ارشيف من :أخبار لبنانية

أولوية واشنطن في لبنان: حماية الجيش


أولوية واشنطن في لبنان: حماية الجيش


جوني منير - صحيفة "الجمهورية"


باتت العواصم الغربية على اختلافها تُبدي الكثير من القلق حيال مستقبل الوضع في لبنان، لا بل أصبحت على قناعة جدّية بأنّ الدولة اللبنانية آخذة في التحلّل سريعاً على وقع مواجهات مذهبية عنيفة تستمد ديناميكيتها من الصراع الدائر في سوريا، وسط اشتباكات متصاعدة تأخذ طابع "كسر عظم" وتنتهي على مزيد من الاحتقان والاستعداد لاشتباك عسكري آخر.

طبعاً، هذه العواصم لا تتنصّل من جزء من مسؤوليتها تجاه الوضع الذي وصلت إليه الساحة اللبنانية بسبب استخدامها هذه الساحة ممراً أساسياً الى الداخل السوري من دون الأخذ في الاعتبار حساسية التركيبة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تلوم الأطراف اللبنانيين لاندفاعهم في دخول الصراع السوري على أساس استثمار نتائجه لصالح الانقضاض على الطرف اللبناني الآخر، وتحقيق انتصار حاسم عليه وتهميشه نهائياً ضمن المعادلة اللبنانية.

وهي تعتبر أنّ الفريق اللبناني المتعاون معها ترجم خطأ الرغبة الغربية باستخدام الممر اللبناني الى الداخل السوري، واندفع بعيداً في لعبة المراهنة على التغيير في سوريا، ما أدّى لاحقاً الى كسر حواجز معنوية كانت قائمة ولو بالحد الأدنى، وبالتالي أدّى انخراط "حزب الله" علناً في الصراع السوري الى تبدّل كبير في مجريات المعارك.

صحيح أنّ العواصم الغربية لا تمانع بأن يسود "الهريان" واقع السلطة في لبنان ليَلي ذلك ولادة "الجمهورية الثالثة"، لكنها تدرك جيداً أنّ هذه الولادة لا بد أن تتزامن مع إنجاز التسوية السياسية في سوريا او "الطائف السوري"، مقروناً بتفاهم سياسي جديد في كامل منطقة الشرق الاوسط.

لكنّ المشكلة تكمن في أنّ أفق هذه التسوية لم يظهر بعد، والظروف لم تنضج، ما يعني أنّ نار الجحيم في سوريا ستأخذ مداها الزمني، وبالتالي يبقى السؤال الملحّ: هل يستطيع لبنان أن "يعيش" طوال هذا الوقت وسط انهيار مؤسّساته الشرعية الواحدة تلو الأخرى، فيما العنف المذهبي يلهب أوصاله المقطعة؟

 لذلك بدت الأوساط الديبلوماسية الغربية مكلّفة بمهمّة حصر النار في الداخل اللبناني قدر الإمكان وضخ المسكنات المطلوبة لتسكين المشاكل اللبنانية الكثيرة والكبيرة في انتظار جهوز مرحلة التسوية الاقليمية.

لذلك مثلاً، أكد كل من وزيري خارجية أميركا وفرنسا جون كيري ولوران فابيوس في قمة الدوحة الأخيرة ضرورة المساهمة في تهدئة الوضع في لبنان خصوصا أن ملامح الازمة السورية تبدو طويلة بعض الشيء. ولذلك أُدرج بند يتعلق بتجنيب لبنان الانعكاسات الخطيرة للحرب الدائرة في سوريا.

وتملك كل من واشنطن وباريس معلومات وافية عن الخلايا المتطرفة المتغلغلة في كل الساحة اللبنانية اضافة الى مقاتلين سوريين يحظون برعاية دول خليجية. وهي تدرك أن هذه الدول تريد إجهاض فعالية "حزب الله" على الساحة السورية من خلال كشف ظهره في لبنان واستهدافه. وتنقل أوساط ديبلوماسية أن رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم سُمع يردّد بوضوح خلال قمة الدوحة بأنّ "حزب الله" سيتلقى صفعة قوية خلال الايام المقبلة.

وتنقل هذه الأوساط أنّ كلا من واشنطن وباريس أبلغتا إلى العواصم الخليجية ضرورة التنبّه في طريقة التعاطي مع الملف السوري من خلال الساحة اللبنانية. وأعلنتا معارضة فتح موازنات مالية لبعض الاطراف في لبنان تلامس حجم موازنات الحرب، ولو انهما لا تمانعان حفاظ هذه الدول على مصالحها السياسية في لبنان من خلال استمرار رعايتها المباشرة للأطراف المحسوبة عليها.

