ارشيف من :أخبار لبنانية
ورود ونيران افتراضيّة/يوم الشاشات الطويل في صيدا: محاولات عصيبة للفهم
زينة برجاوي -"السفير"
انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين، بأحداث صيدا. على معظم الصفحات بين فايسبوك وتويتر، ساد الإجماع على رفض «حرب نهر بارد ثانية في صيدا». كما تحوّلت الصفحات إلى منابر للتضامن مع جرحى الجيش اللبناني، وشهدت الحسابات الشخصيّة والعامة نداءات متتالية تدعو إلى التبرع لهم بالدم.
شتائم وورود
على فايسبوك، لقي كل من الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل، نصيبهم من الانتقادات. وانهالت الإدانات لمواقفهم التي وصفت بـ «غير الكافية». تساءل الناشطون على فايسبوك، إن كان الرئيس سليمان يهتمّ بما يحدث في صيدا، أم فقط ببرامج الهواة. وانتقد كثيرون قراره المتأخر عقد اجتماع أمني في اليوم الثاني للمعارك أي الأمس. لكنّ أكثر ما أجج غضب «الفسابكة»، كانت صور زيارة الفائزين بجوائز «موركس دور» لسليمان في القصر الجمهوري. وتعليقاً على صورة تلك الزيارة، كتب أحدهم: «ما الذي يمكن أن يقوله المرء في موقف مماثل؟». وأضاف آخر: «الرئيس شاطر بس يشتكي لمكتب مكافحة الجرائم الالكترونية».
على فايسبوك أيضاً، تفشّت الدعوات لـ «قتل الأسير»، و«حلق ذقنه». وسخر بعض المعلّقين من فكرة اعتقاله، «كي لا يتولّى رئيس كنجيب ميقاتي إطلاق سراحه بسيارته الخاصّة».
وكما في كل «مناسبة» أمنية، تذهب حصّة الأسد من الانتقادات إلى الوزير شربل. وحمّل المعلقون هذا الأخير مسؤولية عن أحداث صيدا، بسبب مفاوضاته السابقة مع الأسير.
في سياق هذا المشهد، وحّدت صورة الجيش اللبناني المواطنين الذين تضامنوا من خلال اعتمادها كصورة «بروفايل» لصفحاتهم على فايسبوك. وكثرت صور الجيش الذي وصفه اللبنانيون بـ«أشرف الناس»، معلنين الحداد كلّ على طريقته. متاجر «إكزوتيكا» الخاصّة بالنبات والورد، عرضت عبر صفحتها على فايسبوك صورة لجندي يحمل بندقيّة ووردة، ما جعل كثيرين ينتقدون ما وصفوه «بالدعاية غير المناسبة والوقحة» للورود. فما كان من صفحة «إكزوتيكا» إلا أن أزالت الصورة/الإعلان.
من جهتها، أغلقت إدارة فايسبوك صفحة الأسير على الموقع، بعد ورود عدد كبير من التبليغات التي شكت استخدام الصفحة لأهداف تخرق شروط النشر على الموقع. لكن سرعان ما قام الأسير بفتح صفحة جديدة، علماً بأن صفحته القديمة كانت تضم أكثر من 300 ألف «معجب».
الأسير «الإرهابي» على تويتر
ضرب وسم «الأسير» الرقم القياسي على موقع تويتر محلياً، ضمن أكثر التغريدات المتداولة بين اللبنانيين أمس. هنا، غرّد الناشطون على ليلاهم. فسرعان ما تحوّلت آراؤهم وتحليلاتهم السياسيّة، إلى مناقشات حادة. وتردّدت كلمة «الإرهابي» عند التحدث عن الأسير، دون أن تخلو الأجواء من التعليقات الساخرة التي أشارت إلى أن «النائب بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة يشعران بالقلق في حال سقط الأسير، فمن سيشتم حزب الله حينها؟».
وللأسير إهداءات خاصة على الموقع منها أغنية قديمة للفنانة نجوى كرم بعنوان: «عم بيقولوا». وتقول كلمات الأغنية: «عم بيقولوا انه غيابك قادر انه يبعدني، صحح معلومات صحابك غيابك بده يجنني».
وبالطبع لم يغب أنصار الأسير عن الأجواء، فقرروا الدفاع بالتغريد. وكتب أحدهم: «في لبنان مسموح التظاهر والاعتصام لكل اللبنانيين إلا لشخص واحد اسمه أحمد الأسير». في حين نشط الأسير على حسابه الذي يحمل عنوان: «أحمد الأسير الحسيني»، مناشداً النصرة من «أهل صيدا ولبنان وأحرار العالم العربي».
