ارشيف من :أخبار لبنانية

صراع التناقضات ينفجر في سوريا ولبنان

صراع التناقضات ينفجر في سوريا ولبنان
جوني منير - صحيفة الجمهورية

كان من المفترض أن يشكّل انتخاب حسن روحاني رئيساً لإيران مدخلاً للتخفيف من حدّة الاحتقان الحاصل في المنطقة، ومنطلقاً للتمهيد لمرحلة طابعُها تفاوضيّ أكثر منه حربيّاً وعسكريّاً.

لكنّ ما حصل أنّ أعمال العنف تصاعدت، والمواجهات أخذت منحى أشدّ دموية إن في سوريا أو في العراق أو حتى على مستوى الساحة اللبنانية التي شهدت اضطرابات امنية خطيرة مصحوبة بضغوط سياسية "نوعية" تطال للمرّة الاولى رعايا لبنانيّين في دول خليجية. إلّا أنّ هذه الصورة القاتمة إنّما تعكس ظاهر الأحداث وليس مضمونها الفعلي.

ذلك أنّ المملكة العربية السعودية سارعت بعيد انتخاب روحاني الى اعلان موقف ايجابي بما يشبه الاستعداد لملاقاة "الاعتدال" الايراني وفتح ابواب التواصل من جديد.

لكنّ روحاني سيستلم مهامّه رسميّاً في الثاني من شهر آب المقبل، وبعد ذلك سيعكف على ترتيب فريق عمله وتشكيل الحكومة التي سترافقه قبل أن يباشر بدراسة الملفّات التي سينطلق من خلالها في تسيير سياسته. وهذا ما يعني فعليّاً أنّ أيّ خطة باتّجاه الخارج قد لا تكون ممكنة قبل نهاية العام الجاري أو في نهاية فصل الخريف في افضل تقدير.

لكنّ الواضح أنّ روحاني يركّز على انفتاح مع السعودية سينعكس حتماً في المنطقة تنفيساً للاحتقان المذهبي الحاصل.لكنّ المسألة لا تبدو بهذه البساطة، بدليل تصاعد العنف في الايام الماضية.

ذلك أنّ إسرائيل الرافضة أساساً لأيّ تقارب مع إيران، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة الاميركية، ستسعى لضرب جسور التواصل، لقناعتها بأنّ ذلك يؤذي مصالحها بالعمق ويخفّف من حجمها في المعادلة الاميركية في الشرق الاوسط.

وتكشف اوساط دبلوماسية مطلعة انّ اسرائيل، وعقب انتخاب روحاني، نظّمت حملة دبلوماسية باتجاه الادارة الاميركية عنوانها أنّ روحاني هو الوجه المخادع للقرار الإيراني والقاضي بالسير بالمشروع النووي حتى النهاية، بدليل أنّه تولّى هذه المسؤولية في مراحل سابقة.

لكنّ الجواب الاميركي كان بأنّ ما حصل في ايران إنّما يثبت صحّة سياسة العقوبات الاقتصادية التي نفّذتها واشنطن بدل المخاطرة بضربة عسكرية، وأنّ الايرانيين اضطرّوا للسير بروحاني بسبب المشاكل الاقتصادية التي يعانون منها.

من هنا يمكن تفسير الدخول الاسرائيلي بشكل أوضح على خط الاحداث في المنطقة ولا سيّما باتّجاه لبنان، حيث تعمّدَ الطيران الحربي الاسرائيلي خرق الأجواء اللبنانية بشكل فظّ واستفزازيّ، لكنّ حزب الله بقي من دون ردّة فعل.

كذلك فإنّ التيارات السياسية المتشدّدة في مواقفها تجاه ايران تحرّكت بدورها للشغب على أيّ محاولة تفاوضية مستقبلاً. هكذا مثلاً تفاهم وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل مع فرنسا المنزعجة من قطر على تصعيد الضغط في سوريا بوجه الأسد في مقابل تفاهمات اقتصادية جانبية يبدو فرنسوا هولاند بأمَسّ الحاجة اليها لتنشيط العجلة الاقتصادية في بلاده بعد أن وصلت شعبيته الى مستويات متدنّية جداً.

وهذا ما جعل باريس تحتاط من "انتقامات" أمنية قد تطال جنودها في جنوب لبنان أو بعثتها الدبلوماسية، حيث طلبت منها عدم التجوّل في بيروت إلّا في حالات الحاجة القصوى، وهو ما جعل السفير الفرنسي يلازم سفارته معظم الوقت.

