ارشيف من :أخبار لبنانية
أمر عمليات ريفي: فتنة طرابلسية ـ زغرتاوية
غسان سعود - صحيفة "الأخبار"
لم يسقط سهواً تحريض اللواء المتقاعد أشرف ريفي لقادة محاوره الطرابلسيين على زغرتا. سبقته بأسابيع تسريبات إعلامية «معلوماتية» الهوى. لم يعد يكفي تيار المستقبل خطوط تماسه السنية ــ الشيعية والسنية ــ العلوية، يحب المستقبليون التنوع
في الشمال اللبناني ثمة بلدتان كبيرتان، بعيدا عن مدينة طرابلس، تضجان بالحياة، هما زغرتا والقبيات. فتك المسلحون، الذين يبرر تيار المستقبل أفعالهم بذرائع مختلفة، بالأمن الطرابلسي واستقرار عاصمة الشمال أولاً، كما كانوا يخططون للفعل بعاصمة الجنوب أيضا. ثم خاض القائد الميداني السابق لقوى ١٤ آذار النائب خالد ضاهر حملة تحريض شنيعة ضد القبيات. وها هو القائد الميداني الحالي لهذه لقوى اللواء المتقاعد أشرف ريفي يعلن أول من أمس أمر عمليات هذا الصيف ضد زغرتا هذه المرة. كأن قوى «حب الحياة» ما عادت تطيق الصخب المدني ولا زحمة القرى المماثلة لإهدن والقبيات صيفاً، وتريد لكل المناطق دخول الصراع العسكري والمعاناة من الخواء الاقتصادي. تعلّم سياسيو هذه القوى من سلفييها الذين يكفّرون خصومهم مذهبيا لتبرير قتلهم، فبدأوا تكفير خصومهم سياسيا لتبرير قتلهم أيضا.
يقول ريفي لمن يحاصرون جبل محسن عبثا منذ عامين ويُقتل لهم في كل مواجهة أضعاف من يقتلونهم، إن قوة المحاصرين وأسلحتهم ترابض في زغرتا: تضيعون هنا وقتكم ودماءكم، ما لم تذهبوا إلى هناك أيضا. وكثيرون مع الأسف يصدقون حتى لو كان ما يقوله ريفي غير صحيح ولا منطقي ومستحيلاً. يصدقون أن من يدكون منازلهم بالقذائف ردا على رصاصهم إنما يأتون بالمدافع والذخيرة من زغرتا. يصدقون أن طائرات سورية وإيرانية وروسية تنزل صواريخ يوميا في محمية إهدن. يصدقون أن خنادق بطول ٢٠ كلم تربط جبل محسن بزغرتا، تحت التلال والوديان تمر والأحياء السكنية المكتظة والبلدات. يصدقون أن ريفي وفرعه للمعلومات كانوا سيضيعون صيد مخازن السلاح الثمينة لو شكوا بوجود مثلها في زغرتا. ويصدقون أن السلاح يتدفق عبر الحدود الزغرتاوية ــ السورية من معبري بشري ــ دير الأحمر ــ بعلبك والضنية ــ المنية ــ عكار. وما على المشكك بكل ما سبق من أهالي طرابلس سوى سؤال رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض الذي لم يستنكر على عجل إعلان ريفي الحرب على زغرتا ودفعه باتجاه قتال أهلي.
ما فعله أشرف ريفي يمثل، بحسب إحدى مرجعيات زغرتا الدينية، تحريضاً استثنائياً لمدينة على مدينة وطائفة على طائفة لم يسبق الموظف الذي ما زال يقبض أجر تقاعد من الدولة، أي مليشياوي إليه. وكان يمكن أهالي زغرتا ومرجعياتها المرور عليه مرور الكرام لو لم يكن الرجل آمر عمليات تيار المستقبل وربان سفينة قادة المحاور الطرابلسية.
