ارشيف من :أخبار لبنانية
أحمد الأسير ليس رفيق الحريري
غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"
تقف صيدا بعد المعركة العنيفة بين الجيش اللبناني ومسلّحي أحمد الأسير على مفترق طرق مفصلي، فإمّا أن تنجح القوى السياسية الوازنة داخل المدينة في تخفيف التوتّر والعمل على عدم تأجيج النفوس، وإمّا أن تستمرّ بعض هذه القوى في «الاستثمار» السياسي لما جرى، الأمر الذي يزيد الاحتقان المذهبي ويدفع الأمور نحو مزيد من الشرخ بين أهل المدينة ومحيطها.
إنتهت "ظاهرة" أحمد الأسير، ولم تنتهِ بعد عمليات الشحن المذهبي. محاولات تصوير المعركة التي حصلت على أنّها "اعتداء" من "حزب الله" على أهالي صيدا ماضية على قدم وساق.
إنكفأ الأسير وتقدّم نحو الواجهة كلّ من تيار "المستقبل" و"الجماعة الإسلامية". والضخّ الإعلامي الممنهج يريد ترسيخ القناعة لدى الصيداويّين بأنّ هزيمة الأسير تعني هزيمة للمدينة وأهلها.
ثمّة قوى سياسية تعمل على التهدئة وتفشيل الجزء الثاني من بنيان الفتنة. الشيخ ماهر حمود، و"التنظيم الشعبي الناصري"، والشيخ عبدالله الترياقي، وغيرهم من القوى المعتدلة داخل صيدا يعملون في اتجاه وضع الأمور في نصابها من دون مبالغات وتضخيم.
قد يميل المزاج الصيداوي العام إلى رواية "المستقبل" و"الجماعة"، لكنّ جزءاً وافراً من المدينة يعتبر أنّ إمام ما كان يسمّى مسجد بلال بن رباح أخطأ وارتكب جريمة بحقّ الجيش اللبناني ودفع ثمنها.
أحمد الأسير ليس رفيق الحريري، يقول أحد وجهاء المدينة، والجيش اللبناني أنهى ظاهرة متطرّفة كانت تهدّد نسيج صيدا الاجتماعي وتنذر بضرب علاقاتها بالجوار. ثمّة من يعمل على استئناف ما انتهى إليه الأسير، ويريد أن يأخذ دوره ويحلّ محلّه".
والخطورة تكمن في كمّية التحريض المذهبي الذي تولّته الماكينة الإعلامية لتيار "المستقبل" بمواكبة "الجماعة الإسلامية"، وذلك من خلال بثّ إشاعات تصوّر ما جرى بأنّه 7 أيّار صيداوية نفّذها "حزب الله". في حين يعرف الجميع الرواية الكاملة للمعركة، وكيف أعدِم جنود الجيش على مرأى جيران الأسير، وكيف اندلعت المعركة.
القوى التي تحرّض على "حزب الله" لا تستثني الجيش أيضاً. ثمّة كلام آخر يقوله مسؤولو "المستقبل" و"الجماعة"، يختلف عمّا يقولونه في الإعلام بحقّ الجيش. وإذا ما استمرّ هذا المناخ ستعود إلى صيدا أجواء التوتّر والشحن، وربّما الصدام.
المدينة تضجّ بالشائعات والأخبار المغلوطة حول ما جرى وما يجري وما سيجري لاحقاً. هناك سباق بين إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بروز حال الأسير وانتفاخها، وبين الهروب الى الأمام ووضع المعركة في سياق المواجهة المفتوحة ضد "حزب الله". والسلاح المستخدم بطبيعة الحال هو سلاح الإثارة المذهبية وتسعير الغرائز والعصبيات.
في المقابل، بادر "حزب الله" إلى إخلاء الشقق التي كانت عنوان صراخ الأسير ونبرته العالية، إلى جانب جملة من التدابير يرى الحزب أنّ من شأنها تخفيف الاحتقان وتفويت الفرصة على من يعمل على "تدمير المدينة". لا شكّ أنّ الحزب مرتاح لانتهاء ظاهرة الأسير العدوانية تجاهه، لكنّه يحرص على التصرّف بمسؤولية، ويضع مخطّطاً عمليّاً لمواجهة "دعاة الفتنة والضخّ المذهبي".
وفي هذا السياق، عمّم الحزب على جميع مناصريه ومحازبيه تجنّب أيّ استفزاز أو صدام أو احتكاك، وعدم الردّ على أيّ نوع من الاعتداء المعنوي أو حتى المادي. فالحزب يعتبر أنّه جزء من النسيج الصيداوي، ويرفض عمليّات الفرز والضمّ وتصنيف المواطنين.
وهو جادٌّ بحسب المعلومات المتوافرة في التعاون مع الجيش والقوى الامنية على تطويق ومعالجة أيّ حادث أو اعتراض أو استفزاز. وهو يشجّع الدولة على الإسراع في صرف التعويضات للعائلات المتضرّرة جرّاء المعركة، ويدعم جهود المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم للشروع بهذا الأمر سريعاً.
فاللواء ابراهيم الذي زار المدينة والتقى رموزها وفاعلياتها بتكليف من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في وسعه أن يلعب دوراً كبيراً في ترتيب الأوضاع وتهدئة الأمور ودعوة القوى في صيدا إلى التلاقي والحوار ومنع الفتنة والصدام، وذلك نظراً إلى الثقة والعلاقة الطيّبة التي تربطه بكلّ القوى هناك، ومنها أيضاً القوى والفصائل الفلسطينية التي تثق بالرجل وتعتبره ضماناً وصمّام أمان.
تحتاج صيدا بعد جريمة الأسير بحقّ الجيش إلى معالجات مستندة إلى نيّات إيجابية ورغبة بعدم تكرار مشهد الدمار الذي حلّ بمنطقة عبرا. وغالب الظنّ أنّنا في سباق بين من يريد البناء على ما جرى لمنع تكرار المأساة، وبين من يستثمر في الدماء كما العادة، لأجل مكاسب ومشاريع سياسية أكبر من صيدا وجوارها وربّما أكبر من لبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018