ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تضرب "إسرائيل" بعد فشل الفتنة؟
"الخليج" - عصام نعمان
راهنت “إسرائيل” كثيراً وبأشكال مختلفة على الفتنة المذهبية كوسيلة لشل المقاومة اللبنانية . ظنت، أولاً، أن توسيع رقعة الضرب والتدمير لتطاول البشر والشجر والحجر في كل أنحاء لبنان خلال حربها العدوانية صيف ،2006 ستحمل اللبنانيين من غير أهل الجنوب، لاسيما في مناطق جبل لبنان والشمال، على التذمر من المقاومة والجهر بعدم قدرتهم على تحمّل ثمن مواجهتها غير المتكافئة مع العدو الصهيوني . لكن رهان “إسرائيل” اخفق إذ جاهر اللبنانيون، رغم مرارتهم وآلامهم، بنقمتهم على دولة العدوان التي لم توفر المدنيين الأبرياء ولا البنى التحتية المدنية البعيدة عن مواقع القتال .
ظنت “إسرائيل”، ثانياً، أن الضغط على طبقة السياسيين الموالين للغرب عبر الولايات المتحدة، سيمكّنها من الاستحصال على قرار من مجلس الأمن يفرض على المقاومة إخلاء الجنوب وعلى سوريا القبول بنشر قوات دولية على طول حدودها مع لبنان، ما يؤدي إلى قطع الإمداد اللوجستي عنها . لكن القرار 1701 جاء مرناً بالنسبة إلى المطلب الأول، إذ منع الظهور المسلح في الجنوب من دون تقرير البحث عن مخازن أسلحة المقاومة بمعزل عن موافقة ومشاركة الجيش اللبناني، حليف المقاومة ضد “إسرائيل” . أما مطلب نشر قوات دولية على الحدود اللبنانية- السورية فقد غاب كلياً عن القرار 1701 .
ظنت “إسرائيل”، ثالثاً، أن في وسعها تأجيج النزاع والفرقة بين قوى الموالاة والمعارضة بالتعاون مع الولايات المتحدة على إقرار صيغة للمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري يكون من شأنها إرهاب القوى السياسية المتحالفة مع حزب الله، وبالتالي حمل هذا الأخير على تقليص أنشطة المقاومة . لكن صمود قوى المعارضة وتعاونها في مواجهة الهجمة الأمريكية- “الإسرائيلية” في هذا المجال عطّل فخ المحكمة الدولية وعزلها عن الصراع السياسي الداخلي .
ظنت “إسرائيل”، رابعاً، أن في وسعها حمل قوى 14 آذار، صاحبة الأغلبية داخل حكومة فؤاد السنيورة، على اتخاذ قرار بإلغاء وتعطيل شبكة الاتصالات السلكية الخاصة بالمقاومة ما يتسبب، في حال إنجازه، في ضرب قدرات المقاومة فضلاً عن احداث نزاع مذهبي بين مختلف الطوائف اللبنانية . لكن قوى المعارضة المتحالفة مع المقاومة تضامنت وأفلحت في حمل حكومة السنيورة على إلغاء قرارها الجائر وغير القابل للتنفيذ أصلاً .
ظنت “إسرائيل”، خامساً، ان في وسعها إشعال الفتنة المذهبية مجدداً بطريق كشف “وثائق داخلية” و”أسرار قضائية” في مجلة “دير شبيغل” الألمانية مفادها ان حزب الله، وليس سوريا، كان وراء عملية اغتيال رفيق الحريري . لكن هزال صيغة إخراج التقرير- المؤامرة في المجلة الألمانية من جهة، ونهوض أغلبية قادة البلاد، وبينهم أحد أبرز أركان المعارضة وليد جنبلاط، إلى تسفيه التقرير واستنكاره من جهة أخرى، أجهزا على الوقيعة في مهدها .
