ارشيف من :أخبار لبنانية
عندما تدفع الجمهورية ثمن عدم التجديد لرئيسها
"السفير"
فعلها ميشال سليمان. مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون سلّمها رئيس الجمهورية إلى الممثل الشخصي لبان في لبنان حول قصف الطوافات السورية لبلدة عرسال. ليست هذه الخطوة من خارج السياق العام لمسار مواقف سليمان، فهو كان الأسرع دائماً في استنكار كل «اعتداء» سوري على الأراضي اللبنانية، لكنه لم ينتبه يوماً إلى القصف الذي تنفّذه المعارضة ضد قرى البقاع بحجة أن «الاستنكار يعني الاعتراف»، بينما سليمان نفسه «الحريص» على عدم الاعتراف بالمعارضة كان حاضراً في القمة العربية في الدوحة التي جرى فيها تسليم مقعد سوريا إلى المعارضة.
ثمة أسئلة كثيرة حول أداء ميشال سليمان في السنة الأخيرة من ولايته.. الرئيس «التوافقي» شرب «حليب السباع» فجأة.. ودفعة واحدة، وراح يتصرّف باعتباره «فريقاً سياسياً»، وليس من موقعه كرئيس توافقي يشكل نقطة التقاطع بين كل القوى السياسية.
كان واضحاً أن سليمان حاول مراراً أن يبعث برسائل في اتجاه كل القوى السياسية من أجل الحصول على وعد بتحقيق غايته في تجديد ولايته لست سنوات. ولأن الأجوبة التي تدبّ الاطمئنان في نفسه لم تصل، باشر بتنفيذ مناورات سياسية لا تختلف في مضمونها عن تلك التي نفّذها أثناء حرب الجيش اللبناني ضدّ حركة «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد في العام 2007 عندما كان قائداً للجيش.
اكتشف ميشال سليمان أن طاولة الحوار في بعبدا لم تؤمّن له رافعة كافية للحصول على «وعد بالبيع»، فتلعثم سياسياً وبدأ يساير هذا الفريق سياسياً حيناً وينتقد ذاك أحياناً، تبعاً للصدى الذي يتردّد ويصل مسامعه عن ردود الفعل. ولذلك فهو حاول بداية مسايرة «قوى 8 آذار» بتوجيه نقدٍ شكلي لـ«قوى 14 آذار»، ثم رفع وتيرة هذا النقد درجة واحدة في انتظار تلقيه التشجيع من «قوى 8 آذار»، وهو انتظار كان من دون نتيجة.
بعدها مباشرة، وجّه أول سهم باتجاه «حزب الله» أثناء جولته في أميركا اللاتينية عندما تحدّث عن سلاح الحزب بمقاربة ليست بعيدة عن موقف «14 آذار» من هذا السلاح. لكنه أيضاً لم يتلقَّ الصدى. ومن هناك كرّت سبحة مواقف سليمان التي تتناغم مع مواقف «قوى 14 آذار».
على مدى سنتين، خاض سليمان معارك داخلية متعدّدة الأهداف والأشكال، ساهمت أحياناً في تعطيل عجلة الدولة، محصّناً بدعمٍ بكركي التي نسج مع بطريركها بشارة الراعي تحالفاً ضمنياً، ومستفيداً من تفاهم سياسي معلن مع النائب وليد جنبلاط، ومن شراكة موضوعية مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي خاصم مكوّنات حكومته دفاعاً عن رئيس الجمهورية الذي كان لاحقاً أول المنقلبين على ميقاتي والمتحمّسين لاستقالته، وهو الذي كان أخفى عنه ما سمعه في قمة الدوحة من أمير قطر شخصياً بأنه سيتم تكليف تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة، وربما سارع سليمان بعد عودته إلى تشجيع ميقاتي على تقديم الاستقالة، برغم الدور الذي لعبه الأخير في حماية سليمان على مدى سنتين، بل وفي تقوية موقعه الذي كان هامشياً في الحكومات السابقة.
ومنذ تكليف تمام سلام بتشكيل الحكومة، كان رئيس الجمهورية أكثر المتحمّسين لتشكيل حكومة أمر واقع، من دون أن يأخذ في الاعتبار تداعيات مثل هذه الخطوة، ولولا تنبّه وليد جنبلاط إلى المخاطر، لكان سليمان وافق على أول «ماكيت» حكومية عرضها سلام بعد أيام قليلة من انتهاء الاستشارات النيابية.. وتحت شعار «حماية الوحدة الوطنية».
ومع دخول سليمان سنته الأخيرة من ولايته الرئاسية، بالتزامن مع انطلاق النقاش حول التمديد للمجلس النيابي، سارع إلى محاولة حجز مقعد له في «عربة التمديد»، لكن أياً من القوى السياسية لم ينطق له بكلمة السرّ التي تعطيه أملاً، ولو ضعيفاً، بإمكان التمديد أو التجديد له، وهو ما دفعه إلى التصعيد بمحاولة فرض إجراء الانتخابات النيابية في موعدها على أساس «قانون الستين».. فعجز عن ذلك.
أقرّ مجلس النواب بغالبية توافقية نيابية ـ سياسية تمديد ولايته سنة وخمسة أشهر بمبادرة أطلقها جنبلاط متوجّساً من واقع أمني يمنع حصول انتخابات نيابية سليمة. لكن سليمان كان يريد أن يكون شريكاً في هذا التوافق كي يحصل على ثمن منه، وهو ثمن محدّد بوضوح: تجديد لست سنوات أو تمديد كما حصل بالنسبة للرئيسين الياس الهراوي واميل لحود.