لكن مع انفجار الوضع في صيدا والضغط الذي تعرض له الجيش اللبناني، سارعت هذه العواصم العربية الى ابلاغ المعنيين بأن الجيش اللبناني هو خط أحمر، كونه المؤسسة الوحيدة القادرة على ضمان مبدأ استمرار الدولة اللبنانية، وطالبت المعنيين باتخاذ الخطوات اللازمة، لحماية لجيش أولاً، ولضبط الوضع وعدم ترك الأمور تنزلق سريعاً نحو المجهول ثانياً.

إنطلاقاً من هذه النقاط، ستركّز مهمّة مساعد وزير الخارجية الاميركية وليم بيرنز على استعادة العناوين التي ما برحت واشنطن تردّدها لا سيما لناحية التنديد بالتدخل في سوريا، اضافة الى ما بات يعرف بالأولوية لدى واشنطن وهي السعي إلى حماية الجيش اللبناني وإطلاق يده في ضبط الامن ووضعه خارج التجاذبات السياسية.

صحيح أنّ مهمة بيرنز لا تحمل خطة واضحة او مشروعاً متكاملاً يجري التسويق له، إلّا أنّ هذه المهمّة التي لها أسبابها الادارية (إنفاق كامل موازنة وزارة الخارجية قبل نهاية السنة المالية) لا بدّ من ان تكون لحظت الوضع الخطير المستجدّ بعد أحداث صيدا.

صحيح أيضاً أنّ الساحة اللبنانية هي أصغر بكثير من أن تشكّل لواشنطن اهتماماً او ارض مصالح حقيقية، خصوصاً أنّ اهتمام واشنطن الاول (أو الوحيد) يتعلّق بـ"حزب الله" أو ذراع طهران العسكرية قرب اسرائيل، إلّا أنّ لبنان يخضع للمشاريع الأميركية الموضوعة للمنطقة مباشرة.

لذلك يبقى للسفير الأميركي في لبنان حيّز أوسع من زملائه في الدول الأخرى في توجيه مواقف ادارته تجاه هذا البلد، في حين يخضع التخطيط لبقية البلدان لمراكز القرار في الادارة الاميركية، التي يشكّل السفير فيها رأياً من بين آراء عدّة. ولأنّ الوضع اللبناني دقيق لا بل فائق الحساسية، ولأنّ دور السفير فيه متقدّم، عيّنت الادارة الاميركية دايفيد هيل سفيراً لها في لبنان. وهي أرادت بهذا التعيين عدم ترك فجوات زمنية تسمح بانهيار سريع للوضع بسبب المخاطر الموجودة.

ذلك ان هيل الذي عمل مرتين في سفارة لبنان، في إحداهما قائماً بالاعمال، يعرف جيداً زواريب السياسة اللبنانية والحساسيات الطائفية والمذهبية، ولن يحتاج الى فترة ليكتشف مهمّاته الجديدة. كما أنّ خبرته الشرق أوسطية التي اكتسبها من خلال عمله سفيراً لبلاده في الاردن تعطيه قدرة على ربط الخطوط السياسية الإقليمية المتعرجة بالحركة اللبنانية الداخلية المعقدة.

تبقى تلك الملاحظة التي بدأ البعض يهمس بها، وتتعلق بتزامن المصاعب التي انفجرت في وجه رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان رأس حربة مشروع الأخوان المسلمين في المنطقة، مع التغيير المثير في السلطة في قطر، والذي بدا اقرب الى انقلاب ابيض، حيث أنّ قطر كانت متفاهمة مع تركيا حيال مشروع الاخوان المسلمين في المنطقة.

اضافة الى الحال الصعبة التي بات يعيشها الأخوان المسلمون في مصر بعدما حُشر الرئيس المصري محمد مرسي في الزاوية الصعبة، والسقوط العسكري لهذه الحال في لبنان انطلاقاً من إزالة حال الشيخ أحمد الاسير، التي تشكّل تراجعاً لتمدّدهم على الساحة اللبنانية.

فهل كل ما يحصل هو على سبيل المصادفة الزمنية البحتة، أم هناك تعديل ما في المشروع الأميركي تجاه المنطقة بعد كل هذه الأهوال التي ظهرت منذ انطلاق ما اصطلح على تسميته "بالربيع العربي"... أم أنّ هناك تمهيداً لفوضى أكبر؟
2013-07-01