ارشيف من :أخبار لبنانية
طرابلس: الفوضى الأمنية مستمرة.. والمخاوف من الفتنة تكبر
غسان ريفي-"السفير"
فرضت الفوضى الأمنية نفسها على طرابلس أمس، وبدا شارعها أسير تحركات المسلحين ونيران رشاشاتهم الحربية التي تفلتت من عقالها وعطلت كل أوجه الحياة في المدينة، فأقفلت مؤسساتها ومحلاتها التجارية ومصارفها بقوة السلاح، وتقطعت أوصالها بالاطارات المشتعلة، احتجاجا على ما يحصل في صيدا.
وظهر جليا أن طرابلس التي عانت الأمرين جراء 16 جولة عنف في محاورها التقليدية الساخنة في التبانة والقبة وجبل محسن والمنكوبين منذ العام 2008، دون أن يتضامن معها أحد، أرادت بعض المجموعات المسلحة أن تجعلها كبش فداء لصيدا، وضحية لمغامرات بعض المتهورين، الذين لم يتعظوا مما حصل في عاصمة الجنوب، ويريدون جر عاصمة الشمال الى فتنة مماثلة.
ولا شك في أن اللهجة العالية لبعض الهيئات الاسلامية والمشايخ، شكلت غطاء للمجموعات المسلحة التي تحركت على وقع تصريحاتهم، فحاصروا أبناء المدينة بالحديد والنار، وأعادوا الى الأذهان صورا حربية مؤلمة لطالما حاول الطرابلسيون محوها من ذاكرتهم.
وإذا كانت طرابلس بقيت صامدة حتى ليل أمس أمام محاولات جرها الى الفتنة، فان ثمة مؤشرات كثيرة لا تبشر بالخير في أن تبقى المدينة بمنأى عن أن تقع ضحيتها، وأبرز هذه المؤشرات:
أولا: خروج كثير من المجموعات المسلحة عن أي سيطرة سياسية أو أمنية، وبالتالي فان قرار استباحة الشارع الطرابلسي بات في يد عدد من القادة الميدانيين الذين لديهم توجهاتهم وأفكارهم وأجنداتهم.
ثانيا: التحريض المستمر على الجيش اللبناني من قبل بعض الأطراف، مباشرة أو بالتلميح.
ثالثا: الاستفزازات المستمرة للجيش اللبناني، واستهدافه طيلة ليل أمس الأول وأمس بالقذائف والرصاص، والاعتداءات التي طاولت عدداً من العسكريين خلال عودتهم من خدمتهم الى منازلهم. وأعطى الاشتباك الموضعي الذي وقع، بين الجيش وعدد من المسلحين في شارع سوريا في التبانة، وسقوط ثلاثة جرحى، نموذجا عما يمكن أن تؤول إليه حالة المنطقة في حال توسعت دائرة الاشتباكات كما في عبرا.
رابعا: استمرار الشحن المذهبي الذي يبقي النفوس مشتعلة.
استفاق الطرابلسيون على إطلاق النار في مختلف المناطق والشوارع من قبل مسلحين ملثمين يستقلون دراجات نارية، وعلى قطع لمعظم الطرقات، ما أحدث حالة إرباك كبرى لأهالي طلاب الشهادة المتوسطة خلال الانتقال الى مراكز الامتحانات.
ومع إنكفاء المسلحين، أعيد فتح الطرقات، وشهدت المدينة حركة خجولة، وفتحت المحال التجارية والمصارف أبوابها، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، حيث عاد المسلحون الى ساحة عبد الحميد كرامي وقطعوا كل متفرعاتها بالاطارات المشتعلة وأطلقوا الرصاص في الهواء.
وانطلق المسلحون من الساحة على دراجاتهم النارية الى مختلف شوارع المدينة، وأجبروا محلاتها ومؤسساتها ومقاهيها على الاقفال.
وظهرا، اعتصم العشرات من الشبان والمسلحين في ساحة كرامي، بمشاركة عدد من «مسؤولي المحاور» وتخلله إطلاق نار كثيف.