«أطلق نيرانك»
على وقع أحداث اليومين الماضيين، ارتفعت أسهم أغنية «أطلق نيرانك» للفنانة جوليا بطرس على موقع يوتيوب. وتحوّلت الأغنية إلى نشيد لدعم الجيش بالنسبة لكثيرين، فقاموا بنشر رابطها على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. كذلك حاز فيديو يوثّق اتصال الفنان زين العمر بقناة «أو تي في» على نسبة مشاهدة كبيرة. وفي ذلك الاتصال، شنّ زين العمر هجوما على الشيخ أحمد الأسير وفضل شاكر، واصفا إياهما «بالصراصير»، مطلقاً مجموعة كبيرة من الشتائم.
كذلك تمّ تحميل عدد من الفيديوهات المصورة التي ترصد الاشتباكات في صيدا على يوتيوب، بعضها مأخوذ من تقارير لنشرات إخبارية مختلفة، وآخر تمّ تسريبه من قبل مواطنين يسكنون في صيدا.
يوم الشاشات الطويل في صيدا: محاولات عصيبة للفهم-سناء الخوري (السفير)
حين كانت كاميرات «المؤسسة اللبنانيّة للإرسال»، و«الجديد»، و«المنار»، تتنافس على «حصريّة» الصورة من محيط مربّع الشيخ أحمد الأسير الأمني في عبرا (صيدا)، كان الشيف أنطوان الحاج، يشرح لمشاهدي «تلفزيون لبنان»، تقنية فتح علبة سمك الأنشوفة، وكيفية طهو صلصة الخردل. قطع التلفزيون الرسمي بثّه لعرض تقارير مباشرة من صيدا، لكنّه عاد ليواصل برمجته بشكل طبيعي. حتى أنّ فقراته بالأمس تضمّنت، نقاشاً حول حماية حقوق الملكيّة الفكريّة. حقاً؟
ربما كان خيار «تلفزيون لبنان» التحريري النابع من عجزه التقني أوّلاً وأخيراً، خياراً رمزياً بطريقة ما. ففي وقت كانت صور الحرب تتسارع على الشاشات الأخرى، كان تلفزيون الدولة يحاول أن يفهم ما يحصل، أن يمثّل الدور، وإن لم يقنع أحداً. شاشة «تلفزيون لبنان» كانت جزءاً من ذلك المشهد السريالي العام بين الشاشات من جهة، وشوارع صيدا وطرابلس من جهة أخرى.
لم يكن «تلفزيون لبنان» وحده من يحاول أن يفهم، ولم يكن وحده المتأرجح بين الرغبة بمواصلة الحياة كأنّ شيئاً لم يكن، ولحظات الخوف والقلق والإذعان لمشاهد الحرب. هذا المشهد ليس بالجديد، ولا بالغريب، لكنّه يبقى عصيّاً على الفهم. صور صيدا المشتعلة، كما نقلتها من بعيد شاشة «أن بي أن»، تشبه كثيراً المشاهد الأولى لمعركة مخيّم نهر البارد العام 2007. أبنية رماديّة، ومنها يتصاعد دخان رمادي أيضاً، بتدرّجات أدكن.
ظلال أخرى من الرمادي، طغت على أداء الشاشات بالأمس. الجميع يواكب حرب الـ 48 ساعة، فتختلط الوجوه والمعلومات والحقائق، وتسقط من جديد محاولات الفهم. فإن أردت أن تبني خطاً بيانياً لتطوّر الأحداث في صيدا خلال اليومين الماضيين، فسيكون من الصعب عليك أن تفعل ذلك مستعيناً برسائل الصحافيين الذين تواجدوا على خطّ النار. كلّ ما ستحصل عليه إن جمعت صورةً من هنا، ولقطة من هناك، هو مشهد على قدر عالٍ من التشويش، تترجمه بصعوبة فلاشات الأخبار العاجلة.
يعرّض المراسلون حياتهم للخطر، حين يقفون في مربّعات أمنيّة، وأحياء مسلّحة. يؤدون علمهم. ممتاز. لكنّ المشهد الكامل ضاع بالأمس (تحت وطأة السرعة والخوف ربّما؟). رأينا صوراً لمسلّحين، ورأينا صوراً لملالات عسكريّة، وشاهدنا لقَطاتٍ لأبنية يتصاعد منها الدخان، وسمعنا أخباراً عن عمليّات التقنيص. لكن كيف بدأ كلّ ذلك؟ وما الرابط بين كلّ تلك الصور؟ وما الذي حصل على الأرض فعلاً؟ وكيف فرّ من فرّ من مسجد بلال بن رباح؟ أسئلة بقيت معلّقة رغم زحمة المراسلين، اللاهثين وراء خطف الصور من محيط المسجد.
شاشة «أل بي سي» عرضت بعد الظهر شريطاً قصيراً، وصفته بالحصري، لمحيط مسجد بلال بن رباح. تعبر الكاميرا بسرعة، تحاول تحدّي الخطر، فتخرج بمشهد سينمائي، لم نرَ خلاله من المسجد إلا حائطاً. «سكوب» خارق فعلاً.
