ارشيف من :أخبار لبنانية
المسلّحون يتحلّقون حول المساجد... وتعليمات «من «مايسترو» واحد
جهاد نافع - صحيفة "الديار"
اذا كان العلماء «ورثة الانبياء» فهل ما يحصل في شمال لبنان بناء على توجيهات وتعليمات العلماء ينبئ بأن العلماء حافظون لهذه الوراثة العظيمة من القيم والمناقب والمبادئ، هذا ما يقوله رجل دين اسلامي لا يعرف الحزبية الدينية في تاريخه، بل يعتبر ان الانتماء الى اي حزب ديني مذهبي او تجمع او جمعية تمتهن التحريض والشحن الطائفي والمذهبي هو امعان في تشويه الدين الاسلامي وتكريس لتفتيت المجتمع وشرذمته وخدمة للصهيونية العالمية التي تعتبر ان من اهم اهدافها اشعال الفتن بين ابناء الشعب الواحد..
صحابي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا نفعل يا رسول الله، اذا كثرت الفتن، وحالات القتل؟ اجابهم النبي «عليكم بالشام، ففيها عامود الاسلام الى يوم القيامة».
هذا العالم الاسلامي الشمالي يقول ذلك للدلالة على ان العلماء المسلمين الذين علموا ودرسوا ونشروا الدين الاسلامي الحنيف الصحيح هم علماء الشام، واذا كان العلماء بالفعل ورثة الانبياء فهم اولئك العلماء الذين نبذوا الفتن وعلموا اصول الدين، اما ما يحصل في شمال لبنان وما شهدته بعض مساجد عكار وطرابلس من خطب ألقيت من على منابر نبي الرحمة تشي بأن بعض العلماء كانوا ابعد ما يكون عن تعاليم الدين الحنيف وقيم الانبياء ورسالاتهم..
خطب الجمعة يوم امس خصصت للتعبئة المذهبية ولشحن النفوس بالاحقاد تجاه «عدوين» الجيش اللبناني وحزب الله، بعض المصلين في بعض المساجد انسحبوا حين لمسوا ان تلك الخطب خرجت عن اطارها الديني ولم تعد في مضمونها الاسلامي المعتاد، في عكار كانت الكلمات تلامس الشتم وتحريض المصلين بمحو فلسطين والعدو اليهودي من ذاكرتهم ليصبح العدو الاوحد حزب الله والجيش اللبناني، حتى ان بعض الكلمات عمدت الى تشكيل محكمة حاكمت فيها حزب الله واصدرت حكمها بالادانة ووضعت شهداء الجيش اللبناني برقبة حزب الله واعتبرت ان الجيش كاد ان يكون ملحقا للحزب بل وغطاء له، وكأن فبركة الصور والافلام التي نظمتها بعض الوسائل الاعلامية هي صادقة دون التمحيص في مصداقية هذه الصور، الامر الذي زاد في استثارة الغرائز المذهبية والطائفية كي يسهل السيطرة على الشارع..
اللافت في الخطب التي القيت ممون واحد وردت فيها وكأنها تعليمات من مايسترو واحد اعطيت للخطباء، وهي التأكيد على دعوة المؤمنين الى الالتفاف حول العلماء والمراجع الدينية وعدم الانجرار الى مشاريع 14 و8 اذار والالتزام بتعليمات هذه المراجع وذلك للامساك بزمام امور المؤمنين والمصلين وتوظيفهم في مشاريعهم الحزبية الدينية وفق اجندات خليجية خارجية، فيسهل السيطرة على الساحة الاسلامية التي لا تعمل حينئذ الا وفق تعليمات هذه المراجع الدينية التي تنفذ تلك الاجندات مما يزيد في تفتيت المجتمع من جهة، وفي رفع مستوى التعبئة المذهبية من جهة ثانية.
لكن اللافت ورغم ذلك ان القوى الاصولية والاسلامية ليست واحدة ولم تستطع التوحد بقرار واحد فكل تيار من هذه التيارات له مرجعيته الخليجية والخارجية التي تعتمد سياسات لم تجد سوى لبنان وشماله ساحة لها بفعل البيئة الحاضنة الجاهزة لهذه الغرائز الفالتة من عقالها.
نهار امس خطط له ان يكون يوم غضب على غرار ما يحصل في سوريا التي اعتمدت المساجد منطلقا للتظاهرات وحولت المساجد عن رسالتها الدينية الروحية السمحاء فكانت بعض المساجد في عكار وطرابلس منطلقا لتلك الحرمات التي استجابت لها تيارات فيما رفضت قوى اسلامية معتدلة اخرى هذه الممارسات ولوحظ ان نسبة كبيرة من المسلمين المعتدلين ارادوا ممارسة شعائرهم الدينية في منازلهم وعدم ارتياد المساجد التي اعتادوا الصلاة فيها، فاقتصر الحضور على بعض المتطرفين الاصوليين فيما كان محيط المساجد مكتظا بالمسلحين الذين لم يؤدوا الصلاة بل كانوا ينتظرون الانتهاء من الصلاة لممارسة اعمالهم الاستفزازية وشعائرهم المنافية للقيم الدينية والتي اشاعت اجواء بالغة من التوتر والخوف، جعلت المواطنين يعربون عن استيائهم من تلك الممارسات التي تربك الناس وتجعل ساحات الشمال خالية من الامن والامان، سيما وان الطبقة السياسية في شمال لبنان والقيادات كافة كانت غائبة عن السمع كي لا نقول غائبة عن الوعي بحسب مرجعية اسلامية معتدلة، هذه المرجعية تقول «ان الذين امسكوا بشوارع الشمال من طرابلس الى عكار تجدهم في اليوم الثاني عند ابواب الوزراء والنواب يقبضون «المعلوم» وهم في مجملهم برعاية قادة الشمال السياسيين وخاصة في طرابلس وبات معروفا لدى الجميع ان قوى اصولية تتنعم بموازنات شهرية عدة مصادر منها خارجية ومنها محلية والمحلية هي لاهداف انتخابية ولايجاد موقع لها بين ابناء الطائفة حيث التنافس على كسب هذا الشارع او ذاك دون وعي خطورة ما ستؤول اليه هذه القوى الاصولية يوم تعلن تمردها وثورتها لتشكل امارتها المرتقبة، والدليل على ذلك ما تلمسه المواطن الطرابلسي والشمالي عموما يوم امس وفي كل مناسبة حين تخلو الساحات والشوارع من دوريات القوى الامنية لتحل محلها دوريات الدراجات النارية المسلحة والسيارات التي يظهر منها القاذفات الصاروخية فيسيطرون على مفاصل المدينة بمجملها..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018