ارشيف من :أخبار لبنانية
تحرير الأمن من السياسة: التسوية الضرورية والموقتة؟
غسان جواد - صحيفة الجمهورية
حتى الآن لا تزال «الهزّات الإرتدادية» لما جرى في القُصير قابلة للإحتواء، وحالات الفلتان المتنقل من شارع الى شارع ومن حيّ الى قرية الى مدينة، يمكن معالجتها بقرار سياسي يمنح الجيش الضوء الأخضر المطلوب للتعامل بحزم وقوّة مع ايّ تهديد للسلم الأهلي الهش والمضطرب.
بيان قيادة الجيش الذي صدر أمس، يعكس في مضمونه، على ما يبدو، قراراً بمنع دفع البلاد نحو فوضى عارمة. ولهجة هذا البيان والمفردات المستعمَلة واللغة الحازمة التي تميّز بها، جميعها تصبّ في خانة تفعيل دور المؤسسة العسكرية على الارض، وعدم السماح للمتضرّرين مما تبقى من "استقرار لبناني" بأن يستخدموا لبنان ساحة لتصفية الحسابات.
والقوى السياسية المختلفة باتت على إقتناع بأنّ تخريب البلد والانزلاق نحو صدام اهلي لا يخدم احداً الآن، وهذا ما جعل هذه القوى تتقاطع على منح الجيش غطاءً سياسياً كاملاً، للتصدي لكلّ مسلح يخرج الى الشارع او يقطع طريقاً او يعتدي على جندي، او يقوم بأعمال استفزازية من شأنها تأجيج النفوس وشحنها مذهبيّاً.
ما جرى ويجري في الشمال منذ اسابيع، وما شهدته طرابلس في اليومين الأخيرين، جعل الفريق المعني من فريق 14 آذار، أي تيار "المستقبل"، يستشعر الخطر القريب والبعيد.
المجموعات المسلّحة خرجت عن السيطرة، ولم تعد تأتمر بأمر احد من سياسيي المدينة وأحزابها، وفتحت على حسابها مع اجهزة عربية واقليمية، مهددة نفوذ التيار في طرابلس وغيرها، الامر الذي دفع بقيادة "المستقبل" الى مراجعة حساباتها، بمعزل عن "البيان" الورطة الذي تلاه نائب طرابلس منذ عهد الوصاية السورية محمد كبارة.
لقد كان كبارة يحاول عبر هذا البيان الحربي إستعادة بعض الهيبة المفقودة للزعامات التقليدية في المدينة، أطلق اقسى انواع الاتهامات بحق الجيش ورئيس الجمهورية، وعلى رغم ذلك لم يكن هو او غيره قادراً على ضبط الوضع.
المسلحون يطلقون النار في كل اتجاه، جنون ما بعده جنون، المواطنون وبعض القيادات الواعية في المدينة استدركت الامر، ضغطت على تيار "المستقبل"، ونقلت الى قيادته اجواء غير مريحة ولا منطقية حول ما يجري في المدينة.
وبعد اتصالات وترتيبٍ للموقف مع قيادة الجيش تحرّكت المؤسسة العسكرية بقوة أمس الأول، حيث دخل الى "جبل محسن" أولاً، لنزع ايّ ذريعة من أيدي المسلحين، وبعد ان نفّذ انتشاراً كاملاً في تلك المنطقة، بدأ التعامل مع المناطق المقابلة.
تقول جهات امنية متابعة لما يجري في البلاد: "بعض الدول الإقليمية ارادت "الإنتقام" لما جرى في القُصير، ولكنها اصطدمت بأمرين: عدم رغبة حزب الله بإشعال لبنان وجعل الحريق السوري يمتدّ إليه، وعدم استعداد تيار "المستقبل" لتغطية حالات باتت تشكل عبئاً عليه وعلى البيئة التي يمثلها".
وتشير هذه الجهات الى "أن عدم وجود طرف آخر في طرابلس يريد ان يقاتل، هو ما سهّل مهمة الجيش وجعله يبدأ بأخذ دوره. الأمر نفسه أيضاً ينسحب على صيدا وعلى معظم مناطق التوتر. والمعادلة القائمة الآن هي: "فلنختلف في السياسة بمقدار ما نشاء من دون الضرب تحت الزنار".
