ارشيف من :أخبار لبنانية
ما بعد «المربّع»: سقط الأسير.. عاشت بهيّة و«الجماعة»
لينا فخر الدين - صحيفة "السفير"
قبل أن تختفي بصمات أحمد الأسير عن «مسجد بلال بن رباح»، كان «الشيخ الفار» «يسحب البساط» من تحت أقدام المرجعيات السياسية في صيدا، حتى كاد «الفنان التائب» فضل شاكر وكلّ مناصريه، يلقون «عباءة زعامة» صيدا على كتفيه.
مع كلّ حجر كان يضعه الأسير داخل مربعه الأمني، كان التوازن السياسي يتضعضع في «عاصمة الجنوب». وكلّ موقف «أوفر دوز» في وجه «حزب الله» كان يحرّر «شيكاً على بياض» لمزيد من المصفّقين لـ«حساب عبرا».
لا تنكر المرجعيات السياسية في المدينة أن «الشيخ» عرف كيف يترجم هواجس الشارع بلغة محكية، وكيف يقوم بتعبئة «ناجحة»، ينمي فيها الخطاب المذهبي.
بالطبع، لم يكن إمام «مسجد بلال بن رباح» يغرف من صحن الأمين العام لـ«التنظيم الشعبي الناصري» أسامة سعد، ولم يكن «يأخذ من درب» رئيس بلدية صيدا السابق عبد الرحمن البزري، أو مؤيدي إمام «مسجد القدس» الشيخ ماهر حمود.
أغلب المناصرين الذين أرخوا لحاهم وراحوا يصرخون «بالروح بالدم نفديك يا أسير»، كانوا ممن عاشوا على مدى أيامٍ طويلة تحت «السما الزرقا».
وبعد أن اختفى الأسير عن العيون، واندثرت منظومته العسكرية، بدأت صيدا تنفض الغبار عن نفسها، وانخرطت قياداتها في إعادة «تأهيل» خط التوازنات السياسية على خريطة المدينة. كلّ واحد من هؤلاء يحاول إعادة رسم مساحة حضوره. لكن لا أحد منهم قادر على رسم خريطة طريق لـ«ما بعد الأسير».
فإمام «مسجد بلال بن رباح» ما زال حياً يرزق في عاصمة الجنوب.. المدينة تعيش في ظلاله. الاصطفافات بين من هم مع «الشيخ الفار» ومن هم ضده في أوجها، لا بل تضخّمت. البعض بدأ يرفع سقف خطابه السياسي لاستقطاب «السنة المستضعفين»!
مواجهة «الأسيرية السياسية»: الخوف من التطرّف
يدرك كلّ من سعد والبزري وحمود أنهم لا يستطيعون «لمّ» الحالة الأسيرية، فهم أصلاً في «خندق المقاومة» التي كان يهاجمهما الأسير ليلاً نهاراً، ومشى خلفه بعض «الصيادنة» بالخطاب التحريضي المذهبي، في حين أن هذه الشخصيات لا تتقن عبارات «القاموس المذهبي».
يؤكد سعد أن «هذا الخطاب، إلى جانب الرعاية السياسية والإعلامية والأمنية من جهات إقليمية ـ دولية (خليجية ـ أميركية) من دون استبعاد العامل الإسرائيلي، إضافةً إلى الاحتضان المحلي، شكّلت ظاهرة الأسير»، لافتاً الانتباه إلى أن «الأسير كان يتحدّث خطاب «المستقبل» نفسه، لكن بوقاحة».
ويعتبر سعد أن «وزارة الداخلية لعبت أيضاً دوراً في تنمية قدرات الأسير بتشريع مربعه الأمني».
ينزعج من النعرات الطائفية الدخيلة على صيدا، و«النغمة الجديدة» بأن السنّة أقلية. يرى سعد الأمور من منظار آخر: كيف يكون السنّة أقلية وهم يعيشون في «بحر سني»؟ مشدداً على أن الدفع بهم إلى هذا الاتجاه هدفه حرف الأنظار عن الأولويات، أي مجابهة الاحتلال الإسرائيلي، والقوى الدولية والإقليمية التي تحاول بث الفتن، والحفاظ على السلم الأهلي، إضافةً إلى متابعة الأمور المعيشيّة».
