ارشيف من :أخبار لبنانية

قراءة سنّية في خطاب الحريري: خلق بيئة حاضنة لمواجهات مذهبية

قراءة سنّية في خطاب الحريري: خلق بيئة حاضنة لمواجهات مذهبية
غسان ريفي- صحيفة السفير

ضاعفت الكلمة التي وجّهها الرئيس سعد الحريري الى اللبنانيين بمضمونها الناري على «حزب الله» والتحريضي على الطائفة الشيعية وتحميلها وزر ما يقوم به الحزب في سوريا، من مخاوف أن تلاقي ترجمتها العملية على الأرض اللبنانية الساخنة بانقسامات سياسية ومذهبية من وادي خالد مروراً بطرابلس وبيروت وصيدا، وصولاً الى عرسال فبعلبك.

قد تكون الأكثرية السنية في لبنان ضد مشاركة «حزب الله» في المعارك الدائرة في سوريا، وقد تأخذ على الحزب إدخال مكوّن أساسي من المجتمع اللبناني في مغامرة من هذا النوع، لكن هذه الأكثرية تضع يدها على قلبها من إمكانية أن يؤدي هذا التحريض الذي بلغ أعلى مستوى الى فتنة عمياء ترفضها، وبالتالي إدخال البلد في نفق حرب أهلية لا يستطيع أحد أن يتكهّن بنتائجها الكارثية على الجميع.

وتأتي هذه المخاوف، بحسب بعض المتابعين، انطلاقاً من مغامرات سابقة لا تبشر بالخير، ولم تحمل للطائفة سوى مزيد من الخسائر الميدانية والوهن السياسي الذي ما تزال تدفع ثمنه حتى الآن.

ويرى هؤلاء أن الحريري أراد أن يردّ بقسوة على مشاركة «حزب الله» في معارك سوريا، في محاولة منه لاسترداد الشارع السني، لكن كلماته لم تجد الصدى أو التأثير في صفوف السنة، خصوصاً أولئك المؤيدين للثورة السورية، انطلاقاً من التجارب السابقة التي أظهرت أن الحريري لا يمتلك مشروعاً للمواجهة، وأن إطلالاته الإعلامية ورفعه السقف السياسي والمذهبي مردّهما في كل مرة الى تمسكه بإظهار نفسه الزعيم الأوحد للطائفة السنية.
وبنظر المتابعين فإن الحريري من خلال سلوكه التحريضي يخلق بيئة حاضنة في لبنان لمواجهات مذهبية، ويقامر بمصير اللبنانيين، وفي مقدمتهم المسلمون السنة الذين قد يدفعون وحدهم ثمن أي مغامرة جديدة، فيما هو ما يزال خارج البلاد.

منذ أن وجّه الحريري كلمته الى اللبنانيين، وأوساط سنية كثيرة في لبنان وفي طرابلس تحديداً، تناقش تداعياتها وانعكاساتها على مجمل الوضع العام في البلاد، وتفتش عن الأسباب والأهداف الحقيقية الكامنة وراء جنوح الحريري إلى رفع السقف بهذا الشكل غير المسبوق.

وقد طرحت هذه النقاشات تساؤلات عدة أبرزها:

هل تتوافق دعوات الحريري التحريضية مع الثقافة التاريخية للطائفة السنية القائمة على الحوار والانفتاح والاحتضان؟

إذا كان «حزب الله» زج بنفسه في المعارك الدائرة في سوريا الى جانب النظام، بالرغم من النقاش الدائر ضمن الطائفة الشيعية تأييداً أو اعتراضاً حول هذه المشاركة، فلماذا يريد سعد الحريري أن يزج بنفسه وبالطائفة السنية كلها في البركان السوري أو في بركان لبناني قد ينتج عن الفتنة؟
وإذا كان من حق الحريري أن يغامر بنفسه وبتياره السياسي في الانغماس بالأزمة السورية، فمن قال إن من حقه أن يأخذ معه كل أهل السنة الى هناك وأن يرفع الدشم والمتاريس الداخلية بينهم وبين الشيعة؟

