ارشيف من :أخبار لبنانية

سورية تنتصر للإنسانية

 سورية تنتصر للإنسانية

جمال علي غانم-"البعث" السورية

إن الدولة السورية تخوض معركة الدفاع عن حاضرها ومستقبلها ووحدة أراضيها التي تسعى تلك القوى لتقسيمها مذهبياً وطائفياً، بهدف اسباغ الشرعية على الكيان الصهيوني في إعلانه يهودية "إسرائيل" العنصرية، وقد نجحت سورية في معركتها هذه، بدليل التحول الدولي للقبول بالحل السياسي ذلك التحول الذي صنعه الجيش العربي السوري بانتصاراته في الميدان.

وعلى ذلك فإن ما قامت به عصابات الإجرام وما تقوم به من قتل وخطف وتفجير وتدمير لا معنى له سوى أنه علامة عجز وانكسار وإفلاس، فمن يمتلك مقومات الانتصار لا يلجأ إلى الأساليب التي ترفضها كل القيم، ما يؤكد أن انتصار سورية أصبحت مسألة وقت يقترب مع تعمق الالتحام الشعبي مع الجيش من جهة، ومع القيادة الوطنية من جهة ثانية.

 على الرغم من الحرب العالمية الشاملة التي أعلنت على سورية منذ أكثر من عامين، والتي راهن الكثيرون على أنها ستسقط الدولة السورية ونظامها السياسي خلال أسابيع وربما أشهر قليلة على أبعد تقدير، ذلك أن العدة التي أعدت لهذه الحرب جعلتهم على ثقة بوصولهم إلى أهدافهم، غير أن سورية، الدولة والمؤسسات والنظام السياسي المتماسك والشعب الصامد والجيش الكبير بما قدمه ولايزال من تضحيات، أفشلت خططهم، لتبدأ تلك القوى بإعادة قراءة سياساتها ومواقفها، وصولاً إلى أعتاب التسليم باستحالة بلوغ ما كانوا يرمون إليه من إخراج سورية من معادلات الصراع العربي الصهيوني وجعلها ولأزمان طويلة تنصرف لترميم جراحها، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وقيمياً.

 لقد حاولت القوى الغربية الكبرى و"إسرائيل"، وعبر القوى الظلامية، إلحاق الدمار والقتل والتخريب لسورية تحت عناوين مضللة، ربما صدقها البعض في أيامها الأولى لتنجلي الصورة لاحقاً على الجريمة اللاأخلاقية والزيف الذي مارسته القنوات الفضائية وخبراء الحرب النفسية، والمترافقة مع سياسات الحصار والتجويع وأدوات التحريض والتهيج الطائفي لفك عرى التفاف الشعب السوري حول قيادته السياسية ممثلة بالسيد الرئيس بشار الأسد، كل ذلك جعل هذه القوى تدرك أنها أمام حائط مسدود، ونحن لانقول ذلك من فراغ، فثمة مبررات للقول إن سورية أصبحت قاب قوسين من الانتصار بأبعاده ونتائجه ومتغيراته.

إن ماسمي بالحراك الشعبي بدأ في سياق متسلسل في العديد من الدول العربية بدا وكأنه قدر لافكاك منه، لاسيما أن قوى العدوان جهزت خططها واختارت أدواتها بشكل جعلها واثقة من نتائج ما عملت من أجله في سورية لتحقيق القضاء على الدور والموقع والموقف، لاسيما ما تعلق منه بالمقاومة ودعمها واستمرارها كحامل للمشروع القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي، وهو ما عبر عنه ثعلب السياسية الأمريكية هنري كيسنجر عندما قال:«إن ما فعلناه في الأقطار العربية التي مر بها "الربيع العربي" لم يكن من أجل عيون العرب بل من أجل الوصول إلى سورية».

