ارشيف من :أخبار لبنانية
مرسي والسياسة الخارجية: من أجل الجماعة... لا الوطن!
صحيفة "السفير"
عام بالتمام والكمال مر على تولي مرسي السلطة فى مصر، وأكثر من عام بقليل مر على ترويجه لبرنامجه فى إدارة ملف السياسة الخارجية لمصر، حيث ارتفع صوته، واحتدت نبرته، وهو يتحدث عن تحرير مصر من تبعيّتها للدول العظمى، وتنويع شبكة العلاقات الدولية في العمق الأفريقي والآسيوي والغربي، بما يحقق التوازن في حماية المصالح المصرية على الساحة الدولية، وإقامة العلاقات مع كل الاطراف الدولية على أساس من الندّية والمصالح المشتركة.
الآن، وقبيل أيام من انطلاق تظاهرات حاشدة ضد مرسي وجماعته وسياساتهما الخارجية والداخلية، وجب السؤال من الذي استفاد من زيارات مرسي الخارجية وتحرّكاته: مصر أم الجماعة؟
عصام الحداد: وزير خارجية الجماعة
كانت وزارة الخارجية في عهد حسني مبارك ملجمة ومحجمة في صناعة السياسة الخارجية لمصر حتى تلاشى هذا الدور في أوقات كثيرة، فضلاً عن أن الملفات المهمة والخطيرة كان يتولى إدارتها جهاز المخابرات، مثل ملفي القضية الفلسطينية ودول حوض النيل. وجاء ذلك، بسبب طبيعة مدير الجهاز حينها عمر سليمان. وهكذا كان منطقياً أن يقوم مرسي بفك الارتباط المباشر بين جهاز المخابرات والعمل الديبلوماسي في محاولة لصياغة رؤية جديدة في التعامل مع الملفات الخطيرة والحيوية تبتعد قليلاً عن الركيزة الأمنية، ولكن ما حدث أن مرسي أعاد تكريس ما كان قائماً.
لم تحدث أي تغيرات في طريقة صناعة السياسة الخارجية لمصر، و لا إدارتها واستبدل فقط رجال الجماعة برجال مبارك، وعلى رأسهم عصام الحداد، مساعد مرسي للشؤون الخارجية وعضو مكتب الإرشاد الذي أصبح بمثابة وزير خارجية مواز، أو وزير خارجية للجماعة، بعدما بات يظهر في كل لقاءات مرسي مع ممثلي الدول الأجنبية وفي المؤتمرات الدولية، بل ومتحدثاً بما يجب أن يتحدث به وزير الخارجية محمد كامل عمرو، في إشارة واضحة لا تحتمل اللبس إلى أن عملية صناعة السياسة الخارجية لمصر تأتي من مطبخ الإرشاد عابرة قصر الرئاسة إلى يدي عصام الحداد لتنفيذها.
وكباقي رموز الجماعة، ليس في السيرة الذاتية لعصام الحداد ما يشير إلى أي موهبة تتعلق بقدرته على التواصل مع دول الخارج باستثناء أنه يجيد التحدث بالإنكليزية، وأنه سافر إلى ألمانيا واشترك في أبحاث علمية للتحاليل الطبية.
يذكر ان الحداد سافر إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه في الطب، كما حصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة أستون البريطانية.
ومثل الحداد الجماعة في لقاءات عدة في الولايات المتحدة، كما دخل في مفاوضات مع الإمارات المتحدة للإفراج عن 11 «إخوانياً» معتقلين في الإمارة بتهمة إحياء تنظيم «الإخوان». ولكن حتى هذا الملف لم يحقق فيه الحداد نجاحاً لجماعته بعدما حولت الإمارات أعضاء التنظيم إلى المحاكمة عقب هجوم منفلت من القيادي «الإخوان» عصام الحداد على الإمارات.
«سد النهضة»: انهيار المشروع الإخواني
شكل الإعلان الاثيوبي عن بدء العمل في بناء سد النهضة على النيل بعد يومين فقط من زيارة مرسي لأديس أبابا، أكبر ضربة ديبلوماسية للرئيس «الإخواني»، فما حدث لم يكشف فقط عن فشله في الحفاظ على الملفات الخارجية المعقدة بصورتها الحالية، بل عن قدرته على مضاعفة الأزمة وزيادة تعقيدها.
الحديث الأثيوبي عن بناء سد النهضة على النيل وما يتبعه ذلك من خصم لنسبة مصر التاريخية من النهر، بدأ منذ بداية الألفية الثالثة. وبرغم أن التحرك الديبلوماسي الأفريقي في عصر مبارك كان في أفضل الأحوال بارداً، إلا أنه نجح في تجميد مشروع السد لسنوات عدة، بينما اختارت اثيوبيا أن تعلن عن المشروع بعد مرور نحو عام من حكم «الإخوان» لمصر، بعدما تأكد للجميع أنهم لا يتبعون سياسة خارجية منفتحة على أفريقيا مختلفة لتلك التي كان يتبناها مبارك، فكان ما كان. ولعل ما قاله الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في حوار مع فضائية «أون تي في» المصرية قبل أيام عن أن مصر لا تزال غائبة عن أفريقيا، أكبر دليل على فشل «الإخوان» في واحد من أكثر الاختبارات الخارجية صعوبة.
