ارشيف من :أخبار لبنانية
«قلعة» الحريرية تشكو ظالمها البــاريسي
نسرين حمود - صحيفة "الاخبار"
بعد الحرمان الشيعي والإحباط الماروني، استُهلت قراءة فصل «الطائفة المظلومة» في كتاب «ملل لبنان المتنابذة». حاملو الهوية السنية يحمّلون ممارسات حزب الله مسؤولية وهن أحوالهم علناً، إلا أنهم يسرّون في مجالسهم بأنّ زعيمهم «يبدع» في «خنقهم».
فيما يردّد المصلون «آمين» إثر دعاء الشيخ بهزيمة «الطاغية» في سوريا في خلال الصلاة، ترسم تلك الزاوية القابعة في شارع عفيف الطيبي الخيارات السياسيّة، حيث تغطّي الإشارة الدالة على موقف خاصّ بمعوق راية سوداء مدوّن عليها لا إله إلا الله تُعرف بـ«راية العقاب» كانت ترفع زمن الرسول حتى سقوط الدولة العثمانية، يعلوها علم المعارضة السورية، وتجاورهما صورتان: الأولى لـ«دولة الرئيس سعد الحريري شاء من شاء وأبى من أبى»، والثانية تجمع الشيخين أحمد الأسير وداعي الإسلام الشهال.
هنا، الطريق الجديدة. وهنا، يبكي البعض أحمد الأسير. وهنا، يتعاظم الإحساس بأن المقص «الغادر»، وبعد أن قلّم الأظفار وطاول اللحى، ينحو نحو «تهديد المصير». وهنا، يسقط شعار «لبنان أولاً»، فلا تجد أحداً يتذمّر من تمديد النواب بأنفسهم لأنفسهم لـ17 شهراً، في ظلّ نهج إقفال «سعادتهم» البيارتة أبوابهم في وجوه ناخبيهم، بينما تشخص العيون لتتبع مستجّدات الزلزال السوري. وهنا، يصطدم مشروع «العبور إلى الدولة» بالأمن الذاتي الذي لم يعد سراً دفيناً. فمشهد الحسناء التي تنزّه كلبها الضخم في يوم مشمس، يحجب خلفه مجموعة من الدرّاجات النارية تجوب المنطقة مساءً بحثاً عن «حركة مشبوهة»، وعنصراً في مخفر المنطقة يقنع كلّ من يؤمه للشكوى عمّا يواجهه بحلّ الأمر «حبياً» بعيداً عن الطرق القانونية...
«نحن مجموعات تشكّلت بالأمليّة والهمشرية إثر أحداث 7 أيّار وما تلاها من إدارة الظهر لنا، يبلغ مجموعنا نحو 150 مسلّحاً، كلّ مسؤول مجموعة (نحو 22 شاباً) يتصرّف بما يراه مناسباً، بعضنا لا يزال يحتفظ بأسلحة من خير «أبو عمّار»، فيما بعضنا الآخر اشتراها من ماله الخاص»، يقول الرجل الخمسيني، موضحاً أن «ثمة اتفاقاً ضمنياً على أن كل المواجهات الداخلية تحلّ بمنطق «أولاد المنطقة»، باستثناء حال إطلاق النار حيث يسلّم المعتدي لقوى الأمن». وبعد أن يقرّ بأن الحركة متوترة للغاية اليوم بعد أحداث مربع عبرا الأمني، «ونعمل على تنفيس الاحتقان الذي ينتاب الشباب والتشنج الذي بات سمة الشارع»، يؤكد: «نحن واعون للفخ الذي أُسقط فيه الأسير ولن ننصاع إلى مواجهة مع الجيش لإرضاء من كانوا خلفه في عبرا». ثم يردف: «المشكل مع الجيش ورتة (إرث)، والجيش نصفه نحنا». ولكنّ الرجل الذي يعرف نبض الشارع، يتحدث بصراحة تامة: «الله يرحم شهداء الجيش، والله يرحم شهداء الأسير أيضاً فهؤلاء مسلمون، إلا أن القضاء على هذه المظاهر يجب ألا يطبّق في صفوف جماعتنا حصراً، عسكر علينا بس!».
