ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا تعتبر السعودية «ام الصبي» في الخسارة الاستراتيجة لمعركة القصير؟
ابراهيم ناصرالدين-"الديار"
تداعيات معركة القصير الاستراتيجية لن تقف عند حدود نتائجها العسكرية والسياسية على الساحة السورية، وستبين الايام المقبلة الكثير من تلك النتائج، بعضها متوقع والاخرى مفاجئة، لكن احدى المفارقات العجيبة في هذه الحرب انها تتصاحب مع حملة مثيرة للانتباه للتعويض عن الخسارة النفسية والمعنوية والعسكرية على الارض، بحملة تشويه غير مسبوقة تجاه حزب الله من باب تحميله مسؤولية الفتنة السنية - الشيعية في العالم الاسلامي،ووصلت الحملة في وضاعتها الى التركيز على «استراتيجية البقلاوة» وخطورة اقامة الافراح في بعض طرقات الضاحية الجنوبية على سقوط القصير، واعتبرتها دليلا قاطعا على سوء تقدير الحزب ونيته المبيتة لاستدراج الحرب الى الساحة اللبنانية. فما هي خلفية هذه الحملة المتبناة هذه المرة من المملكة العربية السعودية مباشرة؟ ولماذا تعتبر الرياض نفسها «ام الصبي» في خسارة معركة القصير؟
اوساط متابعة لمعركة القصير تشير الى ان الغضب السعودي العارم سببه مسؤولية المخابرات السعودية ومعها «العملاء» اللبنانيون عن تلك الجبهة المحاذية للحدود اللبنانية، وثمة شكوك كبيرة بدأت تلاحق اداء النائب عقاب صقر المسؤول عن عملية تسليح هذه الجبهة، وهناك تقريع عالي النبرة سمعته القيادات العسكرية التابعة للمجلس العسكري الاعلى للثورة السورية من «الوسيط» اللبناني الذي يعاني من ضغوط الاسئلة السعودية حول اسباب الهزيمة، خصوصا انه تسلم من الاستخبارات السعودية 35طنا من الاسلحة والذخيرة لتوزيعها في منطقة القصير وريفها. وقد تم توزيع هذه الشحنة على «كتيبة التوحيد» و«احفاد الرسول» و«صقور الشام» و«لواء الاسلام» ولكن الكتيبة الوحيدة التي كانت قادرة على القتال وبطريقة منظمة داخل القصير هي «كتيبة التوحيد»، فيما لاذ الاخرون بالفرار. فهل وصلت تلك الاسلحة فعلا؟ هل هناك من تاجر بها؟ولماذا لم تستخدم في قلب موازين القوى؟ طبعا الجواب مطلوب من صقر وغرفة العمليات التي ادارت معركة القصير.
وتلفت تلك الاوساط الى ان المسألة لم تقف عند حدود سقوط القصير وانما بالخديعة التي سقطت في فخها الاستخبارات السعودية في عملية القصير حين استخدم الحزب المنطقة الشمالية «مصيدة» للأجهاز على اكبر عدد ممكن من المسلحين وقدراتهم العسكرية عبر الايحاء بأن المنطقة الشمالية عصية على السقوط، ولذلك جرى الابقاء على المنطقة الشمالية اسبوعا اضافيا في معركة كان مقدراً لها ان تنتهي في اسبوعين، بهدف استدراج كتائب المسلحين الذين استدعاهم الجيش السوري الحر من كل انحاء سورية، وهذا ما سمح بتشتيت قواهم وتفريغ المناطق الاخرى من تلك المجموعات التي كانت تتحصن داخلها.
هذه الحسابات الخاطئة ليست جديدة فعشية السابع من ايار 2008 كانت السفارة الاميركية في بيروت تنسق مع السفارة السعودية الخطوات العملية للانقضاض على حزب الله وتعريته من مكامن قوته من بوابة «سلاح الاشارة»، وكان السؤال الرئيسي المطروح على الطاولة يتعلق بردة فعل الحزب على قرارات مماثلة، يومها استدعي كبار قادة قوى 14 اذار وجرى استمزاج رأيهم بالمسألة، فكان اجماع على ان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله «جبان» امام الفتنة ولن يستخدم سلاحه في الداخل اللبناني لانه سيفقد شرعيته، فكان ما كان من احداث معروفة، خلاصتها عدم قدرة هؤلاء على فهم حقيقة كيف يفكر حزب الله وكيف يجدول اولوياته. والمفارقة المضحكة يومها انه جرى تحميل الحزب مسؤولية اثارة الفتنة السنية - الشيعية.
وما اشبه اليوم بالبارحة، هذه المرة ايضا، ذات الاطراف الدولية والاقليمية والمحلية، «حسبوها غلط» ويريدون زورا وبهتانا تحميل حزب الله المسؤولية، طرح السؤال مجددا عن ماهية تصرف حزب الله ازاء الحرب الدائرة في سوريا، فكان الجواب الساذج انه لن يكون قادرا على فعل اي شيء، فالصراع اكبر من امكانياته، ويفوق قدراته على التدخل، وهو ايضا لن يخاطر في دخول حرب مذهبية خارج الحدود، لكنهم هذه المرة فوجئوا ان للحزب حسابات اخرى وقدرات لا يعرفونها، فحدث ما حدث في القصير ومحيطها وقد يكون الاتي اعظم على اكثر من جبهة سورية.
