ارشيف من :أخبار لبنانية

ديمقراطية الكتائب الحزبية: مرشحون للانتخابات إلى المحاكمة

ديمقراطية الكتائب الحزبية: مرشحون للانتخابات إلى المحاكمة
رولا إبراهيم - صحيفة الاخبار


لم يسلك حزب الكتائب اللبنانية طريق التيار الوطني الحر عبر دعوة كل الراغبين في الترشح الى التقدم بأوراقهم الى وزارة الداخلية، لتجري جوجلة الأسماء قبيل الاستحقاق الانتخابي. أراد الكتائب حسم مرشحيه منذ البداية، عبر تزكيته على غرار القوات للائحة أسماء محددة. وما ان تأكد خبر التمديد للمجلس النيابي حتى تفرغ حزب الكتائب لمعالجة مشكلاته «الديمقراطية». نهاية الأسبوع الماضي أحال الحزب مرشحين كتائبيين على مجلس الشرف (الهيئة القضائية العليا) للمحاكمة الحزبية. أما التهمة، فليست التصويت ضد الاجماع الكتائبي، التي أدّت عام 1983 الى طرد النائبين ادمون رزق ولويس ابو شرف من الحزب، ولا المخالفة الموصوفة والمشهودة التي طرد على اثرها أمين الجميل حين وصف عام 2005 تسليم منير الحاج رئاسة الحزب الى كريم بقرادوني «بالتسليم من العهر الى العهر بالعهر». ولا هي مشابهة لقضية الكتائبي عيسى نحاس، الذي فُصل بعد استضافته على قناة الـ «أو تي في» عام 2010 وما زالت تهمته حتى اليوم «غير مبررة». جرم المرشحين فدوى يعقوب (عن مقعد الأقليات في بيروت الأولى)، ورياض مزهر (عن أحد المقعدين الأرثوذكسيين في المتن الشمالي)، لم يكن موصوفا ولا مشهودا ولا يمت الى التعامل مع «الخصم» او «العدو» بصلة. يتعلق الأمر هنا بمخالفة ارادة الحزب، والاستمرار في الترشح على نحو منفرد. لم يتقبل الكتائب الأمر، فأقام مجلس شرف على شرفهما. ولأن في الحزب «أولاد ست وأولاد جارية»، تغاضت العائلة المالكة لحزب الله والوطن والعائلة عن ترشيحات أخرى أيضا من خارج ارادتها، كبشير جوزيف أبو عاصي في بعبدا، وميشال مكتف (لا يزال يحمل البطاقة الحزبية) عن المقعد الكاثوليكي في المتن، وكميل سعادة عن المقعد الأرثوذكسي في عكار.

لا يتشابه وضع المرشحين المحالين على المحاكمة الحزبية. ففدوى يعقوب عضو مكتب سياسي وتتولى مسؤولية مستوصفات الكتائب. أعلمت الأخيرة الى جانب كتائبي آخر عن المقعد نفسه (هو الدكتور برنار جرباقة عضو سابق في بلدية بيروت) قيادة الكتائب بنيتهما الترشح. وكان من الطبيعي في ظل وجود مرشحين حزبيين أن تُنقل الاستشارات الى المكتب السياسي لانتقاء الأفضل بينهما. سريعا رست مفاوضات المكتب السياسي السرية على جرباقة، ووفقا لمصادر كتائبية اعترضت يعقوب، التي لم تكن موجودة في الاجتماع على قرار استبعادها، على اعتبار أنها أحق بالترشح من زميلها. الا أن المكتب تجاهل صوتها، واضعا اياها أمام واقع الانسحاب، الأمر الذي لم تمتثل له، اذ استمرت في ترشحها منفردة. وبما أن يعقوب عضو مكتب سياسي في الحزب، تحول المكتب السياسي الى مجلس شرف، وجرى على اثرها اختيار ثلاثة من محامي الكتائب (جورج جريج، رفيق غانم، طوني ريشا) للنظر في «جريمتها»، ورفع تقريرهم تاليا الى القيادة العليا لاتخاذ الاجراء المناسب بحقها. تنكر يعقوب كل ما سبق، كما تنكر احالتها على مجلس الشرف، رغم تلقيها والمرشح المتني رياض مزهر قرار المحاكمة. تعلل عدم تكذيب الكتائب لخبر عقابها بأن «الرئيس أمين لا يحب التكذيب وتحويل القضية الى سين وجيم»! رغم أن التكذيب هذا يخدمها ويخدم الحزب معها ويقطع الطريق على «سين جيم».