ببساطة، لا يريد سعد أن نعيش في حكم «الفاشية»، باسم الدين، التي تتمّ رعايتها عن بُعد، أو استخدام البعد المذهبي لفرض هذا الرأي أو ذاك.
ما يقوله سعد يردّده الشيخ حمود الذي يرى أن ما يجمع الأسير بـ«المستقبل» هو العداوة لـ«حزب الله» والنظام السوري.
وبالرغم من أن إمام «مسجد القدس» لا يترك مناسبة إلا ويعلن تأييده «حزب الله»، غير أنه قادر على رسم مسافة بينه وبين الحزب، وعلى رفع الصوت إذا لزم الأمر.
الشيخ، الذي انتقد «حزب الله» لمشاركته في القتال في القصير، لا يريد أن يقع بعض كوادر «المقاومة» في الداخل بأخطاء «المقاومة الفلسطينية» من خلال الغرور والتكبّر. وهو إذ لا يغضّ الطرف عن بعض أخطاء الحزب، يعرف أن ما يحكى عن تصرفات الحزب في صيدا مبالغ فيه إلى حدّ كبير، ويتمّ استثمارها سياسياً بطريقة رخيصة، مشيراً إلى «أننا ننسى أن ما كان يحضّر لـ«حزب الله» يؤكد أنه معتدى عليه وليس صحيحاً أنه معتد، كما يحاول البعض تصويره».
لا يشكّ حمود بأن السيد حسن نصر الله، وكلّ قيادات الحزب، يرفضون تصرفات كهذه، لكنه يدرك «أننا نحتاج إلى عمل حثيث حتى نستطيع أن نغيّر العقل الجمعي للسنة تجاه الشيعة، في ظلّ هذا الكمّ من التحريض الإقليمي وحتى العالمي».
هذه الأخطاء التي يلمّح إليها إمام «مسجد القدس»، تدلّ عليها أصابع شخصيات صيداوية متابعة. بعض التصرفات التي حصلت بعد سقوط «المربع الأمني للأسير» في قبضة الجيش، كادت تطيح بـ«نجاح العسكر» على الأرض، ومنها رفع علم «حزب الله» و«حركة أمل» على شرفة أحد المباني، قبل تسليم «الشقق» إلى الجيش.
حادثة الأعلام عولجت على الفور من قبل الجيش، واتصالات قام بها سعد وحمود مع قيادات «الحزب» و«الحركة»، في حين تؤكد الشخصيات المتابعة أن ما حصل كان قراراً فردياً وليس حزبياً.
في الشارع، تبدو اللهجة أخطر. يتذكّر البعض ما عاناه تجّار صيدا من تحركات الأسير، في حين أن قسماً كبيراً منهم أقفل محاله اليوم حزناً على «سقوط الأسير».
التعاطف قد يتمظهر بعد تشييع الصيداويين الذين قاتلوا ضد الجيش في «المجمّع»، إذ انهم ينتمون إلى عائلات لها وزنها على الأرض (كالحريري، السوسي، الزعتري، البابا..)، فأذهان عائلات القتلى معلّقة على فكرة واحدة: «حزب الله اغتال أبناءنا»!
بعض القيادات الصيداوية يرصد هذه المظاهر اليومية. فهم يعرفون أن الجوّ الأسيري ما زال موجوداً، وإن كان بلا «قائد». يخشون إيجاد «رأس جديد» أو انغماس عدد من مناصري الأسير والذين هربوا من قبضة الجيش في التطرّف بشكل أكبر، ليصيروا مع الوقت على شاكلة «فتح الإسلام».
لا يبدو «تيار المستقبل» آبهاً بهذه الهواجس، ما يشغل باله هو كيفيّة وضع كلّ شاردة وواردة متعلّقة بـ«حزب الله» على «المجهر السياسي»، من دون وضعها على «الميزان» لمعرفة مدى تأثيرها في النفوس المستعرة أصلاً.
