ارشيف من :أخبار لبنانية

«ثورة 14 آذار» الهرمة تستنجد بطلابها

«ثورة 14 آذار» الهرمة تستنجد بطلابها
ميسم رزق - صحيفة الاخبار

يستحيل على أقطاب فريق الرابع عشر من آذار عقد مؤتمر موسّع في القريب العاجل. لن تفتح معراب حواجزها أمام قيادات الصف الأول، ولن تفعل أبواب بيت الوسط ذلك. أما النتيجة، فمؤتمر موسّع للمنظمات الطلابية في البيال، لتحديد «سقف الموقف السياسي لثورة الأرز، وإعلان برنامج عملها». قيادة 14 آذار في يد «الشباب»!

تريّث منسّق الأمانة العامة لـ«14 آذار» فارس سعيد في مشاوراته التي هدفت إلى عقد مؤتمر موسّع لقوى «السيادة والاستقلال». سعى النائب السابق إلى أن تكون مبادرته هذه المرة «ضربة معلّم».

يداه ما عادتا مكبّلتين خلف ظهره، كما كانتا حين بلغت صراعات «الكبار» في فريقه أوجها. آنذاك، خاف سعيد على «أمانته»، المبدّدة قواها أصلاً. احتاط الرجل بتعليقه الاجتماعات الدورية للأعضاء، واختار «العزلة» المؤقتة، لبناء حاجز في وجه كل الخلافات، خوفاً من تسللها إلى داخل قاعته الكبرى. لكن خط المبادرات عنده لم ينقطع. انتظر سعيد قطوع الانتخابات وقانونها كي يستأنف عمله. منذ فترة، كثّف ابن قرطبا لقاءاته مع قوى الرابع عشر من آذار، باحثاً عن عدد من الخيارات التي من شأنها أن تدفع تيارات 14 آذار وأحزابها إلى القيام بخطوة تصبّ في خانة إعادة تحديد الأولويات.

قبيل اتفاق كل من القوات اللبنانية وتيار المستقبل على قانون انتخاب مختلط، لإعدام «اللقاء الأرثوذكسي»، كان فارس سعيد على قاب قوسين من إعلان نهاية 14 آذار. كاد يقولها بالفم الملآن. إلا أن انقلاب القوات على الأرثوذكسي أصلح الحال، وبدّد هواجس سعيد الذي رأى بـ«زوال غيمة الصيف العابرة» هذه، فرصة جديدة «لإخراج ثورة الأرز من غيبوبتها». لا يهُم الأمانة العامة إن رفع نواب المستقبل في طرابلس سقف خطابهم في وجه حزب الله والنظام السوري، ولا يعنيها إن عادت العلاقة بين القوات المستقبل إلى سابق عهدها، ولن تهلع من استمرار تمايز حزب الكتائب «الذي لا يقدّم ولا يؤخّر»، ولا من «انتفاضة» المستقلّين، الذين مهما اشرأبت أعناقهم انتقاداً لتصرف زعيم من هنا أو تجاهل بحقهم من هناك، لن يخرجوا من انتماءاتهم الحزبية ضمناً لمعراب أو قريطم أو بكفيا. الأهم هو إظهار قوى «السيادة والاستقلال والحرية» أنها على «مستوى حدث الربيع العربي».