 إن الحاجة لقيادات عربية جديدة، من حيث الشكل فقط، قادرة على المحافظة على مصالح القوى الغربية، لعب الدور الأساس في تخطيط هذه القوى "الربيع العربي"،  مستغلة، لاشك، آمال الشعب العربي وتوقه إلى الحرية والكرامة عبر ذلك الكم الهائل من الشعارات التي طرحت والتي روّج له الإعلام تحت شعار(الشعب يريد)، لاسيما وأنها كانت قد هيأت بعض المرتبطين بخططها، خاصة في عالم الاتصالات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت دورها في حشد الشباب دون أن يدرك الكثيرون من هذا الشباب إلى أين يساقون، مع الاعتراف بأن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بأنواعها وأشكالها كانت القاسم المشترك الذي يعاني منه السواد الأعظم من الشعب العربي، أي أن المناخ كان مهيأ للمطالبة بتغيير حقيقي باتجاه أكثر عدالة وحرية وكرامة، تغيير أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وتعميق نهج القرار السيادي الوطني في وجه التدخلات، ما يشكل في حال حدوثه خطراً حقيقياً على القوى الاستعمارية، الأمر الذي ما يجعلنا نستطيع توصيف ماحدث حتى الآن بأنه عملية سرقة منظمة ودقيقة وشاملة لأهداف الشعب العربي وطموحاته، من خلال عملية استباقية، يتم من خلالها تغيير الأنظمة القائمة التي تتآكل شرعيتها ومشروعيتها، والتي لم تعد مقبولة شعبياً بأنظمة قادرة على تعطيل الانفجار والثورة الحقيقية المنشودة في إطار مايمكن وصفه بـ "الصفقة الكبرى"، والتي تمت بين القوى الإسلامية الإخوانية من جهة والقوى الغربية التي تدير العملية من وراء الستار من جهة ثانية، عبر شريك  تمثل في تركيا الأردوغانية وأطراف عربية تملك الثروة والأدوات الإعلامية التحريضية، والتي كانت استطاعت في أوقات سابقة بناء نوع من المصداقية في الشارع العربي وبخاصة منها "الجزيرة"، فكانت الولايات المتحدة راعية النموذج الإسلاموي المطلوب دعمه وتعميمه على أنه النموذج الذي يمثل الاعتدال والمرونة والديمقراطية مع الاستفادة الكبرى من قوى الإسلام السياسي في بلدان مثل تونس وليبيا ومصر حيث عانت فيها القوى الإسلامية من بعض المظالم، ما جعلها  تحظى ببعض التعاطف الشعبي، فاستطاعت حركة النهضة في تونس مصادرة الحراك الشعبي وليلحق بها إخوان مصر ليحرفوا الحراك في إطار صفقة تعهدت فيها تلك القوى بالالتزام والاتفاقات مع الكيان الصهيوني مقابل الوصول إلى السلطة، لكن وقائع الشهور الماضية أكدت أن هذه القوى غير قادرة على تقديم حلول عملية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وقد بدا ذلك واضحاً في تونس وليبيا ومصر، والتي تعيش حالة من الفوضى والمعاناة هي أكبر بكثير مما كان في ظل الأنظمة السابقة، ما أفقدها الكثير على الساحة الشعبية، ولكن، ومن قبيل الإقرار بالواقع فإن افتقاد القوى الوطنية والقومية والتقدمية لمشروع متكامل جعلها غير قادرة بدورها على توظيف ذلك لصالحها، لتبقى الساحة العربية مفتوحة، وليس خافياً على أحد، أن نموذج الحراك الليبي واليمني صبّ في السياق ذاته، أي تسهيل وصول قوى إسلامية للسلطة تقدم الضمانات للمصالح الأمريكية والغربية، وتجهض أي عملية تغيير حقيقية.

وبالمحصلة لم يكن لما حدث في العديد من الدول العربية تحت عنوان "الربيع العربي" علاقة بالثورة، بل شكل فرصة لقوى خارجية لاختراق الشارع العربي وإيصال قوى حليفة لها للسلطة.

