ارشيف من :أخبار لبنانية

الأسير يرصد بـ«منظار أميركي»: ماذا حلّ بالمربّع؟

الأسير يرصد بـ«منظار أميركي»: ماذا حلّ بالمربّع؟

لينا فخر الدين - صحيفة "السفير"


منذ أسبوعين بالتمام والكمال، كان مسجد أحمد الأسير مسجداً عادياً، وإن كان البعض ينظر إليه على أساس أنه «مربع أمني»، ولكنه في عيون الآخرين مصلى يتوجّه إليه بعض أبناء المدينة أو المحيط، للعبادة.
ومنذ أسبوعين أيضاً، كان «السلفي السبور» يستيقظ صباحاً، يشرب قهوته ويمضغ بضعة حبات تمر، ويتذوّق «القشدة» المحليّة. يتناول من مكتبته في غرفة الجلوس أحد الكتب ليقرأ قليلاً التفسيرات، ثم يمرّ على غرفة نجله عمر متفقداً إياه، بعد أن قضى الأخير «ليلة بيضاء» يتحضّر فيها للامتحانات الرسمية (البكالوريا).

يرتدي عباءته ويرمي السلام على إحدى زوجاته، ويدخل مباشرةً إلى مكتبه، المقابل لمنزله، حيث يطمئن على «الأخوة». بعضهم يقف «على يد» الدهان الذي يطلي غرف المكتب الداخلية بالألوان الفستقية، في حين ينشغل البعض الآخر في المطبخ حيث يحضّر الإفطار، أما الآخرون فجالسون في الغرفة الغربية، يتابعون الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الكشوفات الماليّة، والأوراق التي تصل إلى «مكتب الشيخ».
في أوقاته فراغه، يدوّن ملاحظاته السياسية على ورقة بيضاء، يمررها في اليوم التالي إلى أحدهم الذي يضع هو الآخر بعض الإضافات أو الملاحظات.
ينتهي الأسير من مكتبه ليطمئن إلى «الأمنيين» الذين يقف بعضهم على باب المدخل، فيهمس أحدهم لاسلكياً: «الشيخ نزل». في حين يجتمع الآخرون في الغرفة ذات الباب بزجاج داكن «فوميه».

ينزل الأسير الدرج، يصل إلى المدخل، يرمي نظرة على الملجأ الذي يضع فيه بعض قوارير الغاز و«غالونات» المياه، ونظرة ثانية على الغرفة المقابلة متفقداً أثاث بيته القديم، الذي احتفظ به في هذه الغرفة الصغيرة. يفتح «الشيخ الملتحي» الباب، ويقول لـ«الأخوة المناوبين»: «السلام عليكم».
وقبل أن يقطع الطريق الإسفلتية المسقوفة بسقف حديدي، يتفقّد الأسير عن بُعد، الدشم الرملية الموضوعة بعناية تحت المبنى. يقول الشيخ في نفسه هي ليست إلا حماية من شقق «حزب الله» التي تقع على بعد أمتار من «مسجد سيدي بلال». ثم يدخل إلى المسجد.
يحيي المحبين والأخوة، ويتوجّه إلى «غرفة هندسة الصوت». يتوارى عن الأنظار لبعض الوقت، ثم يعود.
هذا يوم عادي لشيخ كان يعيش في عبرا منذ أسبوع تقريباً.
أما اليوم، فماذا لو كان الأسير يراقب بمنظار أميركي الصنع، من تلك المناظير التي لا تزال مرميّة في «المربّع الأمني»، ما حلّ بمسجده ومكتبه ومنزله؟
بالطبع لن يستطيع «الشيخ» أن يشتمّ، من منظاره، رائحة الدم المختلطة برائحة البارود والإسفلت التي يغرق بها المكان، ليرسم صورة الموت المجاني. سيرى هياكل سيارات محترقة، مكيّفات متدليّة من السقوف، وغرفة نوم كانت مخبأة بين أربعة حيطان، في حين صارت اليوم أشبه بشرفة، بعد أن فقدت عدداً من حيطانها، أو فُتحت في بعضها الآخر «شبابيك» دائرية على اتساع القذيفة.
سيتمنى لو كان بمقدوره رمي السلام على جاره في المبنى المقابل، الذي يقف على الشرفة متفقداً منزله، ويتذكّر ملامحه بعد أن تحوّل كلّ شيء هنا إلى سواد.
سيسترجع الأسير إحدى صباحاته، وقد «يأكل أصابعه ندماً» لأن كلّ الأكل الذي خلّفه وراءه في البرادات قد تعفّن مع انقطاع الكهرباء عن «المربّع». عباءاته الجديدة من ماركة «أصيل»، «سينخر» الغبار قطنها. سيُصدَم لأن ابنه عمر، الذي قضى أياماً طويلة في التحضير للامتحانات الرسمية، ربما لم يذهب للامتحان.