وتلفت تلك الاوساط الى ان حزب الله ليس مسؤولا عن الاحباط عند الطائفة السنية، هذا اذا ما افترضنا ان هذا التعميم جائز، انما المسؤولية تقع على عاتق المنتحلين صفة القيادة في تلك الطائفة، فما هو ذنب السيد نصرالله اذا ما كانت تلك القيادات تخوض دوما المعارك الخاسرة وتحمل تلك الشريحة الاسلامية الكبيرة تبعات مغامراتها غير المحسوبة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، وعدهم قبل عامين من اليوم الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري انه سيكون بينهم قريبا بعد انجاز الفتح المبين في دمشق، وما زالوا ينتظرون، وعدهم ثلاثي «العنتريات الفارغة» في الشمال النواب خالد الضاهر ومعين المرعبي ومحمد كبارة، ان يعدوا انفسهم لليوم التالي لسقوط الاسد لانه سيكون بداية العد العكسي لسقوط حزب الله بعد ان يسيطر «الاخوة» على الشام، وما زالوا ينتظرون. اما الشيخ احمد الاسير والداعية الاسلام الشهال والشيخ سالم الرافعي، فأعلنوا الجهاد دون ان يعدوا العدة لأي من هؤلاء الشباب المغرر بهم، فذهبوا الى «ملحمة» القصير ووجدوا اتفسهم في العراء وتاهوا على طول الجبهة هناك وسط قيادة معارضة مشتتة تفتقر الى بنية تنظيمة وقيادية مما ادى الى هلاك الكثيرين وجرح اخرين ووقوع اخرين في الاسر، والايام المقبلة ستكشف كثيرا من التفاصيل المريرة عن حقيقة ما حصل هناك، ورغم ذلك يريدون تحميل حزب الله مسؤولية هذا الاحباط فقط لأن السيد نصرالله يصيب برهاناته وهم لا يملكون حداً ادنى من الرؤية الاستراتيجية او التكتيكية.
تقول الاوساط : مثيرة للسخرية تلك الحملة المنظمة ضد حزب الله متهمة اياه بإثارة فتنة شيعية - سنية في المنطقة ولبنان، بسبب تدخله في الحرب السورية، واكثر ما يدعو للتهكم تلك الادعاءات الفارغة بالندم على سنوات «الحب الضائع» بذلك الحزب الذي اكتشف الجميع انه كان يمارس بحقهم التضليل والكذب عند ادعائه انه حزب المقاومة، مع العلم انهم لم يحبوه يوما ولم يغرموا به ابدا وعندما كان يخوض حربا مصيرية في عام 2006 وصف بالحزب المغامر ولم يعترف به احد حزبا مقاوما.
ولم تكن يومها الخلفيات سياسية فقط وانما طائفية مذهبية، وقد تسابق بعض علماء السنة ومعظمهم سعوديون على اصدار الفتاوى التي تحرم الدعاء للحزب.
واشارت الى ان المشكلة الرئيسية ان هؤلاء يريدون من الحزب ان يكون حزبا «ملائكيا» وهو يخوض حربا مع «الشياطين»،ويريدون من انصاره ان يكتفوا بدفن شهدائهم ومداواة جرحاهم بصمت، وعندما يتحقق الانتصار في تلك المعركة التي ضحوا فيها بأغلى ما يملكون، يحرم عليهم الاحتفال والشعور بالنصر تحت حجة واهية اسمها منع الفتنة الطائفية، مع العلم ان الفتنة لن تقع بسب توزيع «البقلاوة» في بعض شوارع الضاحية، بل بفعل سنوات التحريض المغرضة التي بدأت منذ العام 1979مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران، والمحاولات المستمرة لتقويض تلك الثورة وامتداداتها في المنطقة واخر ارهاصاتها الحرب على النظام السوري والتي تخاض تحت عنوان طائفي لاسقاط حكم «العلويين» وهو شعار لا يستحي منه اصحاب الحملة المغرضة.
من حق هؤلاء، تضيف الاوساط، ان يحتفلوا بانتصارهم، في ظل تململ جدي لدى شريحة كبيرة مؤيدة لحزب الله تشعر بالضيق من مطالبتها دوما بان تكون الاكثر وعيا والاكثر فهما للحساسية اللبنانية، بينما لا يعبأ الاخرون بهذا الامر، فعام 2000 تم اهداء النصر لكل اللبنانيين ودفعت بيئة المقاومة ثمن التساهل مع العملاء، وعام 2006 مدت اليد مجددا الى جميع المتواطئين ضد المقاومة، وعام 2008 قبلت هذه البيئة بالتسوية في الدوحة، واليوم يريدون ذبح المقاومة من بوابة دمشق والمطلوب ايضا مسايرة الطبقة نفسها رغم «وقاحتها»، مع العلم ان قيادة حزب الله ما زالت تتبنى سياسة عدم الاستفزاز وقد ظهر هذا الانضباط الهائل في القصير وريفها حيث لم تستطع اي وسيلة اعلامية الحصول على صورة لمقاتل من حزب الله او صورة لعلم الحزب، رغم ادراك الجميع ان هذه المعركة خيضت من الفها الى يائها من قبل قوات نخبة حزب الله.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018