ارشيف من :أخبار لبنانية

المناورات الإسرائيلية « تحول 3».. رسائل متعددة

المناورات الإسرائيلية « تحول 3».. رسائل متعددة

صحيفة الثورة السورية
الياس غصن ابراهيم

تتجه حكومة العدوان الإسرائيلي لتنفيذ ما أعلنت أنه أكبر مناورة عسكرية بتاريخها منذ التأسيس حتى يومنا هذا. وهو تاريخ متواصل من العمل العسكري ضد كل دول الجوار

رغم توقيع بعض هذه الدول اتفاقيات هدنة مع هذا الكيان والسؤال حول هذه المناورات هو كيف نقرؤها في الوقت الراهن؟.‏

بداية لابد من التذكير أن المناورة العسكرية هي عمل تدريبي لجيش أي دولة، وبالتالي فهو عمل روتيني يتوج العام التدريبي لأي جيش، وهو عمل مركب لمجموع مراحل التدريب المتدرجة اعتبارا من مهمة الفرد إلى مهمة التشكيل القتالي المعتمد كأساس في المعركة المتوقعة أو المفترضة في حالتي الحرب الأساسيتين وهما: الدفاع أو الهجوم. وقد تلجأ الدول لمرحلة المناورة الشاملة للقوات المسلحة بجميع قواها العسكرية النارية واللوجستية عندما يكون المحيط الجغرافي للدولة عدائيا، أو عندما تكون الدولة ذات طبيعة عدوانية مع محيطها، وهي الحالة الراهنة والدائمة للعلاقة العربية الإسرائيلية مهما بلغت حالات اتفاقيات الهدنة مع الجوار عددا أو مضامين، لأنها إيقاف مؤقت لحالة الحرب ولو توجتها بعض الدول بغلالة اسمها معاهدة سلام غير معززة بإحقاق الحق الشرعي لأحد طرفي النزاع، وهي خيارات سياسية لقيادات سياسية منقوصة الشرعية الشعبية.‏

وبالتالي لا يمكن إدراج المناورة المنتطرة بين 31 أيار و4 حزيران من العام الحالي 2009في سياق التدريب القتالي لجيش العدوان الإسرائيلي بقدر ما يوحي بمهام طارئة ترتبط بالوضع السياسي العام على المستوى الدولي، والحالة الراهنة للوضع الإقليمي، وانعاكسهما على الوضع الداخلي الإسرائيلي.‏

إلى أي اتجاه يؤشر تحول 3؟ وما أهداف المناورة؟‏

في الاتجاه السياسي:‏

رسالة إلى الداخل الإسرائيلي: لقد تبدلت صورة إسرائيل كقوة منيعة غير قابلة لاختيار الوجود بدءا من حرب تشرين عام 1973، ولم تعد الآلة العسكرية هي التي تحدد مدى المعركة وزمنها وتوقيتها وفاتورتها، فحرب تشرين أرغمت مؤسسات الدراسات الاستراتيجية لدولة العدوان بتبديل جدول معادلات أي معركة مقبلة ، والتسليم بدفع فاتورة يعجز المجتمع الاسرائيلي عن تسديدها طالما يملك خياراآخر أكثر أمنا وربحا، وهو خيار الهجرة المضادة.‏

أضاف فشل عدوان تموز على لبنان، وإخفاق الحرب الأكثر دموية على غزة تراكما جديدا في العقل العدواني الصهيوني حول مستقبل الدولة، وتبدلت صيغة السؤال من حدود إسرائيل إلى أي مدى؟ ليصبح: إسرائيل إلى متى؟ أي إن إسرائيل ليست أمام مسألة الحدود، بل هي أمام اختبار الوجود.‏

بناء على ذلك يمكن فهم أول أهداف المناورة كمحاكاة للرأي العام الداخلي وإعادة الثقة لمجتمع اهتزت صورة الدولة لديه، والمناورة بمشاركة جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي تعني أن الدولة ما زالت تملك خياراتها في البقاء والهيمنة على محيطها المعادي.‏

رسالة إلى المجتمع الدولي: التراجع الميداني الواضح للمشروع الأميركي على الساحة الدولية. والتغيير الصارخ في شكل الإدارة الأميركية، أقلها استبدال القفازات أعطى للدول المذعنة لهيمنة الإدارة الأميركية الراحلة هامشا من حرية استخدام مناظيرها الوطنية للتدقيق في مجمل العلاقات الدولية، ومنها العمى الأخلاقي الذي لم يتح لها القدرة على الفصل بين السلوك الإسرائيلي المستهتر بكل القوانين والأعراف الدولية في ظل تغييب المؤسسات الضامنة لها وهي هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وبين الدور الأميركي في السياسة الدولية كقوة وحيدة مهيمنة دون رادع أو وازع، وهو ما ظهر واضحا خلال عدواني إسرائيل على لبنان وغزة، وانكشف الانقياد الأعمى للدول الأوروبية لرغبات اسرائيل، وعجزها عن الإشارة لحقوق الإنسان الفلسطيني ولو كان على حساب أمن شعوب المنطقة.‏

رسالة إلى المحيط الإقليمي: التبدلات الحادة في قواعد الصراع العربي الإسرائيلي وأهمها انحسار مفهومين إستراتيجيين تاريخيين وهما: الذراع الطويلة للقوة العسكرية الإسرائيلية سلاح الجو في سماء مفتوحة، وجيش بري تحدد وتيرة تقدمه في الأراضي العربية المهمة العسكرية الراهنة دون حساب لقوى عسكرية مواجهة ، وهما قاعدتان اسقطتهما مجريات حرب تشرين يضاف إلى ذلك حربان خاسرتان في مواجهة قوى مقاومة مدنية مسلحة في تموز 2006 وكانون الثاني 2009 يضاف الى العاملين المذكورين وهما: حرب الجيوش لم تعد نزهة، والفعل الحاسم للمقاومة في أي مواجهة، عامل ثالث وهو إضافة الجمهورية الإيرانية لقائمة أعداء الوجود الإسرائيلي وتقديم هذا العامل إلى مرتبة العدو الأول دفع اسرائيل بما تتمتع من إيديولوجيا كراهية المحيط العربي والإسلامي، كل ذلك يجعل من المناورة المقبلة ساحة تجربة حقيقية لحرب قد تكون قريبة، وقد تكون ضرورة جراحية لمستقبل مشروع الدولة اليهودية وفق المساحة التوراتية، ووفق السيناريو التوراتي الدموي المفهوم والمقبول من المجتمع اليهودي.

2009-05-31