في كل هذه الرهانات والمحاولات كانت الفتنة المذهبية، وخصوصاً بين أهل السنّة وأهل الشيعة، هي غاية “إسرائيل” ووسيلتها للنيل من المقاومة ومشاغلتها ودفعها إلى الاستدارة لحماية ظهرها من غائلة خصوم داخليين مفتعلين .
اليوم، وبعد فشل خيار الفتنة المذهبية، ماذا تفعل “إسرائيل”؟ وأين سيكون محور مؤامرتها التالية؟
ثمة احتمالات متعددة يتداولها أهل الرأي والخبراء الاستراتيجيون المعنيون بمتابعة الأنشطة العدوانية “الإسرائيلية”:
* الاحتمال الأول هو المزيد من الشيء نفسه . أي المزيد من محاولات إشعال الفتنة لكون المجتمع التعددي اللبناني زاخراً بفرص وخلافات وعصبيات تستطيع “إسرائيل” استغلالها، بشكل أو بآخر، من اجل صب الزيت على النار . في مقدم هذه الفرص الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في 7 يونيو/حزيران المقبل وما تنطوي عليه من صراعات قابلة للتفجير .
* الاحتمال الثاني، متابعة تقرير “دير شبيغل” على مستويين، الأول، كشف النقاب عن “وثائق” سرية، حقيقية أو مزورة، من شأنها استثارة المزيد من ردود الفعل والنزاعات الطائفية والمذهبية . الثاني، إبراز دور جهة سياسية محسوبة على طائفة من الطوائف في صوغ تقرير “دير شبيغل” من اجل استدراج جهات طائفية ومذهبية مضادة لإدانتها وبالتالي إشعال نار الفتنة مرة أخرى .
* الاحتمال الثالث أن تستغل “إسرائيل” وأجهزتها السرية والإعلامية واقعة اعتقال ضابط في الجيش اللبناني برتبة عقيد للتشهير بانتمائه المذهبي من اجل استثارة ردود فعل سلبية من قيادات طائفية مغايرة ما يؤدي إلى اشتعال الفتنة مجدداً . وستكون تداعيات هذا الاحتمال أقسى وأخطر إذا ما تبين ان شخصيات سياسية منظورة تتعاون مع هذا الضابط أو تحميه أو تقوم بأنشطة استخبارية مماثلة باستقلال عنه .
* الاحتمال الرابع ان تستغل “إسرائيل” ما أسمته “المناورة العملاقة” التي تنوي إجراءها في 4 يونيو/حزيران المقبل لمحاولة اغتيال قائد المقاومة السيد حسن نصرالله، وذلك بقصف أمكنة ومواقع تكون استخباراتها قد رجحت وجوده فيها . والجدير بالذكر ان احد أركان حزب الله النائب حسن فضل الله كان حذر قبل أسبوع من احتمال لجوء “إسرائيل” إلى هذا الخيار الشرير .
إن لجوء “إسرائيل” إلى هذا الخيار أمر بالغ الخطورة والدلالة، فهو خطر لأنه ينطوي على احتمال مرجّح بإشعال حريق كبير قد لا يقتصر على لبنان، بل يمتد إلى فلسطين وسوريا والعراق، وربما إلى إيران أيضا . وهو ذو دلالة لأنه سيدمر ما تبقّى من مكانة أمريكا ونفوذها في المنطقة بصرف النظر عما إذا كانت إدارة باراك أوباما قد أعطت “إسرائيل” ضوءاً أخضر لاعتماده أو أنه تمّ بمعزل عنها .
أياً ما كانت الملابسات، فإن لجوء “إسرائيل” إلى هذا الخيار لا يعني بالضرورة أنها ستنجح . بالعكس، وقياساً على نتائج حربيها العدوانيتين ضد المقاومة اللبنانية صيف 2006 وضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة شتاء 2008 و،2009 فإن احتمالات نجاح المقاومة (وسوريا وإيران) في صدد عدوانها وإفشاله تبدو وافرة وراجحة .
في هذه الحال، ليس من الغلو الاستنتاج بأن العد العكسي لأفول الكيان الصهيوني يكون قد بدأ .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018