أحداث مربع الأسير الأمني ليست سوى بوابة للدخول إلى جمع ما عاد غافلاً عن وضعه المزري وهزالة تمثيله. «الله حريري طريق الجديدة»، أهزوجة لم تتردّد منذ مدة في الأرجاء، وأحد لم يعد يعوّل على «الشيخ» الغائب عينياً ومادياً عن «القلعة البيروتية»، تلك النابتة على كثبان رملية، وتتأكد يوماً بعد يوم زعزعة ثوابتها. من العروبة والاعتدال ونبذ العنف إلى الزاروب والعصبية، تحصد الطريق الجديدة بذور مشروع ضيق الأفق لم يعد يقوى على حجب الشمس. وإذ تطول «المرثيات» التي تنعى زعامة الرئيس سعد الحريري «الباريسي» سراً، يدرك كثيرون أنّ «الأسلم» اليوم هو الحفاظ على صورته، ولو شكلياً، تلافياً لخسارة التوازنات في اللوحة الطائفية.
«تُعاقَب الطريق الجديدة حصراً في بيروت على مواقف الحريري وتحالفاته من قبل حركة أمل وحزب الله، ولا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي إزاء الأمر. التعدي علينا مرفوض، ولن نجعل بيوتنا مستباحة، علماً بأنّه لطالما كنّا نقوم بردّ الفعل على ممارسات الآخرين»، يقول الرجل الذي عاصر تقلّبات المنطقة التي توالت عليها الصفعات، ولا تزال. يتساءل بحنق: «في حال حصول مواجهة مع «حزب الله» أو من يدور في فلكه، هل يتبنّانا «المستقبل» وزعيمه؟». ويجيب نفسه: «بالطبع، لا! فهو تركنا سابقاً (7 أيار) في موقف مذل تمنيت في خلاله لو تأخذ عاهرات سايغون بيدي لينتشلنني من محنتي! سعد ليس ابن أبيه، وهو لم يظهر يوماً أنّه داعم للسنّة ولا تغيب مناسبة من دون أن ينبذ جمهوره الحقيقي ويتجه للصوص، ولو أنّه لا يجد مكاناً ترفع فيه صوره إلا في الطريق الجديدة»، مضيفاً: «نحن مسلمون لبنانيون، لدينا غيرة على الدين، من دون أن يعني الأمر «تكسير عتبات الجوامع!»، إلا أن الحريري يجنح في خياراته ومواقفه نحو استعداء طائفته أولاً، في ظلّ تركيبة يشدّ كلّ ممثليها أزر جماعاتهم».
وإذ تتعدّد «المجموعات»، ويعمل بعضها بمنطق أهلي، يموّل بعضها الآخر من قبل كلّ من يجد في هذه البيئة الاجتماعية خصوبة لبراعم «أمن السنّة» و«خطر حزب الله»، والأسير قبل فراره كان ناشطاً على هذا الخط أخيراً، إلا أن أهميته البيروتية لا تتجاوز استحسان مواقفه المناوئة لحزب الله، حتى من قبل أنصار «المستقبل». والمعلومات المتوافرة أن من كانوا ينضوون تحت لواء «دولاراته» قليلون في هذا المحيط الذي يشكّل بيئة أمان للنازحين السوريين. هنا، يغيب الدور المقرّر للسلفيين، في ظلّ قنوات هؤلاء المعروفة والمحدودة، ويشيع أن من لبوا نداء الجهاد للالتحاق بـ«الجيش السوري الحر» من شبان المنطقة لم يتجاوز العشرات، وقد تمّ الأمر بصورة مبكرة وقبل دعوة الأسير ومعركة القصير. ولكن، يُلاحظ أن النزوع العام لدى أبناء المنطقة يندرج في الفترة الأخيرة في إطار أدلجة التدين، بعد أن كان هذا الأخير شعبياً وعفوياً ورحباً. فحين بارح الأهالي موقفهم كجزء من الأمة