بدأت محاولات الفهم تصير مستحيلة، حين وجّهت متصلة بتشيرلي المرّ تحيّة للمغني زين العمر، تشكره على نوبة الشتائم التي أدّاها في اتصال هاتفي عبر الشاشة البرتقاليّة أمس الأول، وشغلت مواقع التواصل بالأمس. ثمّ عادت المتصلة نفسها، وعلى وقع عيني المذيعة الغارقتين في الدموع، تقول للمغتربين: «تعوا تعوا ما تخافوا نحنا ناطرينكن». فهمتم شيئاً؟ قبل ذلك بقليل، نقلت «أو تي في» صوراً لما قالت إنّه مجزرة داخل مسجد بلال بن رباح بحقّ المسلحين «الأجانب». ليتبــيّن لاحقاً أن الشريط هو مشاهد لتفجير حدث في العراق قبل أيّام! في تلك الأثناء أطلّت مراسلة «أل بي سي» هدى شديد، من طرابلس، حيث عادت لممارسة هوايتها المفضّلة، إعطاء الميكروفون للمسلحين. ربما وجدت شديد في المسلحين الطرابلسيين شخصيات تستحقّ الاستصراح. وبالفعل، أدّوا دورهم على أتمّ وجه، وبدأوا بإطلاق الشتائم المذهبيّة، قبل أن ينقطع الإرسال.
مراسلا «المنار» حسن حمزة وعباس فنيش استطاعا الحصول على الصور الأقرب من مركز المعركة، قبل أن يسحبا الكاميرا بطلب من الجيش. المفارقة أنّ فنيش ومراسل «الجديد» مالك الشريف، تسابقا على الاطمئنان على شعور النازحين الفارين من «المربّع». «شو صار معكن؟»، سأل كلّ منهما بعض الفارين الذين كانوا محتجزين لساعات طويلة من دون كهرباء ولا ماء ربما. هنا أيضاً، كان الفهم صعباً.
وحده الرعب كان قابلاً للفهم بالأمس. صور المدنيين الفارين، ستنضمّ إلى صور رعب أخرى تحفل بها ذاكرتنا الجماعيّة. سنتذكّر جيّداً صورة شابين يحاولان العبور في منطقة القنص، فيخلع أحدهما قميصه الداخلية، ليعلّقها الآخر على هوائي السيارة، إشارة سلام. سنتذكّر صور سيدتين تحملان حقائب يبدو أنها حزمت على عجل، ومعهما أطفال يسيرون خلفهما كصيصان مذعورة. وسنتذكّر صوراً لسرب من الدراجات الناريّة، يركبها شبّان ملثمون، يدورون في قلب دخان إطارات أحرقوها في ساحة النور. الرعب. هذا ما يفهمه اللبنانيون جيداً، رغم كلّ ما يحيط به من صور سرياليّة. إحدى تلك الصور مثلاً، صورة «نجمة يوتيوب» لارا كاي، الغنيّة عن التعريف. حمّلت لارا شريطاً مصوّراً على الشبكة تطالب فيه بلكنة إنكليزية أسوأ من لكنة مرسي، بوقف «الإرهاب». لم نفهم لمن توجّه رسالتها بالضبط.
أكثر ما كان عصياً على الفهم، أنّ الشاشات، وعلى وقع النار والدماء، بدت كأنّها تحتفل بالأمس. «أن بي أن» أخرجت من أرشيفها أغنية «يا جيش بلادي» لوديع الصافي، و«أم تي في» استعادت أغاني الأول من آب، ومنها ذلك الفيديو العجيب بعنوان «منّا وفينا» حيث يسير فريق مذيعيها في منطقة مقفرة بين قطيع غنم، كتحيّة للجيش! البكائيات الغنائية على المؤسسة العسكريّة زادت من سريالية المشهد، خصوصاً أنّها ترافقت مع شبه إجماع بين الشاشات، على إمكان عرض جثث القتلى، بكلّ برودة أعصاب. كاميرا «الجديد» ثبّتت الصورة على أنف أحد القتلى الذي قالت إنّه معاون الأسير أحمد الحريري. صوّرت جثّته في براد مستشفى. ولم تملّ «أو تي في» من بثّ فيديو لقتيلين مجهولَيْ الهويّة، راحت تعيده من دون تعب. لتبلغ حفلة السرياليّة ذروتها، حين بدأت شاشتا «أو تي في» و«أم تي في» بعرض برامج الأطفال اليوميّة، كالعادة. تمرّ على صورة قتيل، تقلب الإذاعة، فترى مجموعة راشدين، بثياب ملوّنة، يقفزون ويرقصون على أنغام أغنية تقول كلماتها «يوبي ياي ياي يوبي ياي».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018