وتستشهد المصادر في هذا السياق بما قاله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عن أن اطلاق النار على جبل محسن لن "يُسقِط الأسد"، وتعتبر أن هذا الكلام كان بمثابة تحذير وصل الى "المستقبل" وقيادات المدينة الجدية قبل غيرها، الامر الذي من شأنه تسهيل مهمة الجيش والسماح له بتنفيذ مضمون البيان الذي أصدره.
حزب الله، بحسب هذه الجهات، واضح جداً في هذا الشأن. لقد قالها أمين العام السيد حسن نصرالله صراحة: "من يريد أن يقاتل فليذهب الى سوريا". وهذا يعني ضمناً أن الحزب ليس في وارد الرد على ايّ اعتداء او استفزاز، وأنه يترك للجيش تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب في شأن التعامل مع الأمن الداخلي.
قد تستمرّ موجة الفلتان بمستويات متفاوتة، لكنّ الجيش لا زال قادراً على منع الانفجار. الوضع الأمني في البلاد يلامس الهاوية، ولم يعد امام الجميع سوى المؤسسة العسكرية. القوى الوازنة في البلاد لم تصل الى مرحلة الجنون الكامل، وهذا ما يطمئن الى أنّ الموقف الامني لن يسوء أكثر بكثير مما شهدناه حتى الآن.
وفي حين تظلّ المخاوف الامنية مفتوحة على مصراعيها لكثرة اللّاعبين على "الساحة اللبنانية"، يظلّ التفاهم القائم من بعيد بين "حزب الله" وتيار "المستقبل" والحلفاء ضماناً لقيادة الجيش، ومعبراً للتشدد في ضبط الامن. هذا التفاهم الذي يأتي بحكم الضرورة قد ينسحب على الوضع السياسي والحكومي.
الجميع يريد ان يتعايش مع المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، فهل تتحرّر الحكومة العتيدة من "الفيتوات" و"الفيتوات" المضادة مثلما تحّرر الجيش؟ البلاد تحتاج الى تسوية مؤقتة على الاقل. ويبدو ان التقارب الحذر في الشأن الأمني سيعكس نفسه على السياسة في المرحلة المقبلة... لكن بحذر وعلى ايقاع الأزمة السورية.
حتى الآن لا تزال «الهزّات الإرتدادية» لما جرى في القُصير قابلة للإحتواء، وحالات الفلتان المتنقل من شارع الى شارع ومن حيّ الى قرية الى مدينة، يمكن معالجتها بقرار سياسي يمنح الجيش الضوء الأخضر المطلوب للتعامل بحزم وقوّة مع ايّ تهديد للسلم الأهلي الهش والمضطرب.
بيان قيادة الجيش الذي صدر أمس، يعكس في مضمونه، على ما يبدو، قراراً بمنع دفع البلاد نحو فوضى عارمة. ولهجة هذا البيان والمفردات المستعمَلة واللغة الحازمة التي تميّز بها، جميعها تصبّ في خانة تفعيل دور المؤسسة العسكرية على الارض، وعدم السماح للمتضرّرين مما تبقى من "استقرار لبناني" بأن يستخدموا لبنان ساحة لتصفية الحسابات.
والقوى السياسية المختلفة باتت على إقتناع بأنّ تخريب البلد والانزلاق نحو صدام اهلي لا يخدم احداً الآن، وهذا ما جعل هذه القوى تتقاطع على منح الجيش غطاءً سياسياً كاملاً، للتصدي لكلّ مسلح يخرج الى الشارع او يقطع طريقاً او يعتدي على جندي، او يقوم بأعمال استفزازية من شأنها تأجيج النفوس وشحنها مذهبيّاً.
ما جرى ويجري في الشمال منذ اسابيع، وما شهدته طرابلس في اليومين الأخيرين، جعل الفريق المعني من فريق 14 آذار، أي تيار "المستقبل"، يستشعر الخطر القريب والبعيد.
المجموعات المسلّحة خرجت عن السيطرة، ولم تعد تأتمر بأمر احد من سياسيي المدينة وأحزابها، وفتحت على حسابها مع اجهزة عربية واقليمية، مهددة نفوذ التيار في طرابلس وغيرها، الامر الذي دفع بقيادة "المستقبل" الى مراجعة حساباتها، بمعزل عن "البيان" الورطة الذي تلاه نائب طرابلس منذ عهد الوصاية السورية محمد كبارة.