وتحوّلوا إلى طائفة بالمعنى اللبناني نتيجةً لتأثيرات الـ2005، تبدّلت طقوسهم، ما انعكس على ممارساتهم الشخصيّة. هنا، تتدثّر رؤوس الفتيات اللاتي لم يتجاوزن سن الرشد بالأوشحة الملوّنة في مشهد يبدو جديداً، وخصوصاً أنّه يتردّد في أوساط لا تتصل بتيارات سلفية، وتسمع أن نسوة كثيرات يهاتفن إذاعة القرآن الكريم للسؤال عن فتاوى. تستوقفك تلك الدعوة الفائتة والمستهلة «بمشيئة الله سبحانه وتعالى» إلى مؤتمر صحافي بعنوان «ما يسمّى الزواج غير الديني (المدني) عقد سفاح» المثبتة على الجدار، فيما تقرأ أن شاباً يدير صالوناً حديثاً يروّج لخدماته في مجال الحجامة «سنّة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم»... وكلّها في بيئات «معتدلة»، عرفت دوماً بممارسة شعائرها، ولكنّها لم تعد تكتفي بهذه الأخيرة، في ظلّ وهم «الخطر الشيعي المحدق بها»، والشعور بـ«الغبن» الذي ينتابها.
في كيان يشكّلون فيه الطائفة الأكبر عددياً والشريك الرئيسي في النظام السياسي وأسياد بعض «الكارتيلات» الاقتصادية المتفق عليها ضمن الصيغة اللبنانية، وفي محيط عربي يشمل شمال أفريقيا والجزيرة العربية والشرق الأدنى، ليست مبالغة استعارة مثال «دود الخل منه وفيه»، في مقابل صفتي «الظلم» و«الغبن» اللتين تتردّدان. وربما نفع استذكار مقولة الراحل صائب سلام أن «السنّة بخير، حين تكون رئاسة الوزراء ودار الإفتاء والمقاصد بخير»، ولا داعي للتذكير بمن ضلع في «تفريغ» هذه المؤسسات، وخصوصاً الأخيرتين من مضامينها الوطنية.
السنّة بخير حين تكون رئاسة الوزراء ودار الإفتاء والمقاصد بخير (صائب سلام)
--------------------------------------------------------------------------------
اعتدال احتكاري
يشرح الباحث في علم اجتماع المعرفة د. فؤاد خليل أن «الاعتدال، الذي يرفعه الرئيس سعد الحريري، عنوان إيديولوجي يحجب مشروعاً سياسياً قائماً على احتكار التمثيل السني؛ إذ يمارس هذا الاعتدال بطريقة إلغائية أو إلحاقية لمكوّنات الطائفة الأخرى التي يحدّد لها ممثلين تحت جناحه أو تقصى، مضيفاً أن «فكرة «الخورجة» أي تحميل مسؤولية كلّ ما يصيبه للآخرين، سواء أكانوا داخليين أم خارجيين تبرز في أدبياته».
ويشير إلى «أن لحظة الحراك العربي، وخصوصاً السوري، أيقظ في نفوس السنّة الدفين الإيديولوجي السياسي، فرأوا فيه لحظة مواتية للاستثمار في مجال بناء حكم إسلامي سني، ولو مرحلياً، ودفع إلى استنباط التيارات السلفية، وهذه الأخيرة تضطلع بوظيفة تعميق وترسيخ الشحن المذهبي في النسيج اللبناني».
وهو يعرّف التدين الإيديولوجي بالمذهب الذي يتحوّل إلى مشروع سياسي، ما يرتّب تحديداً للممارسات الشخصيّة والعلاقات مع الآخرين، من مسلمين وغير مسلمين. وهو يعزّز شعور أصحابه بأنّ دينهم هو الحق ويجب إقصاء الآخرين المختلفين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018