ارشيف من :أخبار لبنانية

القصير: القضم الممنهج ومعركة فجر الأربعاء

القصير: القضم الممنهج ومعركة فجر الأربعاء
علي هاشم - صحيفة السفير

من دون مقدمات هو عصر اللاحدود، حيث تجد نفسك فجأة داخل سوريا أو خارجها من دون ختم على جوازك أو حتى إبراز بطاقتك.

هو ذاته الشعور عندما تعلم أن عشرات المقاتلين الذين كانوا في ريف القصير قطعوا الحدود بجرحاهم وبعض عتادهم وذخيرتهم إلى قرى لبنانية محاذية، والأوقع أن يخبرك بذلك مصدر أمني لا يرغب بالكشف عن هويته ولا يجد غضاضة في تسريب معلوماته.

هكذا بدلت حرب ريف القصير الكثير من المعطيات، من الحدود وخارج الحدود إلى الداخل السوري، الذي يبدو من يوم سقوط مدينة القصير وكأنه يعيش على وقع تقدم الجيش السوري هناك، لكن السؤال ماذا حصل وكيف انهارت المعارضة المسلحة بهذا الشكل؟

كانت البداية مع عملية ريف القصير التي دفعت بالعناصر التابعة لـ«الجيش الحر» لترك مواقع متاخمة للحدود اللبنانية، الأمر الذي أفقدها خط إمداد رئيسي ساهم سابقاً في تعزيز سيطرتها على المنطقة. الواقع الجديد وضع قيادة المعارضة المسلحة في ريف القصير أمام خيارات أحلاها مر، وأسوأها القتال حتى النفس الأخير وانتظار وصول تعزيزات من المناطق الأخرى، وتحديداً من حلب وريف دمشق ودير الزور. الخيار الآخر كان الانسحاب باتفاق الحد الأدنى وهو ما لم يحصل.

عندما يدخل أحدنا مدينة القصير يفهم حقيقة ما حدث هناك، ويستوعب الأهمية التي وضعها الجانبان للسيطرة عليها. حرب المدينة جرت من شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت، لا بل، وكما يروي احد الذين شاركوا في القتال، من غرفة نوم إلى أخرى في ذات البيت. باختصار كانت معركة حياة أو موت بالنسبة لكل من شارك فيها، ولعل ظهور الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله خلال الأيام الأولى وكلامه عنها يعكس أهميتها.

في شوارع القصير اليوم لا وجود للحياة، هي مجرد مدينة قائمة على أنقاض، خالية بشكل شبه تام من المدنيين، وهو ما يبدو انه كان سمة عامة لها خلال الفترة الأخيرة، فكل مدني فيها كان إما من أقارب المسلحين أو من المقربين منهم فكرياً وسياسياً، وهو ما يبرر ندرة الإصابات المدنية في المدينة رغم كمية البارود والنار التي رميت فيها.

كانت الخطة بحسب مصدر عسكري رفيع المستوى أن تخاض المعركة بناء على خطة مبتكرة خصيصاً لهذه المعركة، والمقصود بخطة مبتكرة هي الهجوم، لكن بأسلوب حرب العصابات، فجزء أساسي من الذين كانوا يقاتلون في هذه المعركة، إن كان على جانب النظام أو المعارضة، يحترفون حرب العصابات. كان الهجوم الأول الذي بسط فيه الجيش السوري سيطرته على ٤٠ في المئة من المدينة، وتحديداً على مداخلها ومخارجها الجنوبية والشرقية والغربية، لكنه من دون شك كان هجوماً مكلفاً على صعيد الأرواح.

بعد ذلك انطلقت عملية القضم الممنهج داخل المدينة، وإسقاط البلدات المحيطة بها. كان الهدف الأساسي إسقاط مطار الضبعة وبعدها لكل حادث حديث. سقط المطار، الذي يمتد على مساحة كبيرة جداً، ويحوي في داخله كمية من الذخيرة كافية للصمود لمدة شهر كامل. بعد المطار عادت جبهة مدينة القصير لتشتعل من جديد، لكن المعارضة التي كانت تأمل بتوريط النظام و«حزب الله» في معركة استنزاف طويلة، وجدت نفسها من حيث لا تدري مستنزفة إلى الحد الذي جعل العقيد عبد الجبار العكيدي القادم من حلب يبحث عن باب للتسوية. ساعات من التفاوض عبر «سكايب» بين الطبيب قاسم الزين من القصير وأحد وجهاء منطقة القصير أوصلت إلى نتيجة أهم مفاعيلها تسليم المدينة عبر بيان متلفز. دب الخلاف بين قادة الألوية المعارضة وتأخر الرد، لا بل واشتعلت الجبهة من جديد، فكان القرار حاسماً جازماً، الحسم بأسرع ما يكون.

وعند الساعة الرابعة فجر الأربعاء الماضي كانت «القذائف تضرب بعضها البعض لكثافة إطلاقها» كما كتبت «تنسيقية القصير» على «فايسبوك». بالتوازي كانت مجموعات النخبة تدخل المدينة من كافة الجهات، بينما تتسابق المجموعات المسلحة المعارضة للانسحاب من ثغرة متروكة تؤدي إلى الضبعة. «كان المطلوب أن يخرجوا»، يقول احد الضباط الذين اشرفوا على العملية، وفي حدود ساعتين، كانت القصير قد سقطت.

بعد سقوط القصير لم يبق من ريف القصير سوى الضبعة والبويضة الشرقية وقريتين صغيرتين بينهما، لم يطل الأمر حتى سقطوا جميعاً وتقريباً من دون قتال، لكن المفاجأة كانت أن مئات السيارات الرباعية الدفع والشاحنات والدراجات النارية وجدت خالية في حقول قرب البويضة الشرقية، وفي بعضها عتاد وسلاح ثقيل.

على ما يبدو كانت الخطة الخروج بما خف وزنه واشتدت فعاليته. الخروج عبر أنفاق مجهزة مسبقاً في هذه البقعة وغيرها وهذا ما حصل. وبالمحصلة سقط ريف القصير كاملا، لكن الذين كانوا فيه لم يسقطوا جميعاً، قتل المئات وأسر العشرات وفر من فر إلى حيث يخوض معركة أخرى.
2013-06-08