ارشيف من :أخبار لبنانية
سقوط الأسير يفتح «أبواب خزنة الأسرار الأمنية»
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
يوم الاثنين الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه الساعة تقارب الظهر، بدا للشيخ أحمد الأسير والكوادر القريبة منه أنّ المعركة الضروس التي كانت دائرة منذ أكثر من عشرين ساعة تقارب على الانتهاء، بعدما أصبحت عناصر المغاوير في باحة مسجد بلال بن رباح. قال الأسير لعناصره إنه سيجري اتصالات مع بعض المجموعات المتحالفة معه والموجودة في صيدا لضرب مجموعات الجيش اللبناني في الخلف.
ودخل مع كوادره القريبة منه إلى إحدى الغرف حيث أقفل الباب، ومن هناك فتح كوّة كانت تخفي نفقاً حُفر تحت الأرض وقد جهّزه سابقاً ليكون منفذَ الهروب، وسارع من هناك إلى الخروج من جحيم المعارك، بعدما أعاد الكوّة التي تهدف للتمويه.
هذه الرواية، كانت من أولى اعترافات العناصر الذين أوقِفوا بعد السيطرة على كامل المربّع الأمني. وفيما اعتبر البعض أنّ الهدف من الإعلان عن أنّ الأسير أصبح في عهدة "الجيش السوري الحر" في سوريا هو لوقف تعقّبه وبالتالي منع توقيفه، إندفع الجيش إلى تمشيط المناطق القريبة من المسجد لاعتقاده أنّ الأسير ومجموعته يختبئون في أحد الأماكن التي كان قد أعدّها سلفاً وفي منطقة لا تبعد كثيراً عن المسجد.
تراوحت الترجيحات بين ثلاثة احتمالات: إمّا أنه مختبئ في مكان ما قرب المسجد، أو أنه نجح في الفرار إلى داخل مخيّم عين الحلوة بمساعدة العناصر الفلسطينية المتعاطفة معه مثل "جند الشام" و"فتح الإسلام"، إلّا أنّ هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً بسبب الطوق المحكم الذي يضربه الجيش حول المخيّم مع عدم استبعاد وجود أنفاق سرّية تربط المخيّم بخارجه. أمّا الاحتمال الثالث فهو وجود الأسير في أحد المنازل التي تحظى بغطاء سياسي أو حصانة معنوية معيّنة.
في هذا الوقت، بدا الجيش مذهولاً أمام ما اكتشفه من أسلحة وذخائر وبنادق متطوّرة تُستعمل للقنص، وهذه البنادق تُستعمل عادة في عمليات الاغتيال أكثر منه في معارك ومواجهات عسكرية، إضافةً إلى تصنيع عبوات ناسفة، حيث كانت تُفخّخ صناديق المساهمات المالية، ما يعني التحضير لتفجير أحد المساجد، ربّما بهدف رفع منسوب الاحتقان المذهبي. ومع الكمّية الهائلة للسلاح والذخائر، عثر الجيش على مدفع هاون من عيار 120 ملم وقذائف تابعة له.
كلّ ذلك يستدعي أسئلة كبيرة وأساسيّة، مثل: مَن هي الجهة (ومِن المفترض أن تكون جهة كبيرة) التي رعت نموّ الحال الأمنية والعسكرية، ولأيّ أهداف؟ مَن هي هذه الجهة القادرة على تولّي إيصال هذه الكمّيات من الأسلحة الى منطقة من المفترض أنّها كانت تحت الرقابة الأمنية المشدّدة؟ مَن الذي ساعد الأسير في ترتيب تواصل بينه وبين المجموعات السورية لتصبح تحت إمرته، وعلى أيّ أساس نسج التحالف بينه وبين "جند الشام" و"فتح الإسلام"؟ كيف وصل "مجاهدون" من السودان وبلدان أخرى إلى هذا المربّع؟
هذه الأسئلة، تضاف إلى عشرات أخرى، من المفترض أن تكون الأجوبة عليها كبيرة ومدوّية، ممّا يعني أنّها ستبقى طيّ الكتمان ولن تظهر أبداً.