ستمرّ مشاهد المكتبة، التي كدّس فيها مئات المراجع الإسلامية، في باله. وكيف خطّط لتكون داخل غرفة الجلوس، لتمكِّنه، في أوقات المعارك، أن يفرغ بعض رفوفها ويحوّلها إلى دشمة عسكرية، يدخل أحد أسلحته في ثغرة حائطها ويبدأ بالقنص. سيشكر الأسير ربّه ألف مرة، لأنه قام الخميس في 4 تشرين الثاني 2010، بتقسيم الإرث على أولاده الثلاثة القاصرين (عمر وعبد الرحمن ومحمد هلال)، وإعطائهم المنازل (العقاران رقم 516 و610 في عبرا) بعقد بيع ممسوح.

في هذا الوقت، سيحاول الأسير منع نفسه من البكاء الشديد، لأنه لم يتمكنّ من أخذ أي من أفراد عائلته معه.
سينسى الشيخ الأمر بعد دقيقة، ليراقب ما حلّ بمكتبه. سيطرق على رأسه عندما تقع عيناه على تلك الغرف التي طليت حديثاً باللون الفستقي، إذ لم يتسنَّ له بعد تسديد فاتورة الدهان، وستكرّ لائحة ديونه: محلّ الذهب، الحدّاد، السنكري... من سيسدّ للأسير كلّ هذه الديون؟
الأموال التي كانت تصله من الخارج (كندا، السويد، الولايات المتحدة، أفغانستان، الإمارات، السعودية...)، ويحتفظ بالإيصالات في ملف خاص، لن تصل من «المتبرّعين» بعد اليوم.

والأموال التي كانت تدرّ عليه كصدقات جارية وسنن مولود وكفارات... ستصبح من الماضي بعد أن تسلّمت دار الفتوى مفاتيح المسجد».
الأوراق التي كانت تحضرها شركة محاسبة مختصة، لجمع كلّ «المصاريف» كـ«صدقات» لـ«المحبين» والعاملين... والإيرادات والأرباح، ستندثر، ومعها كلّ الأوراق المهمة.
تعب «الأسيريون» على مدى سنوات لرصد سيارات المنطقة، وتوثيقها في ملفٍ واحد عن لونها ورقمها وصاحبها، وكدّ أحد «أمراء الجماعة»، كما يسميهم الأسير، لرسم خريطة لعكار، ومتابعتها قرية قرية، و«وضع إشارة» على كلّ شخص من الممكن أن ينضوي تحت لواء «الأسيرية»، والهيكلية الإدارية التي انبرى إلى صياغتها، منصّباً فيها نفسه «راعي الجهد الروحي».
الرسائل وثّقها، بعضها مرسل من أحد فروع المعارضة السورية لإعطائه علماً ودعوة لتغطية بعض تحركاتها في لبنان، من بينها استهداف مواكب لـ«حزب الله» في المشرفة الهرمل في 14 آذار الماضي، أو تحذيره من أحد «المدسوسين» السوريين في صفوفه.
يستذكر الأسير بعد كلّ هذه المشاهد، أن هذا الجهد ذهب مع الريح.
بالطبع، سيحاول الشيخ أن يعيد رسم ملامح مدخل منزله. ما تركه في الملجأ والغرفة المجاورة من ماء وذخيرة، قد تمّ استخدامه في الوقت المناسب، ولجأ إليه «أبناء الجماعة» خلال المعركة الأخيرة.
أما العلب الكبيرة، التي استقدمت مؤخراً وملأها «الشباب» بالرمل ووضعت عند باب المدخل، إلى جانب الدشم القديمة، فهي أيضاً قد حَمَت باب المدخل الذي يبدو وكأنه «لم يمرّ» في أيام المعركة.
أجهزة الاتصال الداخلية الخاصة بالمبنى لا تزال موجودة. الزرّ المكتوب عليه «آل أبو ظهر»، جيران الأسير، موجود، ولكن آل أبو ظهر هجروا المكان.
لمحة واحدة إلى المباني المقابلة، ها هي «شقق «حزب الله» في مكانها، بالرغم من كلّ القذائف، والقنص الذي أصابها خلال المعركة.
يمرّر الشيخ يده على لحيته الكثيفة، ويتأمل مدخل المسجد، بعض الأحذية مبعثر على الطريق، فيما البعض الآخر ما زال في المكان المخصص له، المسجد على حاله، لولا الزجاج المكسور.