وكان لافتا أن مرسي و«إخوانه» اختاروا أن يلجأوا إلى استفزاز أثيوبيا عقب شروعها في بناء «سد النهضة»، والتلويح باستخدام الخيار العسكري، وهو أمر لا تقره أي اتفاقيات دولية بالأساس، وهكذا وجد مرسي «وإخوانه» أنفسهم مضطرين للتخلي عن وزير خارجية الجماعة عصام الحداد، الذي ظهر قصوره واضحاً في هذه الأزمة، والعودة إلى قواعد الديبلوماسية المصرية التقليدية والمترسخة في وزارة الخارجية. وتحرك أخيراً وزير الخارجية محمد كامل عمرو، فزار أثيوبيا، وبدأ في ايجاد أرضية مشتركة يمكن بدء الحوار والتفاوض عبرها، بعد طول خصومة واختلاف صنعتها الإدارة المرتبكة للأزمة، وهو ما تجلى في ذلك المؤتمر الذي حضره «الإخوان» وألقى فيه مرسي كلمة عن أهمية نهر النيل لمصر، متسائلا لأنصاره «هل أنتم مستعدون؟»، في إشارة إلى إمكانية خوض حرب مع أثيوبيا.
ورغم تلوّن السياسة الخارجية لمصر في عصر مبارك بتوجهاته، إلا أن الثابت هو أن الديبلوماسية المصرية تزخر بكوادر بارزة في إشكاليات التفاوض والمباحثات. ولعل الماراثون التفاوضي الذي خاضته مصر مع إسرائيل لنحو ثماني سنوات لاستعادة طابا في سيناء، أبرز دليل على ذلك، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات حول رغبة «الإخوان» في تجريف مثل هذه الكوادر الدبلوماسية وإحلال قواعد أخرى تابعة للجماعة.
زار مرسي خلال العام الماضي 17 دولة ، ثلثها تقريباً دول عربية وأفريقية (اثيوبيا، أوغندا، السودان، قطر، السعودية).
أما الدول الأخرى فكانت الولايات المتحدة وألمانيا والبرازيل والهند وباكستان وروسيا وبريطانيا والصين وإيطاليا والهند وبلجيكا وإيران.
وقد كان لعصام الحداد الدور الأكبر والوحيد أحيانا في ترتيب الزيارات المهمة، فيما ذهب حسن مالك لترتيب زيارة واحدة (البرازيل).
ولعلّ الوقوف على تفاصيل بعض تلك الزيارات يمكن أن يرسم ببساطة إستراتيجية وأهداف مرسي وجماعته فيما يخص إدارة العلاقة مع الخارج.
تمثل العلاقة بين «الإخوان» ونظام الحكم في قطر علامة أساسية من علامات مرحلة ما بعد الثورات العربية، وأسفرت زيارة مرسي للدوحة، التي كانت واحدة من الزيارات القليلة التي استقبل فيها استقبالاً ديبلوماسياً لائقاً، عن اتفاقات اقتصادية، من بينها وديعة بقيمة ملياري دولار، لكن هذه الاتفاقيات فتحت باب الحديث عن الطموح القطري في مشروع تنمية قناة السويس.
الاتفاقات الاقتصادية هي الإنجاز الذي حققه، في زيارة مرسي للبرازيل، التي قام بتنسيقها حسن مالك رجل الأعمال الإخواني وأحد موردي وحافظي المال لهم. فلم يكن بالتأكيد جهد حسن مالك فى الترتيب للزيارة إلا لأسباب اقتصادية تتعلق بنشاط الجماعة.
على المستوى الاقتصادي، حصلت مصر من زيارة مرسي للصين على 300 سيارة شرطة و70 مليون دولار، أما الاتفاقات الاستثمارية التي تمت بين رجال الأعمال المصريين (80 رجل أعمال سافروا مع مرسي) ورجال الأعمال الصينيين فقد تجاوزت أربعة مليارات دولار، ويتضح هنا قوة الدفع بالنخبة الرأسمالية الإخوانية الجديدة لتملأ كروشها وجيوب الجماعة مستغلة زيارات مرسي الخارجية.
أما العلاقة مع إيران فتبدو واحدة من ألغاز «الإخوان» الخارجية التي تنفك عقدها يوماً بعد الآخر، فبعد تبادل رئاسي للزيارات بينه وبين الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد إلى القاهرة وطهران، لحضور تجمعات إقليمية ودولية، بدا للبعض أن هذا تقارب مثير بين البلدين، وربما يكون موجهاً بالأساس إلى الولايات المتحدة، لكن تراجع مرسي السريع عن التقارب مع إيران، لا بل قوله إن الصراع في سوريا هو صراع مذهبي بين السنة والشيعة، وليس صراعاً سياسياً، أو حتى إقليمياً، جاء ليؤكد أن ما كان يحاول أن يفعله مرسي في علاقته مع إيران هو على سبيل التجريب والتحرك بعشوائية من دون أي تخطيط، بينما بدا انحيازه واضحاً مع المعارضة المسلحة في الحرب المشتعلة في سوريا نصرة لـ«إخوان» سوريا، ما يؤكد أن السياسات الخارجية في هذا الإطار لا تستهدف سوى تحقيق مصلحة الجماعة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018