وإذا كان زعيم «المستقبل» ما يزال غير قادر على فتح «حنفية» التقديمات والمساعدات بسبب الشح المالي، فهل يجوز أن يغامر برفع السقف السياسي والمذهبي الى هذا المستوى تعويضاً وبديلاً عن الدعم المالي؟

وإذا كان الحريري يعرف جيداً أنه لا يستطيع كتيار مستقبل أن يخوض حرباً أو مواجهة مع «حزب الله» في العاصمة بيروت، فعلى أي منطقة يراهن؟..
هل ستكون طرابلس مجدداً صندوق البريد لتوجيه الرسائل المقبلة أو لتصفية الحسابات المتعلقة بالأزمة السورية، خصوصاً أن كلمته المتفجّرة أصابت صميم التهدئة بعودة القنابل اليدوية، والتنافس برفع الصور والرايات بين التبانة وجبل محسن، فضلاً عن الرسائل القصيرة التي بدأت ترد على الهواتف الخلوية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وتحرّض على إعادة إشعال الجبهات التي لم تبرد أصلاً؟

أم أن محطة التفجير المقبلة ستكون عرسال التي تعيش يوماً بيوم على وقع الفتنة التي بدأت تترجم بالقتل والقتل المضاد؟

ثم بعد ذلك، هل رفع السقف السياسي والمذهبي بهذا الشكل يهدف الى تسوية معينة يريدها الحريري مع «حزب الله» وحلفائه تؤمن عودته، أو من يمثله، الى السلطة، بعد التمديد للمجلس النيابي ودخول تكليف الرئيس تمام سلام في «كوما» الشروط والشروط المضادة؟

أم أن الحريري ينوب عن السعودية في الضغط على «حزب الله» تمهيداً لدور ما في التسوية المقبلة على المنطقة؟

الواقع أن كثيراً من القيادات السياسية السنية ما تزال تتمسك بخيار النأي بالنفس عن الدخول في الأزمة السورية، بغض النظر عن عاطفتها مما يجري هناك، أو موقفها من مشاركة «حزب الله»، وهي تشدّد على ضرورة تجنيب لبنان وصول أي حمم من نيران البركان السوري إليه، أو الدخول في فتنة سنية ـ شيعية قد تؤدي الى إحراق الأخضر واليابس.

وفي هذا الاطار، تشدّد أوساط مقرّبة من الرئيس نجيب ميقاتي على ضرورة الابتعاد عن التحريض لأنه يُضرُّ بمصلحة الجميع، والاستمرار بالنأي بالنفس، وإذا حصلت أخطاء من قبل البعض فيجب أن يتمّ التراجع عنها، حرصاً على وحدة لبنان وأمنه واستقراره، داعية الجميع إلى الابتعاد عن زج لبنان في آتون النار السورية واللجوء الى الحوار الذي لا غنى عنه بين اللبنانيين.

وتؤكد أوساط ميقاتي أن ازدياد عامل التوتر المذهبي يجب أن يتم احتواؤه من قبل قيادات حكيمة للتخفيف من تأثيره وعدم ترجمته في الشارع بأي شكل من الأشكال.

ويقول مقرّبون من الوزير محمد الصفدي: نحن مع الخطاب الذي يجمع اللبنانيين، لأن التجارب علّمتنا أن الخلاف لا يصب في مصلحة البلد المحكوم بالشراكة الوطنية، وأن أحداً لا يستطيع أن يلغي الآخر، وبالتالي فإن الحوار هو السبيل الوحيد لتقريب وجهات النظر على خلفية مصلحة لبنان العليا.
ويدعو الوزير أحمد كرامي كل الأطراف في لبنان بدون استثناء الى التزام الحياد والنأي بالنفس عن الأزمة السورية، هذا إذا كانت تهمّها مصلحة لبنان، وإذا كانت تريد الحفاظ على أمنه واستقراره.
2013-06-18