لأن ذلك لم يحصل، أراد سليمان الضرب على الطاولة للقول إنه يملك مفاتيح تعطيل أي توافق لا يكون شريكاً فيه بـ«الغُنم»، فذهب إلى المجلس الدستوري طاعناً، برغم أنه كان يملك صلاحية تأجيل انعقاد المجلس إلى أمد لا يتجاوز شهراً واحداً وفق المادة 59 من الدستور، كما أنه يملك صلاحية ردّ القانون إلى مجلس النواب، إلا أنه تخلّى عن صلاحياته الدستورية لأنه يعرف النتيجة مسبقاً بأن المجلس سيؤكّد القانون.
لكن الطعن في المجلس الدستوري لم يُبلِغ رئيس الجمهورية مبتغاه، في ظل التحدّي الذي مارسه ضد القوى السياسية التي توافقت على التمديد، ومن بينها حليفه النائب وليد جنبلاط، وهو ما أصابه بمزيد من الإحباط بسبب فشله في حجز موقع على طاولة القوى السياسية.
كل ذلك يمكن أن يعطى أسباباً تخفيفية، على اعتبار أن الطموح السياسي مشروع، وأن اللعبة السياسية لها أدواتها وأساليبها وتقلّباتها وحساباتها.
لكن سليمان خرج من اللعبة السياسية الداخلية إلى الانغماس في الأزمة السورية، وعلى طريقته، متجاوزاً ثلاثة ثوابت أساسية:
ـ الأولى، تتمثّل بالانقلاب على سياسة «النأي بالنفس» التي نجحت على مدى سنتين في تخفيف تداعيات الحرب الدائرة في سوريا على لبنان، فهو حين يشكو إلى مجلس الأمن من «خروق» الجيش السوري للسيادة اللبنانية من دون أن يذكر قصف المعارضة شبه اليومي للقرى في البقاع، إنما يعني عملياً أنه بات طرفاً في الصراع الدائر في سوريا، وأنه يأخذ لبنان من موقعه إلى موقف من النظام في سوريا.
ـ الثانية، أنه إذا كان يتفادى الاعتراف بالمعارضة السورية بعدم الإشارة إلى القصف الذي تمارسه يومياً، فإنه كان بإمكانه استدعاء أمين عام المجلس اللبناني ـ السوري لإبلاغه بالخرق السوري للسيادة اللبنانية، وهو المؤتمن على تطبيق المعاهدات، وهو بتجاوزه واقع المجلس الأعلى الذي أنشأته «معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق» بين لبنان وسوريا يكون قد خرق الدستور، بغض النظر عن الموقف من هذا المجلس وهذه المعاهدة التي ما تزال سارية المفعول دستورياً.
ـ الثابتة الثالثة، أنه تجاوز دور مؤسسة مجلس الوزراء التي أناط الدستور بها مجتمعة صلاحيات اتخاذ القرارات، السيادية منها على وجه الخصوص، معتبراً أن السفراء يمثّلون رئيس الجمهورية وليس الدولة اللبنانية التي يرأسها، ولكنه لا يملك صلاحية رسم سياستها.
وإذا كان صحيحاً أن السفراء يقدّمون أوراق اعتمادهم في الدول التي ينتدبون إليها بصفتهم ممثّلين لرئيس الجمهورية والدولة اللبنانية، فإن الصحيح أيضاً أن صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا السياق محدّدة في المادة 49 من الدستور بأنه «يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور»، فإن المادة نفسها من الدستور حدّدت أنه «يرأس المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء»، أي أن السلطة هي لمجلس الوزراء مجتمعاً، ومهمة رئيس الجمهورية هي «السهر» وليس «اتخاذ القرارات» أو «رسم سياسة الدولة الخارجية».
إذن، هناك ممرّ إلزامي وحيد يمكن أن يخاطب لبنان فيها الأمم المتحدة رسمياً. وهي تقديم شكوى عبر وزارة الخارجية، حيث يتم الطلب من مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة تقديمها وطلب توزيعها على رئيس وأعضاء مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة. ويطلب لبنان اعتبار الشكوى وثيقة رسمية من وثائق الأمم المتحدة. فهذه الشكوى تقدّم بعد قرار في مجلس الوزراء وبالتشاور بين الأطراف السياسية كافة. ولا يمكن إلا أن تمر عبر وزارة الخارجية، عملاً بنظام الوزارة الذي يحكم عمل السفراء وعلاقاتهم بالوزارة.
أما السوابق التاريخية، فكانت قبل اتفاق الطائف عندما كان رئيس الجمهورية هو السلطة شبه المطلقة، وبرغم ذلك انقسم السفراء آنذاك بين مَن ينفّذ تعليمات رئيس الجمهورية وبين مَن يلتزم بتعليمات وزارة الخارجية. أما بعد الطائف، فلم تكن هناك إلا سابقة واحدة في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، في العام 2008، الذي وجّه رسالة إلى الأمين العام الأمم المتحدة بشأن المحكمة الدولية برغم لا ميثاقية حكومته آنذاك، وهي خطوة ما تزال إلى اليوم موضع نقاش حول دستوريتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018