ارشيف من :أخبار لبنانية
14 آذار: مكوّنات منفصلة عن الواقع - ميسم رزق
ميسم رزق - صحيفة "الأخبار"
ربما أكثر ما يحزّ في نفوس أنصار المؤسسة العسكرية هو تهرّب فريق «العبور إلى الدولة»، بدم بارد، من واجبه بدعمها. بخجل واضح، أدان هذا الفريق «خطيئة» أسير صيدا. وبتبجّح واضح أيضاً حسم موقفه من أحداث عبرا: «كل الحق على حزب الله»
ينتظر فريق الرابع عشر من آذار، بفارغ الصبر، مدّة الـ 48 ساعة المقبلة، التي ستطوي صفحة عبرا، ومعها شهداء الجيش اللبناني بدمائهم التي لم تجفّ بعد، للعودة إلى الملفات التي تراها مكوّناته «أساسية». بالتزامن مع سقوط رجال الجيش برصاص القنص في صيدا، كان مدّعو حمل مشروع الدولة والمؤسسات، يدرسون شكل خطابهم السياسي ومضمونه، الذي لم يرقَ إلى حدّ الإدانة الواضحة لخطيئة أحمد الأسير. حدّ لم يجرؤ هذا الفريق على ملامسته نتيجة اعتبارات سياسية ترتبط بالحليف المستقبلي، والمموّل العربي. لم تكُن المكونات الآذارية لتتخطّى خطاب النائبة بهية الحريري، التي أعلنت نيّتها «انتظار التحقيقات» للخروج بموقف أخير ممّا حصل في مدينة تربّعت منذ زمن على أحد مقاعدها النيابية. ولم تكن هذه المكونات، أيضاً، لتذهب أبعد من «القلق» الذي أبدته المملكة العربية السعودية «إزاء تطوّر الأحداث في جنوب لبنان، وما تشهده مدينة صيدا من انفجار أمني». القلق وحده، هو الشعور الذي سُمح لفريق الرابع عشر من آذار بالتعبير عنه في خطاباته. يهمس أحد الآذاريين بأن «الشيخ أحمد الأسير ارتكب خطأً جسيماً جعل فريق 14 آذار مربكاً». ويصرخ آخر بأن «ليس من المقبول أن تبقى قوى 14 آذار منفصلة عن الواقع، ولا ترى الحقيقة في صيدا كما هي». فيما تجِد من يحمل قلمه ليفرغ حبراً على صفحات البيانات متسائلاً «ببراءة»: «لماذا يعبث حزب الله بأمن مدينة صيدا وأهلها؟». وربما لقىت في هذا الفريق من ترحّم في سرّه على قتلى الأسير بدلاً من شهداء الجيش.
يكثُر الكلام على طريقة تناول 14 آذار لمعطيات الأحداث في عبرا. منذ بداية الاشتباكات بين الجيش وعناصر الأسير المسلّحة، لم يخجل هذا الفريق من إظهار موقفه المتذبذب الذي ساوى فيه بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الإرهابية التي بناها الأسير على مدى عامين في صيدا على مرأى الجميع ومسمعهم. لم يُطالب قيادة الجيش بالضرب من يد من حديد، لقطع رأس كل من حاول فرض واقعه المسلّح، بل بادر إلى الطلب بـ«وقف الاشتباكات»، وكأن هناك مجموعتين خارجتين عن القانون تتحاربان. الصورة بالنسبة إلى 14 آذار لم تكُن واضحة رُبما. هذا الفريق الذي يرى بعين واحدة، لم ينظر إلى «جماعة» الأسير بوصفها عصابة اعتدت على الجيش الذي يُستغل اسمه في كافة التصريحات بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يجب أن تتولى أمن البلاد والعباد. لم تتطلّع قياداته إلى عناصر الجيش الذين يؤدّون واجبهم ضد من استباح القانون، وحاول التجييش مذهبياً.
