ارشيف من :أخبار لبنانية
هذه هي حكايةُ الطعن في المجلس الدستوري
جوني منير - صحيفة الجمهورية
لم يكن المجلس الدستوري يحتاج إلى اختبار الطعن في قانون تمديد ولاية مجلس النواب، ليتأكد اللبنانيون من أنّ السياسة تنخر عظام ما تبقى من مؤسسات الدولة، حتى تلك التي من المُفترض أن تكون «الحكَم» المنزَّه والمرجعيّة الدستورية.
فعندما قرّر مجلس النواب التمديد لنفسه، كان الذين تولّوا رعاية هذا التمديد على اطمئنان إلى أن القانون الذي أُقرّ سينفّذ، وأنّ المجلس الدستوري لن يكون عائقاً أمامه.
أما أسباب هذا الاطمئنان، فمردّها الى التفاهم بين القوى السياسية الأساسية المتمثلة بنحوٍ أساسي بمثلث رئيس مجلس النواب نبيه بري - الرئيس سعد الحريري - النائب وليد جنبلاط، على قرار التمديد، ما يجعل معارضته من دون تأثير جدي. والمجلس الدستوري الذي يفترض أن يكون الملاذ الدستوري لإبطال هذا القانون، مؤلّف من أعضاء أشرَفت على تسميتهم القوى السياسية وعلى أساس المحاصصة، ما يجعل التأثير في قراراته سهلاً.
وعلى رغم أنّ المسافة الزمنيّة ما بين إقرار قانون التمديد وإصدار المجلس الدستوري قراره كانت قصيرة، إلّا أنها جاءت غنية بالتطوّرات السياسية الصاخبة ولو أنها بقيت خلف الكواليس. فقد تبدّل موقف تيار "المستقبل"، ما وضع المجلس الدستوري امام معطيات جديدة، او هكذا حصل الإيحاء.
بداية، وقبل اربعة اشهر، بدا التناغم واضحاً بين بري (ومن يمثل) و"المستقبل" (ومن يمثل) حيال أفضلية تأجيل الانتخابات لأسباب عدة، أبرزها الحرب الدائرة في سوريا وعدم اتضاح وجهتها، ولو أن كل فريق يراهن على مستجدات تناقض الرهان الآخر.
يومها لعب جنبلاط دور العرّاب لإنجاز هذا التفاهم الذي تكلّل بقانون التمديد. وطوال مرحلة الاشهر الأربعة هذه، قدّم جنبلاط الحريص على عدم فقدان دوره كـ"بيضة قبّان" مرجحة في اللعبة السياسية، كثيراً من الإغراءات، ودوّر الزوايا واستفاض ليصل الى مرحلة ما بعد التمديد، أو بتعبير أدق، الى مرحلة تأليف الحكومة.
يومها، تردّد في الكواليس السياسية أنّ الرئيس المكلّف تمام سلام قد لا يستطيع تأليف الحكومة لاستحالة التوفيق بين الشروط المطروحة، وأن البديل منه يمكن ان يكون الرئيس فؤاد السنيورة طالما أنّ الظروف لا تسمح للحريري بالعودة الى لبنان. ثم تردّد همساً أنّ الحريري قد يفضّل وصول شخص آخر اكثر قرباً منه مثل نادر الحريري، مع الاشارة إلى أنّ هذا الفريق يستطيع وحده تأمين أرضية حكومية تلبي الشروط المطروحة.
لكن، بعد إقرار التمديد بدأت تظهر مناخات مختلفة لدى الفريق الشيعي، تشير الى معارضة وصول ايّ شخص الى رئاسة الحكومة ينتمي الى تيار "المستقبل" سواء كان السنيورة أو الحريري. وترافق ذلك مع الإعلان عن لقاء المصالحة بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، وعودة الحرارة الى العلاقة بين ميقاتي وجنبلاط.