وفي موازاة خطوة الوزير الفيصل ضغط الأمير بندر بن سلطان على حزب الله عبر الساحة اللبنانية إن سياسيّاً من خلال عزل الحزب على خلفية مشاركته في معارك سوريا أو حتى ميدانيّا، وهو ما تمثّل بتحرّك الشارع بوجه حزب الله بالتنسيق مع قطر. وهذا ما يفسّر الى حدّ بعيد المواقف الهجومية للرئيس سعد الحريري بالتزامن مع توتّر الاوضاع الامنية في طرابلس وصيدا والبقاع.

لكنّ التحرّك الاميركي الذي أدّى الى تزويد الجيش السوري الحرّ ببعض الأسلحة ومنها صواريخ أرض – جوّ، إنّما له اسباب اخرى تتعلّق بالتطوّرات الميدانية في سوريا.

ذلك أنّ الوضع الميداني للفصائل المعارضة اصبح سيّئاً، حيث نجح الجيش السوري بتحقيق تقدّم كبير في ريف حلب، وهو يستعدّ لقطع طريق اعزاز أو إحدى أهمّ طرق إمدادات المعارضين من تركيا.

ولأنّ سقوط حلب في حال حصوله سيعني بداية نهاية الحرب العسكرية، وبالتالي إعلان انتصار النظام، لجأت واشنطن للسماح بإيصال هذا السلاح، ولكن بعد حصولها على تعهّدات خطّية من قيادة الجيش السوري الحر والدول الداعمة له بأنّ هذه الصواريخ ستبقى تحت الإشراف الاميركي والتركي المباشرين تجنّباً لوقوعها في يد تنظيم النصرة ومشتقّاته. ولذلك شهدت مناطق حلب اشتباكات دامية بين "الجيش الحر" و"جبهة النصرة" بقيت بعيدة عن الإعلام، وهو ما أدّى لاحقاً إلى استقالة مسؤول الجيش الحر في حلب.

لكنّ واشنطن لا تفكّر بتزويد المعارضة بأسلحة إضافية نوعية بانتظار تقييم كيفية التعاطي مع صواريخ أرض – جوّ التي أرسِلت، ولو أنّها تصرّ على منع سقوط حلب بيد النظام بأيّ ثمن.

وكان معبّراً التسريب الاعلامي المتعمّد لنقاش كيري- ديمبسي قبيل توجّه الاوّل الى قطر لحضور مؤتمر دول أصدقاء سوريا. والهدف من التسريب تحصين كيري من أيّ ضغوط سيتعرّض لها لدعوة واشنطن للقيام بتحرّك عسكري مباشر في سوريا، ذلك أنّ القرار الاميركي يرفض في المطلق أيّ تورّط مباشر أن يسيّب الجوّ الداخلي أو يسبّب عدم اتّضاح الرؤيا حول المصلحة الاميركية في ذلك، وعدم وضوح صورة البديل عن الاسد، إضافة الى التعقيدات الدولية الكثيرة في الملف السوري.

ما يعني انّ واشنطن تنحو في النهاية باتّجاه مفاوضات مع الاطراف المؤثّرة في الأزمة السورية، وفي طليعتها موسكو وطهران، ولو أنّها تأمل بتعزيز المعارضة لوضعها الميداني من دون أن يؤدّي ذلك الى تعزيز قدرة جبهة النصرة، لعلّ ذلك يعزّز وضعها التفاوضي.
وفي المحصّلة فإنّ أسابيع قاسية قد تسبق فتح ابواب التواصل ما بين طهران والرياض في مرحلة اولى، وما بين طهران وواشنطن في مرحلة لاحقة.

ولأنّ المخاطر كبيرة والمتضرّرون كثُر، تبدو الساحة اللبنانية في قلب المساحة الخطرة، حيث إنّ "صواريخ بلّونة" أريدَ منها حشر الساحة المسيحية في الصراع السوري من زاوية استكمال حصار حزب الله. فالتحقيقات أشارت الى انّ الذين نصبوا الصواريخ هم من المحترفين، حيث اعتمدوا تقنية الكترونية لإطلاق الصواريخ بخلاف ما حصل مع صواريخ عاليه التي نُصبت على ألواح خشبية وجرى اعتقال احد المشاركين فيها وهو فلسطيني نازح من مخيّم اليرموك، وهذا ما يفسّر البند الداعي لإبقاء لبنان بعيداً عن الحرب في سوريا، في البيان الختامي لقمّة الدوحة بطلب أميركي وفرنسي.

وهو ما يعني باختصار أنّ الساحة اللبنانية أمام أسابيع صعبة وضغوط استخباراتية قد تصل الى حدود التفجير الأمني والاغتيالات في إطار الألعاب القاتلة في الشرق الأوسط.
2013-06-24