل دولاً ومنظمات منضوية في محور العدوان على سورية ايضاً حتى أن صغاراً في هذا المحور تدخلوا لنجدة الارهابيين في القصير
و بدا أن دولة هنا تتباكى على الجرحى وشخصاً هناك يتوسّط من اجل عمليات الاخلاء والصليب الاحمر الدولي ُزج في القضية أيضاً.
وهنا كان السؤال: لماذا كل هذا الاهتمام بجماعة ارهابية دخلت مدينة آمنة وتحصّنت فيها بعد ان افسدت أمنها بلدة ما استوجب تدخّل الجيش السوري لاستعادتها ممن خطفها؟ ثم كم كان مضحكاً ان تتدخّل اميركا مطالبة بفكّ الحصار عن الارهابيين! نعم اميركا التي ادّعت انها تشنّ حرباً على الارهاب وتحتل افغانستان و تدمّرها من اجل ذلك تطالب سورية بأن تفكّ الحصار عن الارهابيين لتُمكّنهم من الحركة للقيام بالفساد والإفساد والقتل والتدمير ونعود الى السؤال لماذا كل هذا الاهتمام؟ وما هي أهمية القصير لتدفع محور العدوان بكل مكوّناته بدءاً من القيادة الاميركية إلى التدخل لمنع تنظيف المدينة وعودة السلطة الشرعية اليها؟
في الإجابة وبكل بساطة ووضوح نقول إن للقصير أهمية تكتية - عملانية واستراتيجية ذات ابعاد سياسية تجعل من نتيجة المواجهة فيها وحولها نقطة تحوّل في مسار العدوان على سورية وعلى محور المقاومة وعلى المنطقة العربية برمتها و في هذا السياق نتوقف بشكل قاطع أمام ما يلي:
تُعتبر القصير جغرافيّاً مرتكز رأس الجسر الممتد من طرابلس في شمال لبنان على ساحل المتوسط الى المنطقة الوسطى في الداخل السوري عبر عكار وصولا الى عرسال وهو الجسر الذي كان يزوّد عبره الارهابيون بنسبة تتراواح بين 40 الى 45 من احتياجاتهم اللوجستية والذخائر والاسلحة فضلا عن التعزيز بالطاقة البشرية الارهابية وبخسارة الارهابيين لهذه المنطقة تكون ورقة لبنان قد سقطت من يدهم وخسروا عسكرياً مصدر تعزيز وإمداد مهم بشكل ينعكس على ادائهم الميداني مستقبلاً
تتوسط منطقة القصير جغرافية سورية ومنها يكون التوزع والانطلاق الى الجنوب والشرق والشمال والساحل السوري في الغرب و بالتالي فإن سقوط القصير من يد الارهابيين يعني خسارتهم حلقة الفصل بين اجزاء الوطن السوري سقوط مكّن الجيش السوري من تحويلها الى حلقة اتصال وتحكم بالحركة وهذا ما يسهّل معركته الدفاعية المبنيّة على استراتيجية الهجوم التطهيري.
تشكّل هذه المنطقة الجزء الغربي من المنطقة التي خطط الاميركي لتكون دولة لفئة من السوريين المسلمين السنّة و هي بعيدة عن البحر وبحاجة الى معبر يصلها بها ولا يوجد من معبر سوى منطقة الشمال اللبناني المنطقة الواقعة شمال خط عرسال طرابلس - و بالتالي سيحول انتزاع هذه المنطقة من يد الارهابيين دون السير قدماً في تنفيذ مشروع تقسيم سورية اولا وتاليا لبنان و لهذا تتخذ معركة القصير هذا البُعد الاستراتيجي السياسي البالغ الاهمية إذ أنّ سقوطها من يد الارهابيين اسقط مشروع تقسيم تحلم به الصهيونية العالمية لإقامة الدويلات الدينية المبرّرة لقيام دولة «اسرائيل» اليهودية.
إن الأداء العسكري الرائع الذي قدمه الجيش السوري مع القوات الرديفة في القصير وجّه رسالة عسكرية ميدانية بالغة الشدّة والقسوة للأعداء والخصوم بأن الذي يواجههم جيش عقائدي ومقاتل عقائدي لا تُثنيه صعوبات ولا يعيقه عائق في الدفاع عن وطنه و قيمه وأمته وبالتالي فإن المواجهات المستقبلية ستكون اسهل ممّا حصل لأن هيبة المقاتل المدافع ستسبق ناره الى قلب العدو.
هذا في الدلالات والنتائج ولكن من ناحية ثانية لا بدّ من التوقف عند سؤالين اثنين يتعلقان بالمدة التي استهلكتها العملية وبمشاركة قوى اخرى في العملية وهنا نقول وبكل وضوح :
ان الجيش السوري الذي يعمل على ارضه اعتمد استراتيجية مبنيّة على مبدأ «الهجوم الرحيم» ما يعني ضرورة افساح المجال للخصوم والاعداء للخروج من الميدان حرصاً على حياتهم عبر القاء السلاح والتسليم او الانسحاب خارج الميدان والتوقف عن القتال وهنا نرى كيف عمل الجيش حتى اللحظة الاخيرة معتمداً اساليب الانقاذ ونجح في تخليص المدنيين كما افسح المجال لنصف الارهابيين للتسليم او القاء السلاح وهو سلوك يُشكر عليه كما انه يناقض سلوك آكلي لحوم البشر.
إن اعتماد محور المقاومة بتاريخ 25 2 2010 لاستراتيجية المواجهة الموحدة والشاملة مع تعدّد الجبهات لم يكن ترفاً اعلامياً ولم تكن تلك الصورة التي التقطت في دمشق وجمعت الرئيس الايراني الى الرئيس السوري الى قائد المقاومة في لبنان عبثاً بل كانت إعلاناً لمرحلة جديدة في المواجهة وكانت معركة القصير فرصة للمحور لإقران القول بالفعل وعندما تمّ التأكد من ان «اسرائيل» ومن معها من مكونات العدوان الخارجي موجودة في القصير لقتال سورية كان على مكونات المحور ان تسلك استراتيجية وحدة المواجهة الشاملة وتبلغ في الميدان اعداءها بأن المحور كله يدافع عن القضية الاساسية.
وعلى هذا الاساس نقول كانت معركة القصير معركة مفصليّة في مسار العدوان على سورية إذ شكلت نقطة انكسار العدوان ورسمت خط الانطلاق الاكيد والنهائي نحو انهاء الازمة سواء عُقد المؤتمر الدولي حول سورية ام لم ينعقد فالمهم هنا ان محور المقاومة عقد العزم على الانتصار وها هو يبدأ بتحقيق ما عقد العزم عليه الانتصار الاستراتيجي المؤزّر والبقية تأتي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018