ارشيف من :أخبار لبنانية

حروب أمريكا المفتوحة

حروب أمريكا المفتوحة

خليفة راشد الشعالي - دار "الخليج"

في رواق المعرفة الإنسانية ردهات متنوعة تُكَوّنُ في مجموعها هذه المعارف التي تتكون منها الثقافة الإنسانية . وفي ردهة المعارف العسكرية يسود جو مكفهر، يُسمع فيه صليل السيوف ودوي المفرقعات وأزيز الطائرات وهدير المجنزرات، حيث لم يبخل التاريخ بنقل دقيق لأغلب صور الوقائع والأحداث إلى عصرنا الحاضر، راصداً فنون الحروب واستراتيجياتها ومكر ودهاء قادتها . وسجل التاريخ زهو وافتخار المنتصرين  بنصرهم، حيث لا تكتمل صورة هذا النصر إلا بتصوير جثث القتلى وأنين الجرحى وبكاء الثكالى، وصور الدمار والركام الذي أحدثه المنتصرون، ووقفوا على أعلى قمة ليرفعوا علم وطنهم “المنتصر” فوقها . وحيث إن التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن الخاسرين لا تتاح لهم فرصة تدوين المآسي التي حدثت والمجازر التي ارتكبت ضدهم، والمهزومون إما موتى وإما مغيبون أو إنهم أحبطوا فلم يعودوا قادرين على الدفاع عن قضيتهم أو كتابة تاريخ بلدهم، وإذا ما ظهر بعضهم للعلن ليقول بعض الحقيقة فإن أغلبية الناس تشيح بوجهها عنه ولا تلقي له بالاً .

وهكذا كتب تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية المزهوة بانتصاراتها، ودرس في جامعاتها، وفي بعض كتبنا . وليس بخاف أن هذه الدولة العظمى تدين بتفوقها في مجالات مختلفة للحروب التي شنتها على الآخر، دونما إنكار لكونها تقع على مساحة عشرة ملايين كيلومتر مربع، وسكانها نحو ثلاثمئة مليون نسمة واقتصادها الوطني يشكل ربع اقتصاد العالم تقريباً، وصناعاتها العسكرية  واستخداماتها هي الأكثر فتكاً ودماراً في العالم منذ نشأتها . ولهذا، فإن كثيراً من الباحثين يؤكدون أن تفوق أمريكا في المجالات المختلفة مرده الحروب التي خاضتها منذ قيام المستوطنين الأول بالهجرة إليها وقتل السكان الأصليين وتشريدهم بعد أول رحلة استكشافية لكريستوفر كولومبس عام 1492 م، حيث تفيد بعض التقارير أن أعداداً من قتلوا مباشرة أو غير مباشرة من السكان الأصليين هناك يتجاوز العشرة ملايين إنسان . تبع ذلك حروبها الداخلية التي شملت الصراع بين الإسبان والإنجليز باعتبارهم من أوائل الوافدين لهذه المنطقة، ومن ثم حروب التحرر من الاستعمار البريطاني وحروب ومحاولات التمدد والتوسع التي أوصلت أمريكا الى خمسين ولاية بعد أن كانت ثلاث عشرة عند أول تكوين لها عام ،1776 حيث لم يكن ذلك التمدد بريئاً من إزهاق أرواح الكثيرين ممن خالفوا نظرية توحيد الولايات الأمريكية لغايات تملك القوة والتفوق . وفي القرن التاسع عشر، توسعت هذه الولايات لتضم إليها بالقوة والضغط والابتزاز مناطق جديدة من أراض تحت السيطرة الإسبانية والفرنسية والإنجليزية والروسية والمكسيكية، وضمت لأمريكا جمهورية تكساس وجزر هاواي  .

في عام 1898 تذرعت الولايات المتحدة الأمريكية بإغراق بارجتها “مين” في ميناء هافانا، واتهمت إسبانيا بذلك، حيث كانت كوبا مستودع المصالح الأمريكية وهدفها التالي، فقامت الحرب التي انتصرت فيها أمريكا على الإسبان في جميع مستعمراتهم وفي الفلبين وكوبا خاصة، حيث كانت الخسائر من الطرفين مهولة بكل المقاييس، إلا أن شهية التوسع الأمريكية بررت كل هذه الخسائر، فورثت أمريكا بعد هذه الحرب مكان إسبانيا وصارت ضمن الدول الاستعمارية، غير أنها لم تستطع تطويع ثوار كوبا وكاسترو على وجه التحديد، رغم سيطرتها على خليج غوانتنامو والقاعدة البحرية ذات المعتقل ذي الشهرة المقيتة، فمنحت كوبا استقلالها مرغمة عام 1902 .

لم تفوّت أمريكا فرصة التوسع في الحرب العالمية الأولى حيث دخلتها في إبريل/نيسان من عام 1917 الى جانب الحلفاء وضد الألمان على وجه التحديد، وكانت فاعلة بقوة في الحرب العالمية الثانية متذرعة بهجوم اليابانيين على ميناء “بيرل هربر” عام ،1941 حيث برزت بعدها كقوة عظمى تقاسمت النفوذ مع الاتحاد السوفييتي، وأشعلت حروباً عدة كان أهمها الحرب الكورية وحرب فيتنام، وكانت خاتمتها حينئذ حرب سميت باردة وهي في حقيقتها حرب ملتهبة في مآلها ونتائجها، انتهت بإنهاء الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى بعدما أنهكته حرب أفغانستان، وورثته روسيا الاتحادية التي استطاعت أن تستعيد بعض قواها معتمدة على استراتيجية الانكفاء داخل حدودها مؤقتاً والتفرغ للتنمية الاقتصادية والبشرية لتعود من جديد قوة لا يستهان بها  . بعد ذلك انشغلت أمريكا في حروب بسط النفوذ حتى يكون القرن الواحد والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز، فشنت حروباً تفتقر الى ابسط القواعد الشرعية، رافعة شعار الحرب على الإرهاب، متذرعة بحادث 11سبتمبر الشهير، وذلك في كل من أفغانستان وباكستان والعراق، حيث أٌرهقت أمريكا عسكرياً واقتصادياً، الأمر الذي أوصل اقتصادها إلى حافة الإفلاس بعد أن صار الدين الأمريكي أكبر بكثير من الناتج القومي . وعلى الرغم من ذلك، فما زالت الأبواب الأمريكية مشرعة للحروب بغية بسط نفوذها، وشهية الصقور والحمائم في كلا الحزبين للدم لم تفتر، رغم تصريحات الرئيس أوباما المتكررة، التي حاول فيها تبرير حرب أمريكا على أنها ليست على الإسلام بل هي على المتطرفين من المسلمين، حيث لابد من تذكيره أن المتطرفين من الثقافات والإيدولوجيات الأخرى لم تشن عليهم أية حرب حتى الآن، وأن إرهاب الدولة الذي تمارسه أمريكا وحليفتها في الشرق الأوسط “إسرائيل” لم يعر أي اهتمام  . لهذا يبدو أن المستهدف من الحرب على الإرهاب هو الإسلام، حيث الطائرات الأمريكية بلا طيار ما زالت تقتل الرجال والنساء والأطفال من المسلمين في كل من اليمن وباكستان وأفغانستان فقط، دونما أية شرعية، مخترقة الحدود الإقليمية لهذه لدول، مثلما تخترق قواعد الأخلاق والقوانين والأعراف.
2013-06-14