ارشيف من :ترجمات ودراسات

التفاعل والقواسم المشتركة للمرشحين الإيرانيين مع الناس

التفاعل والقواسم المشتركة للمرشحين الإيرانيين مع الناس

بقلم أبو القاسم قاسم زاده

صحيفة "اطلاعات"

يلاحظ في هذه الدورة من الانتخابات الرئاسية الإيرانية أن لدى المرشحين الثمانية الذين تم قبولهم من قبل مجلس صيانة الدستور(1)، قاسمين مشتركين يجمعانهم مع الناخبين الإيرانيين، أولهما هو حالة عدم الرضا من بعض سياسات الحكومة السابقة بحيث إن الناس وحتى المرشحين الحاليين لا يدافعون عن نهج الحكومة التاسعة (2) بل إنهم يؤمنون بأنه لا ينبغي أن تكون الإدارة المستقبلية للبلاد تكراراً لسابقتها سواءً في برامجهم أو خططهم، هذا فضلاً عن حتمية التغيير والإصلاح.

أما القاسم المشترك الثاني الذي يجمع المرشحين مع الناس (الناخبين) في هذه الانتخابات فهو الاقتصاد الذي يعتبر أهم المؤشرات في ظل حاجة الناس لتأمين معيشة كريمة، في الوقت الذي تعاني فيه البلاد (إيران) من أزمة مالية واقتصادية وكذلك حالة من الركود الإنتاجي ونمو معدل البطالة والنمو المتزايد للتضخم، لذلك فإن كلاً من المرشحين للانتخابات وكذلك الناس هم في خندق واحد في التصدي لمشاكلهم. ومن هذا المنطلق، فإن المرشحين يقدمون وعوداً سخية لناخبيهم بأنه بمجرد انتخابهم لهم وتشكيل حكومة جديدة، فإنهم سيقدمون على إجراء جراحي لكل المشاكل التي تكتنف المجتمع الإيراني، ولا سّيما تلك المتعلقة بالشأن الاقتصادي.

التفاعل والقواسم المشتركة للمرشحين الإيرانيين مع الناس

كما إن المرشحين وللقيام بإجراء جراحي للمشاكل الاقتصادية، سيقدمون المزيد من جرعات التفاؤل والأمل بإمكانية حلها من خلال تقديمهم رؤية وخطة واضحتين وضمن فترة زمنية محددة؛ قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، بحيث إن هذه الرؤية الموضوعة من قبل المرشحين في مثل تلك الظروف لن تترك آثارا وتبعات خطيرة بعد إجراء الانتخابات باعتبارها رؤية ستكون جاهزة للتطبيق مباشرة وذات معالم واضحة، هذا فضلاً عن الرغبة والاستعداد التي أبداها المرشحون في بدء مرحلة جديدة وطي صفحة الهفوات الماضية، فضلاً عن إرسال رسالة للناس بأنهم سيقيّمون بشكل دقيق نهج إدارة الحكومة التاسعة والعاشرة أيضاً ولن يعرفوا طريقاً إلا التغيير، هذا إذا ما علمنا أنه لن يكون هناك أي قبول لـنهج "التعلم من الخطأ" الذي اتبعته الحكومات الماضية كونها تجربة عفا عليها الزمان في كل الدول المتطورة، بل إنهم سيديرون البلاد بالتخطيط و بـ"العلم والتجربة".

ويعلن أغلب المرشحين في مقابلاتهم في وسائل الإعلام عن برامجهم الانتخابية المكتوبة ويعرّفونها للناس، لذلك فإن الاطلاع على هذه البرامج يظهر مدى القاسم المشترك الذي يجمع المرشحين حالياً في عدد من المشكلات التي تواجه البلاد كالاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية فضلاً عن عرضهم للحلول الممكنة.