هنا الشاشات «البلاسما» التي استقدمها الأسير، لتعكس صورته خلال الخطب، وتصير في الليل شاشات موصولة بكاميرات مراقبة لرصد المنطقة. يلقي نظرة على المصلى، الشاشات مففكة، الألغام التي تركها قبل هروبه في المصاحف وصناديق الزكاة، فكّكت أيضاً.
الغرفة الصغيرة التي تطلّ على المصلين، تحوّلت في المعارك إلى غرفة نوم لمن قرّر أن يأخذ قيلولة صغيرة على صوت أزيز الرصاص، فالأغطية والوسائد موجودة. وفي مواجهتها، غرفة هندسة الصوت التي هي في الحقيقة «غرفة العمليات»، حيث تتوزّع كاميرات المراقبة، والسلاح وعلب الإسعافات الأولية التي تنتشر في كلّ مكان.
وبالرغم من أن مساحة هذه الغرفة ليست أكثر من أمتار قليلة، ولكن فيها أيضاً بابا أحمر عندما يفتح القفل، يصبح درجاً دائرياً طويلاً يصل إلى سطح المسجد. من هنا كانت تُرفع الصلاة، ومن هنا أيضاً تمكن مراقبة المكان كلّه حتى حارة صيدا.

ونزولاً من مصلى الرجال إلى مصلى النساء، المكان الذي يقع تحت الأرض تقريباً يصبح استراتيجياً في أيام المعارك. لن يشكّ كثيرون أن تحت أقدام «المؤمنات» كانت تخبأ الأسلحة الرشاشة الخفيفة، وأسلحة قنص متطوّرة، منها استرالي يصيب على بعد مئات الأمتار، ومدافع الهاون، والقنابل اليدوية. بالإضافة إلى كميات كبيرة من المتفجرات (منها ما يفجّر عن بُعد). لماذا يحتاج الشيخ إلى كلّ هذه المتفجّرات، التي لا تستخدم في المعارك؟
وفي هذا المسجد أيضاً، قضى الأسير أياماً طويلة لحفر سراديب ودهاليز تحت الأرض، بعضها يوصل إلى وادي شرحبيل، المحاذي لعبرا، ويمتلئ بالأشجار في حقول وعرة. يتذكّر الأسير أنه هرب من هذا السرداب ظهر الإثنين، بعد أن استنفر جماعته للقتال في كلمته الأخيرة: «حاربوا حتى آخر نقطة دم، فالفلسطينيون خذلونا».

من منظاره، يحاول الأسير البحث عن أسرته التي انتقلت للعيش في أحد المنازل في منطقة قريبة من صيدا. ثم يفتّش عن صديق دربه الأخير فضل شاكر، فالاثنان ليسا في مخبأ واحد، ليرجّح أن «الفنان التائب» يستذكر بصوت حزين: «عاش مين شافك!».
يبحث عن «الأخوة المجاهدين» الذين كانوا في المربع، فلا يلتقط منظاره إلا «أصحاب الثياب المرقطة».
   
2013-07-01