ارشيف من :أخبار لبنانية
يوم استيقظ «رجال الدولة» أمام السفارة الإيرانية
فراس الشوفي - صحيفة "الأخبار"
قُتل هاشم سلمان أمام السفارة الإيرانية برصاص ظالم. سلمان واحد من لبنانيين كثر يقتلون في الطرقات كرمى لموقف أو خيار، ومساكين آخرين لا ناقة لهم ولا جمل. رئيس الجمهورية ميشال سليمان ينتقي من مواطنيه من دمه غال ومن دمه رخيص، وكذلك الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط.
القتل مُدان. التعرّض بالضرب والرصاص لمتظاهرين سلميين يعبّرون عن موقف سياسي يدلّ على خوف تعيشه الجهة التي تقابل الكلمة بالرّصاص، مهما كانت الكلمة قاسية والموقف حاداً.
لم تكتشف الأجهزة اللبنانية المعنيّة حتى اللحظة الجهة التي أطلقت النار على هاشم سلمان قرب السفارة الإيرانية في بيروت أول من أمس، على الرغم من تحديدها مشتبهاً فيه وتعمل على ملاحقته. لكنّ ما حصل مع سلمان، رئيس الهيئة الطلابيّة في تيار الانتماء اللبناني، يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حصل مع الشاب أحمد محمود قبل سنوات في منطقة قصقص، إذ قضى محمود برصاص مسلّحين مجهولين قيل إنهم ينتمون إلى تيّار المستقبل، خلال وجوده في موكب لقوى 8 آذار مع بداية التحركات السلمية ضدّ حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى.
قُتل سلمان نتيجة خيار سياسي رافض لمشاركة حزب الله في القتال في سوريا، وهو كان أعزل من السلاح، يحمل لافتة أو موقفاً ربما، كما قتل محمود، أعزل، نتيجة خيار سياسي رافض لالتحاق السنيورة وفريق 14 آذار بركب السفارة الأميركية ومشروع التآمر على سلاح المقاومة. الصمت على القتل المجاني جريمة أيضاً، بقدر جريمة ارتكاب القتل، أو التحريض عليه.
بالطبع، يحقّ لميشال سليمان كرئيس لعموم الجمهورية اللبنانية أن يسأل عن دم مواطنٍ في دولته، وأن يطلب من الأجهزة الأمنية الكشف عن ملابسات الأحداث، ومن المفيد أيضاً أن يطلب «تعاون المواطنين وأحزاب المنطقة وخصوصاً حزب الله والسفارة الإيرانية لتسهيل مهمة الأجهزة المختصة في كشف كل التفاصيل». هذا أقلّ الواجب، في بلد الموت بالرصاص المجهول.
على بعد نصف مساحة الكيان من بيروت، تقع طرابلس. وطرابلس هذه، في الجمهورية اللبنانية أيضاً. وفيها أحزاب وأفراد وتيارات ورجال دين ومسلّحون وقطاع طرق وقناصون وفقراء ومهجرون ومنسيّون، وقنابل يتيمة ترمى على قارعات الطرقات، ويترك لها خيار الاغتيال الأعمى. في طرابلس ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تتوقف، ومستقبل الحرب السورية التي يبدو أنها لن تتوقّف. وفيها شلّال دماء دفّاق منذ أعوام، ينقل الضحكات من الشوارع وغرف النوم إلى صناديق خشبية تحت الأرض، بالجملة.
أن تضع يداً على عين، وترى بعينٍ واحدة، يعني أن ترى نصف الحقيقة، عن قصد. لا يمكن رئيس البلاد أن يسأل حزب الله والسفارة الإيرانية التعاون، ولا يسأل تيّار المستقبل التعاون في ملفّ اغتيال عسكريين في عرسال قبل أسبوعين، وقبلهم بيار بشعلاني ورفاقه في عرسال أيضاً. ولا يمكن أن يمرّ فوق موت طرابلس من دون دعوة المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي إلى التعاون لوقف الدم في الفيحاء، أو لسحب قطّاع الطرق وأمراء محاور القنص حتى يتمكن الجيش من دخول مناطق التماس. الجيش الذي قاده سليمان لسنين طويلة. هل يعرف رئيس الجمهورية من هو الشيخ عبد الرّزاق الأسمر؟ قتله مسلّحون معروفون بالأسماء والأشكال والانتماء قبل أشهر، وفرّوا إلى جهة معلومة للقاصي والداني، وبعد الجريمة تبجّح القتلة في شوارع المدينة بفعلتهم، ولم يتعاون المستقبل ولا ميقاتي ولا غيرهما للاقتصاص من القتلة.
حسناً، ليس لدى سليمان مسلحون ولا مسؤول عسكري يمون عليه ليتعاون مع الجيش. لكن الرئيس سعد الحريري ينقل لرئيس الانتماء أحمد الأسعد، وعن لسان اللبنانيين، أنهم «يرفضون أساليب التهويل والترهيب على أصحاب الرأي، ولن يرتضوا بالتأكيد أن تكون مناطق حزب الله محميات أمنية على الطريقة الإيرانية». فات الحريري أن مسؤول تياره العسكري عميد حمود يقود مجموعات من المسلّحين تعيث ترهيباً وقتلاً في طرابلس، وفاته أن يذكر للأسعد أن «مناطق» تياره محميات أمنية هي الأخرى. ديموقراطية الحريري حرقت مكتب حزب التيار العربي في الطريق الجديدة قبل أشهر، وقتلت اثنين من مناصري شاكر البرجاوي، ليس بالتهويل والترهيب، بل بالرصاص والقنابل. وفي صورة متخيّلة، كيف لأنصار الحريري «الديموقراطيين» أن يفرّقوا تظاهرة مضادة للمعارضة السورية في الطريق الجديدة أو طرابلس؟ ليس بالغاز المسيّل للدموع طبعاً، بل بالعقلية ذاتها التي «يطهرون» فيها طرابلس من حركة التوحيد الإسلامي والشيخ هاشم منقارة ومناصريه والحزب السوري القومي الاجتماعي وعائلة آل النشار وآل الموري.
النائب وليد جنبلاط هو الآخر ضدّ «البربرية». والبربرية هنا ليست جبهة النصرة أو «آكلي القلوب» في مجموعات المعارضة السورية المسلّحة، بل الحرس الثوري الإيراني. شبّه جنبلاط ما حصل بما «كان يحصل في القرون الغابرة». في عُرف البيك «لا يجوز التعرّض لحرية التجمع والتعبير وإلغاء الصوت المناهض». ومن ضمن حريّة التعبير، لم يحتمل جنبلاط مكتباً لحزب التوحيد العربي في بقعاتا، وقُتل وجرح اثنان من مناصري الوزير السابق وئام وهّاب في المنطقة ذاتها. وفي سياق «حريّة التجمع»، هل يقبل وليد بيك وأنصاره بتظاهرة في الشوف تندّد بالحكم الجنبلاطي؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018