وأكثر من ذلك، فإن «مجدليون» اليوم تحاول أن «ترث» الأسير شعبياً.
«المستقبل» و«الجماعة»: السباق على «التركة»
لا يلعب «المستقبل» وحده على الأرض، بل إن «الجماعة» قد «شمّرت عن زنودها» أيضاً للدخول في السباق المحموم مع الحليف المفترض. المعادلة: مَن يصل قبل مَن، لوضع اليد على «التَرِكة».
ترفع النائبة بهيّة الحريري خطابها وتقول في نهايته «هذه المطالب ونقطة على السطر». يتنزّه الرئيس فؤاد السنيورة داخل «مجمّع بلال بن رباح» وسبابته تتجّه نحو «شقق «حزب الله». يقطع الرئيس سعد الحريري إجازته الفرنسية أو السعودية، ليصدر بياناً يساوي فيه بين الأسير و«حزب الله»، من دون أن يُسمع صوته من جديد لينوّه بإنجاز الجيش بالقضاء على «المربّع الأمني».
وفي الوقت الذي يحضّر فيه أحمد الحريري «مقاومته» لإخراج الحزب و«سراياه» من صيدا، تجمع «الجماعة الإسلامية» كلّ مجهود آل الحريري والسنيورة، وتحاول أن تكون «أشطر» في كسب الودّ الجماهيري.
كلّ ذلك، وينكر «التيار الأزرق» أنه «مايسترو» على الوتر المذهبي. يلفت منسق «المستقبل» في صيدا ناصر حمود الانتباه إلى أن «جلّ ما نريده هو الحفاظ على الجيش من خلال التشديد على معاملة الجميع سواسيّة وبعدل، فنحن لا نريد متطرفين».
ويوضح أن «الست بهيّة» كان الأكثر تهدئة خلال معركة عبرا «بالرغم من أن منزلها كان يتعرّض للنار»، وبعدها حاول «المستقبل» أن يقول الأمور كما هي على أرض الواقع وأن يخبر عن المعاناة الحاصلة».
لا ينفي «القيادي المستقبلي» أن يكون هناك تضخيم لبعض الحوادث التي يقوم بها «حزب الله»، غير أن التضخيم سيكون 5 بالمئة، في حين أن حقيقة التجاوزات هي 95». وطالب الجيش بـ«الحفاظ على نفسه من خلال الاعتراف بأخطائه والتعهّد بعدم تكرارها». وأضاف: «نحن مع الدولة والجيش، لكن لا نريده أن يكون ميليشيا».
خطاب «المستقبل» يتماهى إلى حدّ بعيد مع «الجماعة»، التي يرى بعض الصيداويين أنها خرجت عن كونها «الحركة السياسية المعتدلة»، وإن كان مسؤولها في صيدا بسام حمود يرفض هذا الكلام. ويؤكد ذلك أن «لا علاقة لها بأي تماه أو تقاطع أو حتى اختلاف مع أي طرف من الأطراف».
«الجماعة»، التي ترى أن ولادة الأسير طبيعية، على اعتبارها ردة فعل لما يقوم «حزب الله»، لا تستبعد نشوء «أسير 2» في ظلّ تصرفات «الفريق الآخر»، الذي «يتدخّل ميدانياً إلى جانب نظام ذي طابع طائفي، وإعطاء الطابع المذهبي أيضاً للخطابات، كحماية المقامات الشيعية».
ما يأخذه بسام على الحزب، يبرّره لـ«خصوم الشيعة»، ليس لشيء وإنما لأن ما يقوم به هذا الطرف هو ردة فعل على «حزب الله»!
كلّ ما يشغل بال «الجماعة»، و«المستقبل» أيضاً، هو «ألا يظن أحد أنه انتصر على صيدا والشارع الإسلامي».
بلا شكّ، أن «الأسيريين القدامى» سيجدون «حضن الجماعة» أقرب إليهم. وفي حين تردّد أن «الجماعة» احتضنت مجموعة من أنصار الأسير، ينفي حمود الأمر، ويؤكّد أنها «شائعات مغرضة» تصدرها «8 آذار».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018