وكالعادة، وقف «مسيحيو 14 آذار» خلف الستار، فيما تولّى رافعة هذا الفريق، تيار المستقبل، زمام القرار سرّاً، محاولاً تصوير نفسه بمظهر «المصدوم». لم تكُن مبادرة الجماعة الإسلامية في صيدا لوقف إطلاق النار وإيجاد تسوية مع الأسير المدعوم من «الست وأولادها» فردية. حصل ذلك بالتنسيق مع تيار المستقبل. لم يكُن الأخير كفوءاً لمواجهة الحدث. سارع ممثلاً بنائبيه الصيداويين إلى تصوير الأسير كضحية أوقعها غباؤها في حفرة حزب الله، الذي خطّط لافتعال حرب مع الجيش، يقول فيها إنه «ليس هو وحده الطرف المسلّح في البلد». هرب المستقبل من تقديم الغطاء للجيش بنحو واضح، الغطاء نفسه الذي مُنح للأسير يوماً فأوصله إلى ما وصل إليه، وربما هو الغطاء الذي أخفى الأسير بلمح البصر.
مصادر 14 آذار تركن في حديثها عن التباس ردّ الفعل الآذاري على تطورات عبرا إلى أكثر من ترجمة. بحسب المصادر، «لا يُمكن النظر إلى الأسير بصفته جزءاً من قوى الرابع عشر من آذار، وإن كان أول المعادين لحزب الله. هو عدو العدو، لكنه ليس صديقاً، وبالتالي لن يخرج من 14 آذار لسان واحد يدافع عنه، حتى مع التأييد الكبير له في بيئة تيار المستقبل». فالرهان «لم يكُن يوماً عليه في مواجهة حزب الله، بل على الاعتدال». هؤلاء الحرصاء على دماء الجيش، أشاحوا نظرهم عنه بدم بارد، وحاولوا تصوير المشهد الدموي وكأنه محاولة من قبل الحزب لمواجهة أهل السنّة. في معرض تبريرهم للمواقف السياسية المحاذرة انتقاد عصابة الأسير مباشرة، واستبداله باتهام الجيش وتحليل سلوكه المزدوج في التعاطي مع القوى المسلّحة. لم يجد هؤلاء سوى حزب الله لتبرير ظاهرة الأسير في صيدا، معتبرين أن «سرايا المقاومة» هي من استفزته، وأن وجودها هو الذي أنتج ما أنتج من مظاهر مسلّحة، واستنسخ جماعات خارجة عن القانون، لم تجد إلا بالحماية الفردية سبيلاً لمواجهته. كل مواقفهم التي صبّت خجلاً في مصلحة الجيش، لم تخف حقيقة استثمارهم لدماء عناصره في معركتهم مع الحزب، على قاعدة «إن لم يزجّ الحزب نفسه داخل أي معركة داخلية، فلنزجّه نحن وإن بالقول». تلك الصورة لا تدين الجيش، لكنها لا تنصفه، في وقت يحاول فيه هذا الفريق إخراج المؤسسة العسكرية من «اللعبة»، والعودة إلى موضوع «قتال الأسير وحزب الله».
مكوّنات هذا الفريق باتت منفصلة عن واقعها. المستقبل ليس مضطرباً، لكن حلفاءه باتوا محرجين، ولا سيما أمام «جمهورهم المسيحي»، الذي ينظر إلى المؤسسة العسكرية نظرة «قداسة». إحراج لا يجرؤ الحلفاء على قوله علناً، وإن كانت أصداء صرخاته المكتومة تسمع بين حين وآخر؛ لأن التبرير لم يعُد يجدي نفعاً، في الشارع المتفرّج على هدر دم أولاده. تحاول مصادر آذارية إظهار حرص قادة الصف الأول على الجيش، بالإشارة إلى «هرولة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع إلى قصر بعبدا، للقول علناً أمام رئيس الجمهورية إن الجيش خط أحمر». لكن «كلام الهواء» هذا لا يُمكن أن يشكّل درع حماية للجيش، أمام اللقاء الواسع لقوى الرابع عشر من آذار في زحلة تضامناً مع البقاع، وهو تضامن لم يحظ به الجيش في معركته في عبرا. ولا يمكنه أن يغطي تطرّق الرئيس فؤاد السنيورة (في اجتماع بيت الرئيس سعد الحريري في وادي أبو جميل) السطحي لأحداث عبرا، مفضلاً الاستعاضة عنه بالحديث عن مذكرة 14 آذار إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
الخلاصة السياسية الوحيدة التي يُمكن رصدها من مواقف 14 آذار تختصر بجملة واحدة: «كل الحق على حزب الله». أما التفاصيل ففي انتظار «تحقيقات» الست بهية!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018