ولا يخفى على أحد أن المشاكل حتى لو أنها كانت معقدة إلا أنها في الوقت نفسه، ليست خفية أو مستعصية الحل، وحسب القول الإيراني الشائع "طالما أن الأمر واضح فما الحاجة لتوضيحه وشرحه"، والسؤال الأساسي الذي يقفز إلى الواجهة عند انتخاب المرشح هو: "من هو الرجل العملي؟"، من هو الذي يحظى بالعلم والتجربة اللازمة والمقبولة وإن كانت نسبية بحيث تمكنه من أن يحمل عبء مسؤولية إدارة البلاد في منصب رئاسة الجمهورية (3) الذي يعتبر أعلى منصب في البلاد بعد منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية؟

وعوداً على بدء، فإن ما يميز هذه الانتخابات عن الانتخابات الماضية هو أن الناس (الناخبين) على إطلاع كامل بالتجربة السابقة ويطمحون لإيحاد آلية لتخطي المشاكل والأزمات الاقتصادية من بطالة حتى الركود الإنتاجي والاستيراد المفرط للبضائع الأجنبية للبلد وصولاً إلى التضخم حتى هبوط قيمة العملة الوطنية، فضلاً عن القروض الحكومية والمصرفية للمصرف المركزي، وصولاً إلى الفجوة الطبقية والاجتماعية.

التفاعل والقواسم المشتركة للمرشحين الإيرانيين مع الناس

وعلى ضوء المشاكل والمصاعب الاقتصادية لا ضير بأن نقتبس من أقوال استاذ الاقتصاد الذي درّس لسنوات في المجامع العلمية الأكاديمية وأيضاً لديه تجربة عملية في تنظيم وتخطيط الاقتصاد الكلي وهو الدكتور مسعود نيلي، استاذ الاقتصاد في جامعة "صنعتي شريف" الذي قال خلال حديثه في غرفة تجارة طهران: "إن تأخير دخول من تتوافر لديهم المؤهلات لسوق العمل سيؤدي في السنوات القادمة إلى أزمة ازدياد الباحثين عن فرص عمل وأيضاً فقدان البيئة الجاذبة لهذه القوى، حيث كان من المتوقع أن يكون سوق العمل أكثر جذباً للفئات العمرية بين 20 حتى 24، في حين أن النسبة تقل في الدخول إلى التعليم العالي".

لكن شيئاً غريباً طرأ على اقتصادنا حيث إن السكان الفاعلين في البلاد أي أولئك الذين يدخلون إلى سوق العمل هم في حالة انخفاض وذلك طبقاً لما يجدونه من عمل، وهذا ما يعني انتقال عبء إيجاد فرص عمل لهم إلى السنوات اللاحقة، وبعبارة أخرى، سنكون في السنوات القادمة أمام أعداد إضافية ممن يرغبون الدخول إلى سوق العمل.

إن قضية التضخم والعمل جزء من أهم القضايا في كل بلد إلا أن هذين الأمرين ظهرا في إيران في ظروف غير مناسبة، وإذا كان النمو الاقتصادي في السنوات الخمس القادمة في الحدود السلبية بنسبة اثنين في المئة فإن ذلك يعني أن الطلب على اليد العاملة ازداد إلى 17 مليون نسمة.

مجمل القول، إن الانتخابات الإيرانية ليست تكراراً للماضي بل إنها مرتبطة بالمستقبل ولكن في ثقافتنا لا يمكن للمستقبل أن يتبلور ويتشكل من دون الرجوع إلى الماضي، ودون الشك بالماضي المعيوب لا يمكن أن ننتظر المستقبل المنشود، لأن تصحيح الماضي سيمهد الطريق والمسار للمستقبل المنشود، وشعار جميع المرشحين هو تصحيح وترميم الماضي، ورغم ذلك فإن هناك أملاً كبيراً يعوّل على انتخابات الرئاسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية المزمع إقامتها في 24 حزيران/يونيو الحالي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلس صيانة الدستور(1): مؤسسة دستورية تمارس دور المحاكم الدستورية في الدول الأخرى الى حد ما، مع تفاوت في التركيبة والصلاحيات، ويقوم المجلس بدراسة ملفات المتقدمين للترشح في انتخابات الرئاسة الإيرانية، ويمنح الدستور الإيراني صلاحيات لمجلس صيانة الدستور منها الإشراف على الانتخابات الرئاسية والنيابية والاستفتاءات، إضافة إلى الرقابة على التشريعات وتفسير الدستور.

الحكومة التاسعة (2): تولاها الرئيس محمود أحمدي نجاد وكذلك الحكومة العاشرة.

منصب رئاسة الجمهورية (3): يعتبر أعلى منصب في البلاد وذلك وفقاً للمادة 113 من الدستور فإن رئيس الجهورية هو أعلى مقام رسمي في البلاد بعد مقام القائد، ويتولى مسؤولية تطبيق الدستور ورئاسة السلطة التنفيذية
2013-06-09