عندها لم تكن المسألة تحتاج الى كثير من التحليل. فميقاتي هو البديل من سلام، الذي يسعى إليه "حزب الله" وجنبلاط. أضف الى ذلك أنّ دولاً أوروبية عدة، وفي طليعتها بريطانيا تميل الى إعادة ميقاتي الى رئاسة الحكومة. عندها وزّع تيار "المستقبل" موقفه الجديد: التمسك بسلام والسعي إلى إسقاط قانون التمديد في المجلس الدستوري.
ولتأكيد العلاقة المستجدّة بين قرار المجلس الدستوري والشأن الحكومي، كان واضحاً ما قاله سلام عن انتظاره قرار المجلس في الطعن بقانون التمديد ليعلن حكومته. أما جنبلاط فكان لافتاً كلامه حيال وصفه العلاقة مع الحريري بأنها في العمق، وكأنه جاء في معرض التغطية على خلاف صامت استُجد. فيما الحريري اتصل مباشرة بسلام والشخصيات المحسوبة مباشرة عليه، معلناً دعمه الكامل والمطلق للرئيس المكلّف.
وسادت تحليلات كثيرة حيال جدية موقف الحريري من نقض قرار التمديد، خصوصاً أنّ هذا القرار حظيَ بموافقة المجتمع الدولي (بدليل صمته) ووفق معادلة الاستقرار او الانتخابات.
لكن، على رغم مواقف تيار "المستقبل" الواضحة، ولا سيما منها تلك المتعلّقة بالعضوين السنيَّين في المجلس الدستوري والمحسوبَين سياسياً عليه، إلّا أنّ الفريق الآخر وضعها في خانة التهويل والمناورة. فالماكينات الإنتخابية تحركت ولم تسجل ايّ حركة أخرى تتعلّق بالاستعداد للإنتخابات، كما ان أيّاً من نواب "المستقبل" لم ينتقل الى منطقته للمباشرة بأيّ حركة انتخابية، زد على ذلك أنّ أيّاً من حلفائه المسيحيين لم يتحرك.
وفُهم من ذلك، أنّ "المستقبل" يترك التعطيل على عاتق برّي وجنبلاط، وهو يدرك أنّ قطار التمديد إنطلق، ولم يعد في وسع أحد إيقافه، وفيما حاول برّي صوغ إخراج افضل من خلال اقتراح استدعاء رؤساء الأجهزة الأمنية الى المجلس الدستوري لشرح الواقع الأمني، إلّا أنّ النزاع الحاصل وضع هذا الاقتراح جانباً بعدما رفضه بعض القادة الأمنيين بسبب التسييس الفاضح الحاصل، ما سيلقي عليهم سلبيات رفض الطعن.
عندها استقرّ الرأي على مقاطعة المجلس الدستوري الى حين نفاذ المهلة القانونية. والخلاصة ان النزاع حول الحكومة سيكون عنيفاً وقاسياً خلال الاسابيع المقبلة مع التزام جنبلاط عدم استبعاد "حزب الله" عن التشكيلة الحكومية، الملتزم بدوره حصوله على الثلث المعطل. وهذا سيدفع بسلام الى رمي حكومة أمر واقع لن تأخذ الثقة، وبالتالي العودة إلى تسمية رئيس جديد للحكومة قد يكون ميقاتي مجدداً.
ربما من الخطأ تعاطي البعض مع هذه الحكومة على أنها حكومة عادية، ذلك أنها ستكون اكثر من استثنائية، يكفي أنها مرشحة لتولّي صلاحيات رئيس الجمهورية في حال الفراغ في الرئاسة الاولى، وهذا احتمال وارد جداً في ظلّ الظروف الحاصلة، كما أن هذه الحكومة ستشرف على كلّ المرحلة الصعبة والمعقّدة والخطيرة التي قد تشهد في نهايتها مؤتمراً تأسيسياً تنبثق منه ولادة الجمهورية الثالثة.
وبذلك ستكون الحكومة المقبلة "حكومة حياة او موت" بالنسبة إلى المشاريع السياسية المطروحة، ما يجعل التعاطي معها من زاوية عادية غاية في البساطة، لا بل سذاجة.