أما في سورية فكان التحضير والاستعداد قد بلغا مرحلة متقدمة للانقضاض على الدولة السورية، باستغلال  بعض السلبيات التي نجمت عن السياسات الاقتصادية وتفشي الفساد، والمناخ الذي ساد بموجة "الربيع العربي"، لترفع الشعارات ذاتها، مضافاً إليها العسكرة واستخدام الأسلحة والتخريب الذي طال المنشآت العامة والخاصة، الأمر الذي رفض البعض الاعتراف بوجوده، واعتبره البعض مبالغة وتشويها "للثورة!!"، لتنطلق في ظل ذلك أشرس حرب من خلال أدوات إقليمية، اعتمدت  الشحن المذهبي والطائفي لإسقاط سورية في الفوضى والحرب الأهلية التي تدمر البشر والحجر والشجر لإنهاء دور سورية مرة واحدة إلى الأبد.

وإدراكاً من القيادة في سورية لحقيقة الأهداف التي تقف وراء ما يجري سارعت للتجاوب مع المطالب الشعبية، طالما كان ذلك في مصلحة الشعب ولخدمته وبما يحفظ الوطن، وفي الوقت نفسه عملت فيه على إيضاح حقيقة ما يحدث للغالبية الشعبية، ولاسيما بعد أن تكشف أن رفع شعار"اسقاط النظام" هدفه تدمير الدولة السورية، دوراً وموقفاً، الأمر الذي عبّرت عنه الناطقة الأمريكية في الأسابيع القليلة الأولى عندما أعلنت أنه إذا أرادت سورية الانتهاء مما يحدث فيها فعليها تنفيذ ما يلي: "الابتعاد عن إيران، ووقف دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، وإقامة السلام مع إسرائيل".

ولعلنا لا نبالغ عند القول أن دخول القاعدة بفروعها وتلاوينها وما سمي "جبهة النصرة" واستقدام المرتزقة من أنحاء العالم ساعد على زيادة بلورة حقيقة الحرب على سورية، التي تشكل نموذجاً فريداً بغناه وتنوعه الإنساني والثقافي والديني والحضاري، وكامتداد لأعرق الحضارات الإنسانية، وبدا ذلك واضحاً بالإصرار على تجاهل الدعوات الحوارية وإلقاء السلاح، كما بدا واضحاً في الإصرار على تدمير البنى التحتية بمختلف مجالاتها بغية إنهاك الدولة السورية خدمة لقوى الاستعمار والعدوان ما سمح بتوسع مساحة الإدراك الشعبي لحجم المؤامرة.

إن الدولة السورية تخوض معركة الدفاع عن حاضرها ومستقبلها ووحدة أراضيها التي تسعى تلك القوى لتقسيمها مذهبياً وطائفياً، بهدف اسباغ الشرعية على الكيان الصهيوني في إعلانه يهودية "إسرائيل" العنصرية، وقد نجحت سورية في معركتها هذه، بدليل التحول الدولي للقبول بالحل السياسي ذلك التحول الذي صنعه الجيش العربي السوري بانتصاراته في الميدان.

وعلى ذلك فإن ما قامت به عصابات الإجرام وما تقوم به من قتل وخطف وتفجير وتدمير لا معنى له سوى أنه علامة عجز وانكسار وإفلاس، فمن يمتلك مقومات الانتصار لا يلجأ إلى الأساليب التي ترفضها كل القيم، ما يؤكد أن انتصار سورية أصبحت مسألة وقت يقترب مع تعمق الالتحام الشعبي مع الجيش من جهة، ومع القيادة الوطنية من جهة ثانية.

يؤكد ذلك ما حصل في موسكو من  تفاهم أمريكي- روسي، رغم أننا ندرك أنها ليست إلا مناورة وجدت الولايات المتحدة نفسها مجبرة عليها في ظل انجازات الجيش العربي السوري، التي جعلت واشنطن تتراجع عن مواقفها ورهانها على قوى الإرهاب، ووجدنا في العالم من يراهن على انتصار سورية لبناء عالم أكثر توازناً وعدالة، معتبراً أن معركة سورية هي معركة الحق والعدالة في العالم أجمع وانتصارها هو هزيمة كبرى للمشاريع العدوانية، وفتح آفاق واسعة للديمقراطية والعدالة على الساحة الدولية.


2013-06-07