لقد كان كبارة يحاول عبر هذا البيان الحربي إستعادة بعض الهيبة المفقودة للزعامات التقليدية في المدينة، أطلق اقسى انواع الاتهامات بحق الجيش ورئيس الجمهورية، وعلى رغم ذلك لم يكن هو او غيره قادراً على ضبط الوضع.
المسلحون يطلقون النار في كل اتجاه، جنون ما بعده جنون، المواطنون وبعض القيادات الواعية في المدينة استدركت الامر، ضغطت على تيار "المستقبل"، ونقلت الى قيادته اجواء غير مريحة ولا منطقية حول ما يجري في المدينة.
وبعد اتصالات وترتيبٍ للموقف مع قيادة الجيش تحرّكت المؤسسة العسكرية بقوة أمس الأول، حيث دخل الى "جبل محسن" أولاً، لنزع ايّ ذريعة من أيدي المسلحين، وبعد ان نفّذ انتشاراً كاملاً في تلك المنطقة، بدأ التعامل مع المناطق المقابلة.
تقول جهات امنية متابعة لما يجري في البلاد: "بعض الدول الإقليمية ارادت "الإنتقام" لما جرى في القُصير، ولكنها اصطدمت بأمرين: عدم رغبة حزب الله بإشعال لبنان وجعل الحريق السوري يمتدّ إليه، وعدم استعداد تيار "المستقبل" لتغطية حالات باتت تشكل عبئاً عليه وعلى البيئة التي يمثلها".
وتشير هذه الجهات الى "أن عدم وجود طرف آخر في طرابلس يريد ان يقاتل، هو ما سهّل مهمة الجيش وجعله يبدأ بأخذ دوره. الأمر نفسه أيضاً ينسحب على صيدا وعلى معظم مناطق التوتر. والمعادلة القائمة الآن هي: "فلنختلف في السياسة بمقدار ما نشاء من دون الضرب تحت الزنار".
وتستشهد المصادر في هذا السياق بما قاله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عن أن اطلاق النار على جبل محسن لن "يُسقِط الأسد"، وتعتبر أن هذا الكلام كان بمثابة تحذير وصل الى "المستقبل" وقيادات المدينة الجدية قبل غيرها، الامر الذي من شأنه تسهيل مهمة الجيش والسماح له بتنفيذ مضمون البيان الذي أصدره.
حزب الله، بحسب هذه الجهات، واضح جداً في هذا الشأن. لقد قالها أمين العام السيد حسن نصرالله صراحة: "من يريد أن يقاتل فليذهب الى سوريا". وهذا يعني ضمناً أن الحزب ليس في وارد الرد على ايّ اعتداء او استفزاز، وأنه يترك للجيش تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب في شأن التعامل مع الأمن الداخلي.
قد تستمرّ موجة الفلتان بمستويات متفاوتة، لكنّ الجيش لا زال قادراً على منع الانفجار. الوضع الأمني في البلاد يلامس الهاوية، ولم يعد امام الجميع سوى المؤسسة العسكرية. القوى الوازنة في البلاد لم تصل الى مرحلة الجنون الكامل، وهذا ما يطمئن الى أنّ الموقف الامني لن يسوء أكثر بكثير مما شهدناه حتى الآن.
وفي حين تظلّ المخاوف الامنية مفتوحة على مصراعيها لكثرة اللّاعبين على "الساحة اللبنانية"، يظلّ التفاهم القائم من بعيد بين "حزب الله" وتيار "المستقبل" والحلفاء ضماناً لقيادة الجيش، ومعبراً للتشدد في ضبط الامن. هذا التفاهم الذي يأتي بحكم الضرورة قد ينسحب على الوضع السياسي والحكومي.
الجميع يريد ان يتعايش مع المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، فهل تتحرّر الحكومة العتيدة من "الفيتوات" و"الفيتوات" المضادة مثلما تحّرر الجيش؟ البلاد تحتاج الى تسوية مؤقتة على الاقل. ويبدو ان التقارب الحذر في الشأن الأمني سيعكس نفسه على السياسة في المرحلة المقبلة... لكن بحذر وعلى ايقاع الأزمة السورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018