لم يكن المجلس الدستوري يحتاج إلى اختبار الطعن في قانون تمديد ولاية مجلس النواب، ليتأكد اللبنانيون من أنّ السياسة تنخر عظام ما تبقى من مؤسسات الدولة، حتى تلك التي من المُفترض أن تكون «الحكَم» المنزَّه والمرجعيّة الدستورية.
فعندما قرّر مجلس النواب التمديد لنفسه، كان الذين تولّوا رعاية هذا التمديد على اطمئنان إلى أن القانون الذي أُقرّ سينفّذ، وأنّ المجلس الدستوري لن يكون عائقاً أمامه.
أما أسباب هذا الاطمئنان، فمردّها الى التفاهم بين القوى السياسية الأساسية المتمثلة بنحوٍ أساسي بمثلث رئيس مجلس النواب نبيه بري - الرئيس سعد الحريري - النائب وليد جنبلاط، على قرار التمديد، ما يجعل معارضته من دون تأثير جدي. والمجلس الدستوري الذي يفترض أن يكون الملاذ الدستوري لإبطال هذا القانون، مؤلّف من أعضاء أشرَفت على تسميتهم القوى السياسية وعلى أساس المحاصصة، ما يجعل التأثير في قراراته سهلاً.
وعلى رغم أنّ المسافة الزمنيّة ما بين إقرار قانون التمديد وإصدار المجلس الدستوري قراره كانت قصيرة، إلّا أنها جاءت غنية بالتطوّرات السياسية الصاخبة ولو أنها بقيت خلف الكواليس. فقد تبدّل موقف تيار "المستقبل"، ما وضع المجلس الدستوري امام معطيات جديدة، او هكذا حصل الإيحاء.
بداية، وقبل اربعة اشهر، بدا التناغم واضحاً بين بري (ومن يمثل) و"المستقبل" (ومن يمثل) حيال أفضلية تأجيل الانتخابات لأسباب عدة، أبرزها الحرب الدائرة في سوريا وعدم اتضاح وجهتها، ولو أن كل فريق يراهن على مستجدات تناقض الرهان الآخر.
يومها لعب جنبلاط دور العرّاب لإنجاز هذا التفاهم الذي تكلّل بقانون التمديد. وطوال مرحلة الاشهر الأربعة هذه، قدّم جنبلاط الحريص على عدم فقدان دوره كـ"بيضة قبّان" مرجحة في اللعبة السياسية، كثيراً من الإغراءات، ودوّر الزوايا واستفاض ليصل الى مرحلة ما بعد التمديد، أو بتعبير أدق، الى مرحلة تأليف الحكومة.
يومها، تردّد في الكواليس السياسية أنّ الرئيس المكلّف تمام سلام قد لا يستطيع تأليف الحكومة لاستحالة التوفيق بين الشروط المطروحة، وأن البديل منه يمكن ان يكون الرئيس فؤاد السنيورة طالما أنّ الظروف لا تسمح للحريري بالعودة الى لبنان. ثم تردّد همساً أنّ الحريري قد يفضّل وصول شخص آخر اكثر قرباً منه مثل نادر الحريري، مع الاشارة إلى أنّ هذا الفريق يستطيع وحده تأمين أرضية حكومية تلبي الشروط المطروحة.
لكن، بعد إقرار التمديد بدأت تظهر مناخات مختلفة لدى الفريق الشيعي، تشير الى معارضة وصول ايّ شخص الى رئاسة الحكومة ينتمي الى تيار "المستقبل" سواء كان السنيورة أو الحريري. وترافق ذلك مع الإعلان عن لقاء المصالحة بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، وعودة الحرارة الى العلاقة بين ميقاتي وجنبلاط.