إنطلاقاً من ذلك، يمكن أن نفهم الموقف الصعب لقيادة الجيش يوم اعتُديَ على حواجزها واستشهد ضبّاطها وعناصرها. في تلك اللحظة، بدا واضحاً من خلال انتشار مجموعة الأسير بأنّها تنفّذ خطة واضحة أعِدّت مسبقاً تهدف إلى ضرب وجود الجيش في المنطقة، بهدف إنشاء خط تواصل مع المخيّمات الفلسطينية في الميّة وميّة وعين الحلوة، وهو ما يعني فرض واقع جغرافي جديد في الجنوب، وربّما في بعض المناطق اللبنانية الأخرى. من هنا، لا بدّ من النظر إلى الاعتداءات التي كانت تطاول حواجز وجنود الجيش اللبناني في إطار واحد ومترابط.
ومن هذه الزاوية، انشغلت العواصم الغربية المهتمة بالساحة اللبنانية، ولا سيّما واشنطن وباريس، في تقويم ما حصل في صيدا واستخلاص العبر منه. فلحظة باشرَ الأسير تنفيذ خطته العسكرية في صيدا، بدا الجيش اللبناني وكأنّه وحيد وسط أتون النار، فاتّخذت قيادة الجيش قرارها بالذهاب في المعركة حتى النهاية استناداً للتكليف الذي كانت أولتها إيّاه السلطة السياسية في أوقات سابقة، وجاء بيان قيادة الجيش على خلفية شعورها بوجود ازدواجية ما: "إمّا أن تكونوا معنا أو ضدّنا".
وعلى رغم إصدار قيادة الجيش بياناً توضيحيّاً نفت فيه حصول أيّ تهديد بالاستقالة إذا لم تطلق يد الجيش، سادت القناعة بأنّ ثمّة حوارات صاخبة واكبت قرار الجيش بدخول المواجهة.
في أيّ حال، بدت كلّ من واشنطن وباريس الحريصتين على حماية الجيش وعلى قطع الطريق على الفوضى الشاملة وانهيار الوضع الأمني في موقع المساند لقرار الجيش. ويدور الحديث في الكواليس الديبلوماسية عن تدخّلهما بحزم لدى كلّ من الرياض والدوحة لاستخدام نفوذهما في ضبط الشارع، وعدم ترك الأمور تذهب إلى الفوضى لا سيّما مع دعوة الأسير إلى الجنود السُنّة إلى الانشقاق عن الجيش.
كذلك، جرت اتصالات مكثّفة بالرئيس سعد الحريري ومسؤولين لبنانيّين، بما معناه أنّ الحرب المفتوحة في لبنان ممنوعة ولو أنّ الاهتزاز الأمنيّ يبقى مسموحاً، وربّما مطلوباً، لكن في صيدا، تخطّت الأمور الخط الأحمر.
وفي مراقبتها لمسار المواجهات، بدت العواصم الغربية أمام الاستنتاجات الآتية:
1 - أثبت الجيش مرّة جديدة قدرته القتالية العالية ووحدة جسمه في مواجهة الامتحانات الصعبة.
2 - أبلغت قيادة الجيش الاستعداد لفتح مخازن الذخائر لدى الجيش الأميركي في المنطقة لتزويد الجيش اللبناني بما يحتاج.
3 - رُصدت الاتصالات التي حصلت بين المربّع الأمني للأسير وخلايا فلسطينية وإسلامية وسوريّة في كلّ من مخيمات الجنوب وبيروت، وفي مناطق محدّدة في طرابلس وعكّار وجرود عرسال، بحيث كشفت شبكة التواصل مسائل أمنية كثيرة غامضة على العواصم الغربية.
4 - راقبت هذه الأوساط الغربية وجود اختراقات للمؤسّسات العسكرية والأمنية اللبنانية.
5 - إكتشاف الكثير من الأسرار الأمنية بعد السيطرة على المربّع الأمني وظهور أسماء بعض العناصر المصنّفة خطيرة، ليس فقط على مستوى الساحة اللبنانية بل على مستوى النشاط الإرهابي الدولي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018