ارشيف من :أخبار لبنانية
المستقلّون وتيار المستقبل: «دونت ميكس»
ميسم رزق -"الأخبار"
لا يقبل تيار المستقبل بروز شخصيات مستقلّة داخل الطائفة السنية، ولا يسمح بوجودها. حتّى لو حملت هذه الشخصيات مبادئه وتكلمت خطابه، يُمنَعُ حلفاؤه المسيحيون من التعاطي معها، دون المرور بقريطم أو أخذ الإذن من سعد الحريري وفؤاد السنيورة شخصياً .
ليس في تجربة تيار المستقبل مستقلون. لم يسمح هذا التيار منذ انطلاقته في التسعينيات، باستنساخ التجربة داخل الطائفة السنّية. لا يهضم الحريريون شخصيات سنّية من هذا النوع، خارج إطارهم السياسي. يستطيع نوابه وبكل ثقة اتهام حزب الله بالشمولية. هؤلاء يصِح فيهم المثل القائل «الجمل لو بيشوف حردبتو …». ففي بيئة المستقبل، لا يجيز التيار الأزرق لأي من رجالاتها اتباع سياسة مستقلّة عن تلك التي رسم خارطتها ورثة رفيق الحريري. فإما أن تكون «شخصيات تقليدية تسير على خطى التوجّه السياسي لفريق الثامن من آذار»، وإما أن «ينضووا تحت لواء قريطم وبيت الوسط». يستحيل على أحد السياسيين السنّة استنساخ تجربة ميشال معوض ويوسف الدويهي في الشمال. ولا صلاح حنين وهنري حلو وفؤاد السعد في بعبدا. ولا منصور البون في كسروان. لا يُمكن لأي منهم أن يكون بطرس حرب آخر، أو فريد مكاري أو فارس سعيد أو الميشالين فرعون والمر. الطائفة السنّية ممنوعٌ عليها ذلك، في وقت يزخر فيه الفريق المسيحي في 14 آذار بمثل هذه الشخصيات، وإن كان البعض منهم بلا دور له. رغم نفور زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، من كلمة مستقلّ، يتعامل الأخير معهم ويدعمهم، ما داموا من خارج الطائفة. وهؤلاء كانوا رأس حربة المستقبل في معركة إسقاط اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، في وجه سمير جعجع وأمين الجميل. وهي مواجهة لم تنته تداعياتها حتّى الساعة.
يبدو أن الحريري ومن هم معه، يدركون خطورة هذه الظاهرة. تأسيساً على واقعة «قانون اللقاء الأرثوذكسي»، يُمكن الجزم بأنهم «وضعوا خطاً أحمر تحتها، تحسباً لاستخدامها ضدهم في أي استحقاق». «نقزة» التيار منها ليست مستجدّة. أحياها «الأرثوذكسي»، لكنها غالباً ما كانت موجودة. حتّى قبل خوض تجربة القانون الانتخابي، كان تيار المستقبل، يرفض تعامل القوى السياسية مع شخصيات في الطائفة السنية من خارج عباءته أو الانفتاح عليها، على قاعدة «إما التعامل مع الآخرين بعلمه، أو التعامل مع أخصامه»! هذه المشكلة يعيشها حلفاء «المستقبل»، الذين «يُمنع عليهم فتح خطوط سياسية مع تيارات أو شخصيات سنّية خارجة عن سيطرة قريطم». مثلاً، ممنوع على معراب فتح علاقة مع الرئيس نجيب ميقاتي أو التنسيق معه. وطبعاً من غير المسموح لبكفيا بالتواصل مع الرئيس عمر كرامي أو نجله فيصل دون أخذ موافقة الرئيس فؤاد السنيورة. وطبعاً لا يجوز لهما الاستفسار عن حال المفتي محمد رشيد قباني المغضوب عليه «حريرياً»، ولا التعامل مع الشيخ أحمد الأسير، الذي قضم من حصة المستقبل الشعبية.