للمرشح المتني المحامي رياض مزهر قصة تختلف عن زميلته البيروتية. الأخير رافق النائب الراحل بيار الجميل من مقاعد الدراسة الى مقاعد الحزب، فعينه بيار مستشارا قانونيا له ليصبح في ما بعد أحد محامي الكتائب، وأمين سر اقليم المتن. منذ نحو شهرين، انتهت ولايته كرئيس اقليم، وحين طرح التجديد له رفض الأمر لعدم جواز ترشح حاملي الصفة في الاقليم. أشهر مزهر وقتذاك نواياه النيابية، منطلقا من نشاطه الخدماتي، وأبرزه ملاحقة قضايا الكتائبيين القضائية الى ما هنالك. ولأن الحزب لم يتقدم ضمن لائحته بترشيح أرثوذكسي (المقعد الثاني محسوم للنائب ميشال المر)، رأى الأخير وفق المقربين منه، الفرصة متاحة أمامه للترشح، وخصوصا أنه لا يزاحم أحد الحزبيين على المقعد. لم تفد دعوات النائب سامي الجميل لسحب ترشّحه في شيء، فمزهر لم يتلق تبريرا جديا للعزوف عن الترشح، لذلك صمم على خوض الغمار الانتخابي ولو منفردا. وكان أن فوجئ أخيرا بقرار احالته على مجلس الشرف الكتائبي من خارج المكتب السياسي (مزهر ليس عضوا في المكتب). ومجلس الشرف المخصص لمزهر يتألف من خمسة أعضاء برئاسة المحامي أنطوان قاصوف، الذي من المفترض أن يرفع تقريره الى المكتب السياسي لمعاقبة «الجاني» بالشكل المناسب.

وفيما يضع بعض الخبثاء في حزب الكتائب محاكمة مزهر في اطار استبعاد منسق اللجنة المركزية في الحزب النائب سامي الجميل «جماعة شقيقه بيار من الواجهة، تماما كما استبعد مكتف»، يرى آخرون في استمرار ترشح مزهر مشكلة أرثوذكسية، تضاف الى مشكلة مكتف الكاثوليكية. ويشير هؤلاء الى أن 10 من رؤساء أقسام الكتائب في المتن زاروا منزل مزهر متضامنين فور ورود الخبر اليهم، وقد أبلغوه استعدادهم للاستقالة إذا صدر القرار بفصله. ويعلم هؤلاء جيدا مغبة استقالة رؤساء من الساحل، حيث الثقل الكتائبيي. وتراوح عقوبة المخالفين وفق نظام الكتائب التأديبي ما بين التنبيه الشفهي أو الخطي وصولا الى الفصل. ويؤكد أحد مسؤولي الماكينة الكتائبية أن لمزهر عدداً من الأصوات الانتخابية، تبدأ من برمانا مرورا بمسقط رأسه بصاليم نزولا نحو جل الديب وصولا الى قرى المتين ومحيطها، ما يكفل توجيه ضربة موجعة إلى لائحة آل الجميل والمر، وخصوصا أن المرشح المنفرد، أي مزهر ينتمي الى خط 14 آذار. ويتوقع خبراء الاحصاء اذا ما استمر مزهر ومكتف في ترشّحاتهما المنفردة، أن يقوم الناخبون الآذاريون بتوزيع أصواتهم بالتوازي بين كل مرشحي 14 آذار (من اللائحة أو خارجها)، الأمر الذي سيسهل فوز أرثوذكسيي التيار ومرشحه الكاثوليكي حتما. هذا في ظل الحديث عن تعاطف كتائبي مع المرشحين المستبعدين، وما ستخلفه تداعيات انقسام مماثل في معقل الكتائب، مع تزايد امتعاض الحزبيين من سلوك الجميل الابن. فعوضاً عن استيعاب طموح الحزبيين، يمعن «الشيخ» في إقصائهم وفق «ديمقراطيته» الحزبية، التي لا تسع الا من ينتقيهم بنفسه.
2013-06-08