لم يعُد بالإمكان «تضييع الوقت بالمداولات المملّة، وكثرة الكلام الذي لا جديد فيه»، ولم يعُد باستطاعة الأقطاب «بسط أقدامهم، للاستماع إلى مداخلات واقتراحات وأسئلة بقيت من دون إجابات». وليس من الطبيعي أن تنام هذه الأقطاب وتستفيق على حلم «يومي 14 آذار و14 شباط 2005 اللذين كانا بلا شك يومي الحشد الجماهيري الأكبر في تاريخ لبنان». فإخفاقاتها السياسية غطّت بفظاعتها كل نجمها الذي سطع في ساحة الشهداء. عليها أن تجلد نفسها «14 ألف مرة» كي لا تنسى «فشلها في معركتها ضد حزب الله، ومبالغتها في الرهان على دول عربية وغربية لم تقدّم لها الدعم الكافي في كل استحقاقاتها، وهي «اتّكالية» أوصلت قادة 14 آذار في أي حال إلى ما وصلوا إليه»، فضلاً عن «عجزهم عن بلورة مشروع متكامل للدولة يتجاوز الشعارات، وانعدام خطّة واضحة لتجديد النخب داخل تياراتهم وأحزابهم بإبقاء التواصل مع جهات المجتمع المدني»، وما تبع ذلك من «عدم التطابق في المبادئ»، وظهور «منافسة قوية بين وجوه جديدة باحثة لنفسها عن حيثية بين القاعدة الشعبية، من خلال عناوين كبيرة أبرزها دعم الثورة السورية». فقد شكّل خروج صالح المشنوق يوم الأحد الماضي، كقائد يتصدر الصفوف الأمامية لحشود لم تلبِّ دعوته، ضد قتال حزب الله في سوريا، صدمة كشفت عن نزاع من نوع جديد يتمثل بتعارض المصلحة الخاصة للمشنوق مع المصلحة العامة لتيار المستقبل الذي «أوعز إلى مناصريه بوجوب عدم المشاركة»، ما دفع المشنوق إلى مهاجمة تياره واتهامه «بطعنه»، بعد مشادة كلامية وقعت بينه وبين المستشار الإعلامي للرئيس سعد الحريري هاني حمّود الذي كان قد وعده بعدم منع مناصري المستقبل من حضور المهرجان، ما ظهر وكأنه «محاولة لتحجيم أي شخص يفكّر في توسيع رقعة نفوذه شعبياً خارج سلطة آل الحريري».

لكن سعيد لم ينجح في مسعاه. فقد جزمت له قيادات فريق الرابع عشر من آذار بـ«استحالة انعقاد مؤتمر موسّع لها هذه الفترة». سمير جعجع ليس بوارد المجازفة بحياته. وسعد الحريري يسير على خطاه. أما الباقون فمقتنعون «بإمكانية بقاء الوضع داخل 14 آذار على ما هو عليه»، معتبرين أن «الاجتماعات التنسيقية كافية»! يبدو أن لا أحد في 14 آذار يشعر بالخطر سوى سعيد نفسه، الذي لن يشاهد أمامه تقلّص صورة الجماهير الحاشدة في ساحة الشهداء، وتحولها إلى كادر صغير لبعض الشخصيات السياسية في قاعة البيال، وحسب. سيرى سعيد ما هو أفظع. لن تُفتح قاعة البيال الكبيرة أمام سمير جعجع وفؤاد السنيورة وأمين الجميّل وجورج عدوان ونايلة معوض وآخرين. سيُستعاض عن ذلك بمؤتمر تعقده المنظمات الطلابية في فريق الرابع عشر من آذار، بحسب مصادر الأمانة العامة. في الأسبوع المقبل، سيقود الطلاب «جماهير» 14 آذار. سيتقمص طالب قواتي شخصية جعجع العسكرية للجهوم على حزب الله، وسيضطر طالب مستقبلي إلى أن يتفرّغ لمشاهدة فيديوات «يوتيوب» لتذكره بحركات الشيخ سعد، وكيفية شدّ أكتافه، إن فُرض عليه عرض «هواجزه» من على منبر البيال. أما الهمّ الكبير، فسيحمله طالب الكتائب الذي سيدوخ وهو يدرس فنّ اتقان التمايز عن زملائه الطلاب؛ فهو عليه أن يُجيد تمثيل شخصية سامي الجميّل خلال النقاش الذي ستديره المنظمات، لـ«تحديد السقف السياسي لفريقها، وإطلاق موقف من حادثة السفارة الإيرانية التي قُتل فيها الشاب هاشم السلمان»، على أن تعلن هذه المنظمات في نهاية مؤتمرها «برنامج عمل يذكر التحركات التي سيقوم بها الطلاب في إطار إعادة تحريك القطاع الشبابي»، بعدما أبلغتها القيادات أنها «ستكتفي بالموقف السياسي».

في الأسبوع المقبل، المشهد سيكون كالآتي: مؤتمر آذاري موسّع للمنظمات الشبابية. مقاعد قاعة البيال محجوزة «للقادة الطلاب». لن يحمل سعيد في جيبه موقفاً سياسياً، ولن يجد له مساحة على منبر البيال. سيحلّ مكانه «الشباب» الذين لم يعُد هناك سواهم لقيادة «الثورة» التي هرمت.
2013-06-13