عندها لم تكن المسألة تحتاج الى كثير من التحليل. فميقاتي هو البديل من سلام، الذي يسعى إليه "حزب الله" وجنبلاط. أضف الى ذلك أنّ دولاً أوروبية عدة، وفي طليعتها بريطانيا تميل الى إعادة ميقاتي الى رئاسة الحكومة. عندها وزّع تيار "المستقبل" موقفه الجديد: التمسك بسلام والسعي إلى إسقاط قانون التمديد في المجلس الدستوري.
ولتأكيد العلاقة المستجدّة بين قرار المجلس الدستوري والشأن الحكومي، كان واضحاً ما قاله سلام عن انتظاره قرار المجلس في الطعن بقانون التمديد ليعلن حكومته. أما جنبلاط فكان لافتاً كلامه حيال وصفه العلاقة مع الحريري بأنها في العمق، وكأنه جاء في معرض التغطية على خلاف صامت استُجد. فيما الحريري اتصل مباشرة بسلام والشخصيات المحسوبة مباشرة عليه، معلناً دعمه الكامل والمطلق للرئيس المكلّف.
وسادت تحليلات كثيرة حيال جدية موقف الحريري من نقض قرار التمديد، خصوصاً أنّ هذا القرار حظيَ بموافقة المجتمع الدولي (بدليل صمته) ووفق معادلة الاستقرار او الانتخابات.
لكن، على رغم مواقف تيار "المستقبل" الواضحة، ولا سيما منها تلك المتعلّقة بالعضوين السنيَّين في المجلس الدستوري والمحسوبَين سياسياً عليه، إلّا أنّ الفريق الآخر وضعها في خانة التهويل والمناورة. فالماكينات الإنتخابية تحركت ولم تسجل ايّ حركة أخرى تتعلّق بالاستعداد للإنتخابات، كما ان أيّاً من نواب "المستقبل" لم ينتقل الى منطقته للمباشرة بأيّ حركة انتخابية، زد على ذلك أنّ أيّاً من حلفائه المسيحيين لم يتحرك.
وفُهم من ذلك، أنّ "المستقبل" يترك التعطيل على عاتق برّي وجنبلاط، وهو يدرك أنّ قطار التمديد إنطلق، ولم يعد في وسع أحد إيقافه، وفيما حاول برّي صوغ إخراج افضل من خلال اقتراح استدعاء رؤساء الأجهزة الأمنية الى المجلس الدستوري لشرح الواقع الأمني، إلّا أنّ النزاع الحاصل وضع هذا الاقتراح جانباً بعدما رفضه بعض القادة الأمنيين بسبب التسييس الفاضح الحاصل، ما سيلقي عليهم سلبيات رفض الطعن.
عندها استقرّ الرأي على مقاطعة المجلس الدستوري الى حين نفاذ المهلة القانونية. والخلاصة ان النزاع حول الحكومة سيكون عنيفاً وقاسياً خلال الاسابيع المقبلة مع التزام جنبلاط عدم استبعاد "حزب الله" عن التشكيلة الحكومية، الملتزم بدوره حصوله على الثلث المعطل. وهذا سيدفع بسلام الى رمي حكومة أمر واقع لن تأخذ الثقة، وبالتالي العودة إلى تسمية رئيس جديد للحكومة قد يكون ميقاتي مجدداً.
ربما من الخطأ تعاطي البعض مع هذه الحكومة على أنها حكومة عادية، ذلك أنها ستكون اكثر من استثنائية، يكفي أنها مرشحة لتولّي صلاحيات رئيس الجمهورية في حال الفراغ في الرئاسة الاولى، وهذا احتمال وارد جداً في ظلّ الظروف الحاصلة، كما أن هذه الحكومة ستشرف على كلّ المرحلة الصعبة والمعقّدة والخطيرة التي قد تشهد في نهايتها مؤتمراً تأسيسياً تنبثق منه ولادة الجمهورية الثالثة.
وبذلك ستكون الحكومة المقبلة "حكومة حياة او موت" بالنسبة إلى المشاريع السياسية المطروحة، ما يجعل التعاطي معها من زاوية عادية غاية في البساطة، لا بل سذاجة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018