ارشيف من :أخبار لبنانية
القصَيْر.. قتل الحجر لن يميت إرادة البشر
محمد أبو سالم - صحيفة "البناء"
ديمقراطيتهم تعني تدمير المساجد وانتهاك الكنائس.. وحرّيتهم تكمن في تخريب المدارس واغتيال الثقافة
سنتان وأشهر قليلة على بدء المؤامرة التي حيكت بكل تدبير وحنكة ضدّ سورية ومنذ بدء ما سُمّي بـ«الربيع العربي» ظهرت إلى العلن شعارات برّاقة ولمّاعة كان هدفها الإيقاع بالمواطنين مثل: «الشعب يريد الحرية» «الشعب يريد الديمقراطية» «الشعب يريد المساواة» «الشعب يريد العدالة» وما إلى ذلك من منتجات المطابخ الأوروبية ـ الأميركية ـ الصهيونية والتي ضُخّت بكثافة في مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما «فايسبوك».
جميلة تلك الشعارات وراقية والمطالبة بها محقّة شرط أن تنبع من إرادة الشعب ذاته لا أن تُستورد من إرادات أجنبية جلّ ما تبتغيه إعادة شعبنا إلى أتون الاقتتال ودياجير الجاهلية.
جميلة تلك الشعارات وراقية لكن المطالبة بها لا تكون عبر القتل والتدمير والتهجير والتخريب وقطع الرؤوس وبقر البطون والتمثيل بالجثث والإعدامات الميدانية.
مخطئ منذ البداية ومخطئ إلى الآن ومخطئ إلى الأبد من ظنّ ولا زال يظنّ أنّ ما جرى في سورية هو عبارة عن «ثورة» أو مطالبة بإصلاحات لأن الثورة لا يمكن أن تُشنّ ضد الشعب وإرادته ولا يمكن أن تستقدم ما هبّ ودبّ من القتلة المأجورين في العالم أجمع من أجل فلاحها ولا يمكن أن تستجدي حتى العدوّ ليساعدها.
مُخطئ من يظنّ أن ثمّة حراكاً سلمياً شهدته سورية ثم تحوّل إلى حراك مسلّح فمعارك وقتال لأنّ النتائج التي ظهرت سابقاً وتظهر اليوم وغداً تُفضي إلى حقيقة واحدة تقول أنّ كل شيء كان مدبّراً منذ البداية وأنّ الخطّة كانت مرسومة بإتقان والهدف ليس فقط ـ كما اعتادت وسائل الإعلام أن تصرّح ـ معاقبة سورية على وقوفها إلى جانب المقاومة وعلى كونها الدولة العربية الأولى ممانعةً بل كان الهدف ولا يزال تدمير سورية بدءاً من اغتيال إرادة الحياة لدى الشعب ووصولاً إلى تدمير البنى التحتية والقوّة الاقتصادية لديها إضافة إلى طمس معالمها الأثرية والتاريخية والثقافية فتصبح دولةً بلا شعب موحّد وبلا تاريخ وبلا ثقافة ما يسهّل رسم الشرق الأوسط الجديد المبنيّ على دويلات طائفية وإثنية ثقافتها التناحر ونهجها الاقتتال وبالتالي تُسهّل السيطرة على هذه المنطقة الحيوية المهمة جيوسياسياً.
التفجيرات العديدة التي افتُعلت هنا وهناك في سورية خلال سنتين والتي قتلت المئات من الشعب السوريّ البريء لا يمكن أن تكون ثمرة المطالبة بالحرّية. وكما كان لسان حال السوريين الذين هالتهم مشاهد الدم والأشلاء والدمار عندما كانوا يُدلون بتصريحاتهم لمحطات التلفزة متسائلين: «هَيْ حرّية هَيْ؟» نعيد اليوم وكلّ يوم هذا التساؤل: هل الحرية تعني قتل الأرواح وتدمير الحجر؟
شتّان ما بين الحرّية وتقديم الخدمات المجانية لأعداء الأمة شتّان ما بين الحرية وقتل الأبرياء العزّل والفرق كبير بين الحرّية وقتل الحياة. ربما فسّر هؤلاء خطأً بيت الشعر القائل: وللحرية الحمراء باب بكل يدٍ مضرّجة يدّق إذ أنّ الدماء هنا هي دماء المطالبين بالحرّية لا دماء الشعب والأطفال والنساء والشيوخ ولا دماء الوطن المذبوح بأمرٍ من الاستعمار.