يشتكي الجناح المسيحي في 14 آذار سرّاً من الموضوع الذي بات يمثّل أزمة لديه. تعترف مصادره بأن «مركزية القرار في الجناح الآذاري المسلم، التي يسيطر عليها المستقبل، يتحمّل جزء من مسؤوليتها قادة الصف الأول»، فهم «ارتكبوا خطأ كبيراً، لأنهم لم يتعاملوا بالمثل مع تيار المستقبل، الذي بنى علاقات متشعبّة مع المسيحيين، دون أن يحصرها بجعجع والجميل». أباح التيار لنفسه بما لم يأذن به للآخرين، الذين حاذروا القيام بخطوة مماثلة، والانفتاح على جميع الشخصيات السنية التي لها حيثية على الساحة اللبنانية، خوفاً من غضب الثنائي «الحريري ــ السنيورة». مع العلم أن السنيورة لم يكن بوارد طلب الإذن من حلفائه المسيحيين، لزيارة صرح بكركي ولقاء سيده مار بشارة بطرس الراعي، حتّى في أشد لحظات «الخصام» مع قائد معراب. تقول هذه المصادر إن «ممارسات تيار المستقبل، أسقطت مشروعية أي جهة سياسية سنيّة لا تنتمي إليه، حتى لو كانت تحمل خطاباً وتوجهاً شبياً بخطابه وتوجّهه».
نقطتان بارزتان ينطلق منهما تيار المستقبل لتبرير سياسة الإقصاء التي يمارسها. ترى مصادره أن «تجربة الثلاثي الطرابلسي نجيب ميقاتي – محمد الصفدي – أحمد كرامي، الذين انقلبوا على المستقبل، وفتحوا خطوط اتصال مع فريق الثامن من آذار، وبنوا تحالفات معه على حساب المستقبل، كانت كفيلة بأن تزيد من عصبية المستقبليين وتشددهم في هذا الموضوع». تتذرع هذه المصادر بأن «السماح للحلفاء بالتعامل مع نماذج كالثلاثي الطرابلسي يمكن أن تسحب منه مركزية القرار، ولا سيما أن لهذه الشخصيات مصالح سياسية خاصة، ستكون لها الأولوية متى اقتضت الحاجة، على حساب علاقته بالتيار».
وبالتالي فإن «الاعتراف بظاهرة المستقلين، والسماح بتوسعها، يضفيان عليها مشروعية من شأنها أن تظهر للحلفاء المسحيين أن للمستقبل شركاء في الشارع السني، وأن الأخير ليس هو وحده صاحب القرار الأول والأخير». ومن هنا ينطلق رفض المستقبل الجذري لأي قانون انتخاب يكون نظام الاقتراع فيه قائماً على النسبية، التي ستجعل له شركاء حقيقيين في تمثيل الطائفة، وبعيداً عن التحالف معه. وهذا الهاجس الذي يعيشه التيار، سرعان ما عززته المملكة العربية السعودية، الأم الحنون للرئيس الحريري، التي تتبع أخيراً، سياسة الانفتاح على باقي الزعماء السنّة. يقول مستقبليون إن «الرياض باتت بعد عام 2008 على قناعة بأنه لا يجوز للمستقبل وحده أن يستأثر بقرار هذه الطائفة الكبيرة»، لكن على قاعدة أن «الأفضلية تبقى للرئيس الحريري». أما الادلة على ذلك، فكثيرة «عكستها صولات وجولات السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري على عدد من البيوت السياسية السنية، واستقباله عدداً من زعمائها»، إضافة إلى اللقاء الذي جمعه برؤساء الحكومات السابقين، ومعهم الوزير فيصل كرامي.
وفيما كان متوقعاً أن ينعكس المسعى السعودي إيجابية من تيار المستقبل تجاه حلفائه، يريد آل الحريري بحسب مصادر حلفائهم «حصر القرار السلطوي السياسي في يدهم». ويبدو الحلفاء متفهمين هذا الأمر. فهم يحملون للحريري جميل «تحويله الخطاب السياسي من قومي عربي إلى لبناني». فلولا الحريري هل هناك من كان يتخيّل أن «تُرفع صورة جعجع (المدان بجرم قتل رئيس حكومة) في الشارع السنّي»، وهل كان هناك من يتوّقع أن «تلغي هذه الطائفة من ذاكرتها كل «ذنوب» أمين الجميل، التي لم تكن لتمحى الا من خلال عملية بحجم اغتيال رفيق الحريري»؟ في النتيجة سيظل الواقع كما هو عليه. فلا «جعجع والجميل قادران على إعطاء إشارة بوجود بدائل للحريري في الشارع السني، ولا الأخير سيتنازل عن فرعنته في داخلها». واقع المستقبل كما يراه حلفاؤه المسيحيون، وكما يريده هو، يسير وفق قاعدة «المستقلون وتيار المستقبل دونت ميكس (لا يختلطان)».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018