وبعيدا عن «معلومات» ريفي الجغرافية والعسكرية، يفصل فعليا بين جبل محسن وزغرتا معقل ضخم لنفوذ تيار المستقبل والمجموعات السفية المرتبطة به اسمه القبة. ومنطقة القبة ليست حديقة عامة أو مجمعاً يمكن حفر خندق تحته، إنما هي التجمع السكاني الأكبر في مدينة طرابلس. وبين القبة وزغرتا هناك طريقان بطول نحو ١٠ كلم: يمر احدهما بالثكنة الأكبر للجيش اللبناني في طرابلس، ويشق الثاني بلدة مجدليا التي توطد القوات اللبنانية وجودها فيها منذ ٣ سنوات. ويزدحم سوق زغرتا يوميا بالزبائن الطرابلسيين، كما لا يجد قاصد مقاهي بحيرة بنشعي عصرا كرسيا واحدا لكثافة الطرابلسيين، فيما يتجاوز عدد اللاجئين السوريين إلى قرى زغرتا عدد الزغرتاويين المقيمين فيها. وعليه كان يمكن أهالي طرابلس ملاحظة طرف خيط لاختراع تيار المستقبل الأخير. أما الأهم من كل ذلك فهو عدم امتلاك تيار المردة تنظيماً عسكرياً أو أمنياً يمكنه إسناد حلفائه في السياسة أو مدّهم بالسلاح.
في زغرتا أمس كانت الزحمة على حالها في السوق صباحا: يقف التأثير السلبي للتوتر الطرابلسي عند حدود مجدليا، فتكاد لا تشعر به المدينة التي تستفيد دورتها الاقتصادية من الاقفال الاقتصادي الطرابلسي ونزوح كثيرين شرائياً صوب أسواقها. لم يسمع الكثيرون ريفي مباشرة لكنهم جميعا سمعوا عما قاله. ولا تهمّ التفاصيل، تقول سيدة في متجر لبيع الورود: المهم أنهم يحرّضون الطرابلسيين علينا. و«هم» هنا، تعني تيار المستقبل حصرا. ليس في البلدة استنفار أمني ولا عسكري أو حزبي أو حتى تعزيزات للجيش. وفي مقاهي إهدن يدور التبصير عصراً لمعرفة إن كان تحريض ريفي رسالة أمنية أم سياسية. لكن لن يتوقف أحد عن الذهاب الآن إلى عمله في طرابلس أو يتوقف عن سلوك طريق زغرتا ــ أبي سمرا ــ طرابلس للوصول إلى البترون أو بيروت الأقرب من طريق زغرتا ــ الكورة. مع العلم أن المراجع الأمنية لم تسجل أي حادث ذي خلفية سياسية أو مذهبية بين زغرتاويين في طرابلس أو العكس، أو حوادث اعتداء على سوريين في زغرتا، منذ أكثر من عام. وتخلص التعليقات الإهدنية إلى تحميل تيار المستقبل كل عنف سيتعرض له زغرتاوي من الآن وصاعد حيثما كان ولأي سبب كان. ثمة من يُعدّون لصيفهم هانئين، «مقرّصين» الكبة و«مكيتين» العرق في الأباريق، يجدون من «يتبلّى» عليهم ويحرض.
ما تستصعب النقاشات الشعبية فهمه، تستصعبه الصالونات السياسية الزغرتاوية أيضا. إلا م يرنو الحزب الأزرق؟ ماذا يفعل أشرف ريفي ورفاقه؟ كلما خسروا معركة ازداد جنونهم وتهورهم. لا يبالون بشيء. ورثة رفيق الحريري يعملون على تدمير لبنان مجددا للعودة إلى السلطة. بعد إقامة تيار المستقبل خطوط تماس داخل «بيئته الحاضنة» وترويعه معارضيه ومحاصرته منازل رؤساء الحكومات بالاعتصامات و«تظاهرات الغضب» السلفي، أنشأ خطوط تماس سنية شيعية يسارا ويمينا وبقاعا وجنوبا لم يكن أحد يتخيل إمكان نشوئها، وها هو يحرض على الجيش قبل الظهر ويحول الصراع السياسي المشروع بعده إلى تحريض للسنة على المسيحيين «محركشا» بفتنة بُذلت جهود هائلة لوأدها. يحتاج تيار المستقبل إلى من يردعه فورا، تصريح كتصريح ريفي التحريضي الأخير يمكن أن يقود إلى كارثة بين زغرتا وطرابلس. طرابلس التي يكفيها ما فعله قادة محاور أشرف ريفي فيها، وزغرتا التي عمل رئيس حزب القوات سمير جعجع كل ما يمكنه لحصارها من الكورة وبشري والضنية فحافظت على منفذها الطرابلسي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018