انتهت منذ أيام معركة القصير ليتكشّف المزيد والمزيد من «أوجه الحرّية» التي يطالب بها التكفيريون المرتزقة ممتهنو قطع الرؤوس و«التكبير» لدى ارتكاب أيّ جريمة موصوفة.
في التقرير التالي نُلقي الضوء ليس على حجم الدمار الهائل الذي تعرّضت له القصير فحسب وليس على أعمال النهب والتخريب وانتهاك حرمات المنازل أيضاً بل على نوعٍ آخر من التدمير والتخريب الذي طال المقامات الدينية من مساجد وكنائس وأيضاً المدارس ودور الروضات والمراكز الثقافية في هذه المدينة وفي ذلك دليل واضح وصارخ على منهجة التدمير لإصابة سورية في الصميم فتصبح ـ كما خطّطوا ـ جرداء من ناحية المباني وجرداء أيضاً في وحدة الحياة بين المواطنين وفي الثقافة والتربية.. لكن هيهات.
مساجد
هو «جامع خديجة الكبرى» من المساجد الموجودة في القصير أمّا اسمه فيدل على زوجة النبيّ محمد وللتذكير فقط النبي محمد هو الرسول الذي بشّر بالإسلام ونادى به أجل هو ذاته الإسلام الذي يدّعي التكفيريون انتماءهم إليه و«الجهاد» في سبيله والسعي إلى إقامة «الدولة الإسلامية» لتطبيق تعاليمه ودساتيره وهنا يكمن السؤال الحقّ: أتكون هذه التعاليم والدساتير هي ذاتها التي دفعت بالعصابات التكفيرية لتدمير حتى المساجد ومنها مسجد خديجة الكبرى؟
مرّة أخرى نقول شتّان شتّان بين الإسلام وبينهم وشتّان بين تعاليم الإسلام الداعية إلى العِلم والمعرفة والمحبة والمغفرة وما إلى ذلك من القيم وبين تعاليمهم المتصهينة المتأسرلة الداعية إلى القتل والذبح وقطع الرؤوس وبقر البطون وحرق الأراضي واغتيال العلماء ونبذ المعرفة.
مسجد خديجة الكبرى تعرّض لشتّى أنواع التدمير والتخريب من الخارج وصولاً إلى الداخل ومن يشاهد عن كثب يرى كيف كان المجرمون «يتلذذون» ويتفنّنون بإطلاق الرصاص والقذائف داخل المسجد وكيف كانوا يعيثون فيه تخريباً حتى «القرآن» لم يسلم من إجرامهم.
وعلى هذا المنوال تعرّضت المساجد الباقية للرصاص والقذائف وحتّى التخريب بالمعدات العادية كالمطرقات والمعاول بغية إنشاء المخابئ والسراديب والأنفاق التي لا تليق إلا بجرذان على شاكلتهم.
كنائس
إلى كنيسة القصير التي نالها ما نالها من أعمال التدمير لكن المفارقة هنا أن الاعتداءات كانت نتيجة العقلية المتردّية إلى أعماق الجاهلية إذ انتقم التكفيريون من المواطنين القصيريين المسيحيين عبر تدمير كنائسهم وحتى تدنيسها فما تركوا حائطاً يعتب على رصاصهم وقذائفهم والأناجيل بعثرت هنا وهناك حتّى المحراب نُبِش وخُرّب. أمّا المشهد المؤلم فهو تدمير تمثال للسيدة العذراء عند مدخل الكنيسة.
في قطّينة إحدى البلدات التابعة للقصير اعتداء آخر على كنيسة القديس يوحنا المعمدان في البلدة وطبعاً نالت الكنيسة حصتها من الأعمال الغبية التي ارتكبها التكفيريون ظنّاً منهم أنهم بـ«إبداعاتهم» هذه يهرب سكان البلدة ويُهجّرون.
