ارشيف من :أخبار لبنانية
مناورة إسرائيلية
صحيفة "السفير" - ساطع نور الدين
اسرائيل لا تناور، بل هي تمارس العمل الوحيد الذي تتقنه والذي ولدت من أجله: الحرب! هي لا تخترع العدو، لكنها تستدعيه الى معركة بعد اخرى، لكي تجدد هويتها وتطور وظيفتها، وتفرض على الآخرين ان يعترفوا بانها حصن باق مهما تغيرت الاحوال وتعاقبت الازمان.
المناورات الداخلية التي بدأها الاسرائيليون، امس، ليست هوايتهم، لكنها سيرتهم منذ أن كانت الهجرة اليهودية الاولى الى ارض فلسطين، كما هي ملاذهم الأخير منذ ان كان المقاتل العربي مجرد ظاهرة صوتية، يخرج الى المعارك بحنجرته اكثر من بندقيته، ويساهم في تعظيم الخطر الخيالي على الدولة الإسرائيلية التي لم تشهد في سنواتها الستين الماضية سوى لحظات عابرة من التهديد.
المناورات تختبر الجبهة الداخلية المضعضعة نتيجة انقسامات حادة حول ما اذا كان الوقت قد حان للخروج من القلعة المحصنة ام انه يجدر البقاء في الداخل وتضخيم المخاطر المحيطة الى حد المسّ بالوجود. وهي تستعيد قدراً من التماسك بين الإسرائيليين الذين اختاروا مؤخراً ان يمتحنوا ارادتهم في رفض كل الإغراءات التي تلقوها للانفتاح على الآخر الفلسطيني والعربي الذي طال انتظاره، وللاندماج في مشروع غربي جديد يشبه الى حد بعيد ذاك الذي كان في أصل قيام دولتهم، ويرثه الأميركيون عن الاوروبيين.
من لحظة اعلان بدء المناورات زالت الخلافات والفروقات السياسية بين الاحزاب والتيارات الاسرائيلية وانخرط الجميع في ذلك التدريب الحي القائم على فرضية تكاد تكون واهية: الحرب تشتعل على جميع الجبهات، والصواريخ تتساقط من كل اتجاه.. ولم يبق سوى الزعم بأن الجيوش العربية والاسلامية تزحف من كل جانب لترمي الاسرائيليين في البحر، كما كانت تنوي قبل ستين عاماً، ولما تفلح.
توجه الاسرائيليون الى المناورات كما يتوجهون الى مهرجان فولكلوري، او الى مباراة رياضية، او حتى الى نزهة برية. قرأوا تعليمات السلامة جيداً. لاحظوا ان بعض التعديلات الطفيفة قد ادخلت عليها، وهي بالمناسبة اقل مما تلقوه عندما كانت الصواريخ العراقية تستهدفهم مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتفرض عليهم ارتداء الاقنعة الواقية من الغازات السامة! لكنهم لم يترددوا في الالتزام ولا في السؤال عن سبب تراجع الخطر الخارجي الفعلي وتزايد التوظيف السياسي الداخلي.
المطلوب هو ان تظل الجبهة الداخلية موحدة، وليس هناك من حافز سوى افتعال تلك الحرب الشاملة والصواريخ الماطرة.. التي يبدو ان اغرب وادهى ما فيها انها لا تصيب الإسرائيليين بالخوف بقدر ما تصيب أعداءهم بالنشوة.. لانهم فرضوا على الدولة الاسرائيلية ان تخوض مثل هذه المناورة، وان تنفق هذا الجهد والمال على التخطيط في افضل السبل لحماية شعبها!
لا تناور اسرائيل، لكنها تدّعي انها في خطر. وفي مثل هذا الادعاء حياة جديدة لدولة تبحث عن معنى جديد، وعن دور متجدد، حتى ولو اقتضى الامر المبادرة الى حرب تقنع الأميركيين بأنها قادرة على اكتساب ثقتهم وتقديرهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018