وتحدث في الاعتصام الشيخ محمد إبراهيم فدعا الى أوسع حملة تضامن مع الأسير، وحذر من التمادي في «استهداف الطائفة السنية»، داعيا السنة الى «رص الصفوف لمواجهة المحاولات المستمرة من قبل «حزب الله» والنظام السوري والجيش اللبناني لإضعافهم».
ومع انتهاء الاعتصام، سار المشاركون في تظاهرة تقدمها المسلحون، وسلكت تقاطع الروكسي، إشارة عزمي، المئتين، مستديرة أبو علي وصولا الى شارع سوريا في التبانة، حيث تعرضوا لموقع للجيش اللبناني قرب السنترال بإطلاق النار، وحاولوا إحراق بعض الدشم، لكن الجيش رد على مصادر النيران. كما أقدم مسلحون على إطلاق النار على فصيلة درك السويقة.
وشهد شارع سوريا توترا كبيرا على خلفية إمعان المسلحين باستهداف الجيش اللبناني، فحصل تبادل لإطلاق النار أدى الى جرح ثلاثة أشخاص، فيما استمرت الدراجات النارية تجوب الشوارع وتطلق النار حتى ساعة متأخرة من الليل.
وفي هذا الاطار، أقدم مسلحون على إحراق صالون إسكندر للحلاقة في محلة التل، وهو عائد الى شخص من جبل محسن، كما أحرقوا محلا مجاورا له لبيع الهواتف الخلوية لشخص من عائلة العيتاوي من طرابلس.
مواقف ومعالجات
في غضون ذلك، تواصلت الاجتماعات السياسية والدينية، وفي هذا الاطار عقد اجتماع في منزل النائب سمير الجسر بمشاركة الوزير أحمد كرامي وأحمد الصفدي، ممثلاً الوزير محمد الصفدي، والنائب محمد كبارة. ورأى المجتمعون، أنه «مهما كانت الأسباب التي استجرت ردود الفعل، فإن وحدة الوطن ووحدة مؤسساته تبقى متقدّمة على أي اعتبار آخر». وشدد المجتمعون على «واجب التعاون مع المؤسسة العسكرية في بسط الأمن وإلغاء المظاهر المسلحة عند جميع الأطراف»، وتوجهوا إلى أهل طرابلس بـ«ضرورة التحلي بالصبر والحكمة والالتفاف حول الجيش للمحافظة على استقرار طرابلس.
وعقد اللقاء الوطني الإسلامي اجتماعاً طارئاً في مركز الجماعة الاسلامية في أبي سمراء، وطالب الجيش اللبناني بوقف فوري لإطلاق النار وتشكيل لجنة داعيا إلى إعلان حالة الطوارئ في صيدا وسحب فوري للمسلحين، وعدم التعرض للمساجد.
رأى اللقاء أن قرارات الدولة اللبنانية أصبحت مرهونة لـ«حزب الله» ومحوره داعيا قيادة الجيش اللبناني إلى التصدي للمسلحين كافة.
وعقد رئيس هيئة العلماء المسلمين في لبنان الشيخ سالم الرافعي اجتماعا شارك فيه عدد كبير من المشايخ وتلا بيانا انتقد فيه تدخل «حزب الله» في سوريا وحمله مسؤولية ما يجري، متهما إياه مع «حركة أمل» بالمشاركة في المعارك. ورأى أن الدولة بمؤسساتها مخطوفة من «حزب الله»، مستنكرا عدم تجاوب قيادة الجيش مع مبادرة هيئة العلماء المسلمين، محملا إياها مسؤولية الفشل وتداعياته، لافتا الانتباه الى أن الجيش لا يجد مكانا يستعيد فيه هيبته غير مساجد ومناطق أهل السنة.
ورأى الشيخ داعي الاسلام الشهال أن «التجرؤ علينا يزداد يوما بعد يوم، وأن تركيعنا مطلب، وأن الطائفية ضدنا نخرت وسخرت لصالحها عموم مفاصل الدولة».
وقال: «الدم السني رخيص عند هؤلاء، ولا مناص لنا من اتخاذ موقف سني موحد».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018