كاهن القرية الأب أنطونيوس فرّي أدلى بتصريح إلى «البناء» جاء فيه: «هذه الأفعال تكشف نيّات مرتكبيها وتكشف زيف ادّعاءاتهم ومطالبهم نحن في هذه البلدة لا بل في المدينة وفي سورية كلّها نحيا منذ زمن إلى جانب أبناء شعبنا من الطوائف كلّها بكلّ محبّة وطمأنينة والشوكة التي تجرح محمديّاً كانت تؤلم ولا تزال أخاه المسيحيّ. وفي هذه المناسبة نقول للعصابات التكفيرية إنّ مطالبكم زائفة وأهدافكم مكشوفة ولن تنالوا من وحدة الشعب السوري ولا من تماسكه وتعاضده لأن هذا الشعب واعٍ ومدرك ولن ينجرّ إلى ترّهاتكم».
وأضاف: «بوجود الجيش السوري الباسل والحكومة الحكيمة سيكون شعبنا بألف خير ونحمد الله أنّ جيشنا قام بمبادرة تحرير المناطق الساخنة من القتال والمسلّحين. الحالة النفسية الآن مستقرّة لدى أبناء البلدة وهناك ارتياح كبير ونحن نفخر بعودة الأمن والأمان والسلام إلى منطقتنا.
أخيراً أدعو من كلّ قلبي أن يحمي الله سورية وأن يعيد هؤلاء المرتزقة التكفيريين إلى الأماكن التي أتوا منها لنحيا كما كنّا بحرّية وأمن وسلام».
المدارس
للمدارس والمؤسسات التربوية والثقافية حصّة من الدمار أيضاً إذ أنّ الحرب الممنهجة تقضي بالقضاء على الأجيال الطالعة وقتل حبّ التعلّم لديهم أو تدمير مدارسهم ودور الروضات وهذا ما حدث فعلاً في القصير إذ عمد التكفيريون إلى تدمير روضة «طلائع القصير» من دون وازع أو رادع ولا حتّى احترام لحقوق الطفل وبراءة الطفولة وحقّها في التعلّم كيف لا وهم الذين يريدون من الأجيال الجديدة أن تكون جاهلةً على طرازهم ومجرّدة من الوعي والعلم والمعرفة.
مركز آخر ناله الدمار والتخريب هو مركز «الشهيد باسل الأسد الثقافي العربي» لكن المفارقة لا تكمن هنا إذ أن هذه العصابات اتّخذت من المركز مقرّاً لها وأحاطته بالدشم والسواتر الترابية. تخيّلوا المشهد مركز ثقافي تنطلق منه الأعمال الإرهابية وتجري فيه الإعدامات وعمليات قطع الرؤوس!
هيهات!
انتهت معركة القصير ومنها انطلقت عملية «عاصفة حلب» وفي مسيرة المعارك يسطّر الجيش السوري ملاحم البطولة والعزّة ويعيد القرية تلو الأخرى إلى كنف الدولة لتعود العائلات والأسر إليها بعد تهجير قسريّ تحت وطأة القتل والذبح ولتنطلق في هذه القرى ورشة الإعمار وإعادة بناء ما تدمّر. أعمال الجيش البطوليّة وعودة الأهالي وإعادة الإعمار كلّ ذلك يعبّر عن رسالة واضحة إلى جرذان هذه الجماعات التكفيرية والإرهابية ومن خلفها العثمانيون الجدد في تركيا والعرب المتأسرلون وأميركا وأوروبا و«إسرائيل» ومفاد هذه الرسالة أن هيهات منّا الموت فسورية التي قتلت تنانين الاحتلالات عبر حقبات التاريخ لن يُعجزها قتل هذا التنين الجديد.
ختاماً نقول لكل من تآمر على سورية ومن شارك في تدمير سورية إن أفعالكم هذه مهما عظمت لن تنال من إرادة الحياة لدى شعب يحبّ الحياة لأنه يحب الحرية. وإن جرائمكم مهما بلغت من القباحة درجات فلن تعيد شعبنا إلى دياجير الظلام والجاهلية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018