ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا سيقول نصرالله لعون؟
ابراهيم ناصرالدين - صحيفة "الديار"
من يراقب تدرج حزب الله في التصعيد ردا على تصاعد حملة الاتهامات من قبل تيار المستقبل بعد اسقاط الفتنة «الاسيرية» في صيدا يدرك بان الازمة المفتوحة في البلاد مرشحة لمزيد من التأزم في ضوء مؤشرات جدية لدى الحزب بأن «حفلة الجنون»الصاخبة في الرياض لن تقف عند اي حدود بفعل «فوبيا» عنوانها رجحان كفة انتصار النظام السوري، وبمعنى اخر انتصار استراتيجي لايران في بلاد الشام، وهذا ما ليس للسعودية قدرة على تحمل نتائجه على المديين القريب والبعيد. وانطلاقا من هذه المعطيات قررت قيادة الحزب الخروج من مرحلة «الصمت» والتدرج برد هجومي سيبلغ ذروته باطلالة للأمين العام السيد حسن نصرالله في الوقت المناسب.فما هي المعطيات التي تجمعت وتشير بوضوح الى محاولة «عزل» الحزب داخليا بعد التلويح الجدي بالبدء باجراءات تستهدف «الشيعة» اللبنانيين في دول الخليج، بدءا من الاسبوع المقبل؟
ما حصل خلال الساعات القليلة الماضية يشير الى ان الرياض وحلفاءها اللبنانيين قد لامسوا العديد من الخطوط الحمراء التي دفعت رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الدخول على الخط من باب الدفاع عن المؤسسة التشريعية، لكنه في نفس الوقت بعث برسائل مبطنة الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج يبلغهم فيها انه لن يقف على الحياد او يكتفي بالتزام سياسة دفاعية في حال الاستمرار باستهداف الرئاسة الثانية من بوابة موقع رئيسها المذهبي، وهو امر شديد الخطورة يرى فيه الرئيس بري «انتحارا وطنيا» من قبل اصحاب هذا المشروع الذين يعملون عن سابق تصور وتصميم على استباحة كل القواعد الاخلاقية التي لن يسمح «ابو مصطفى» لاحد بتجاوزها، وهو برأي اوساط سياسية مطلعة ،بات متيقنا بأن ما يحصل ليس الا جزءا من ادوات معركة حصار حزب الله في الداخل عبر محاولة التضييق على حلفائه لدفعهم الى اتخاذ موقف الحياد، اذا لم يكونوا قادرين على الانتقال الى المعسكر الاخر.
ولكن اطلالة الرئيس بري بهيئة رجل الدولة لم تمنع «خصومه» من فهم حقيقة ما اراد قوله بين السطور، وهو انه محصن من الضغوط، ولن يتوانى عن الدفاع عن صلاحياته الدستورية، ومن يراهن على تغيير موقعه او يريد دفعه باتجاه منطقة محايدة، يمارس «هواية تضييع الوقت»، لأنه جزء من المعركة ضمن «الثنائية» الشيعية وليس مجرد حليف للحزب، اما اذا اراد البعض اللعب خارج اطار القواعد السياسية والدستورية المتفق عليها ضمنيا، فانه سيعود الى التعامل مع الاخرين انطلاقا من كونه رئيس حركة امل، وهذا الامر يحرره من قيود كثيرة «تكبل يديه» وتمنعه من ادارة «اللعبة» وفق اصول يفقها جيدا.
وتلفت تلك الاوساط الى ان ما تتعرض له المؤسسة العسكرية جزء لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية، وليس الامر مقتصرا فقط على ما يتعرض له الجيش من حملة اعلامية تشكيكية، ليس اقلها اتهامه بتلقي الاوامر من ايران وحزب الله، بعد وقبل انتصاره على عصابة الاسير في عبرا، ولم يقتصر الامر كذلك على ما يتعرض له الجيش من اعتداءات مشينة في اكثر من منطقة واتهامه بانه يشن حربا ضد السنة في لبنان، لكن «الوقاحة» لدى تيار المستقبل وصلت الى حدود غير معقولة بمحاولة ابتزاز قائد الجيش العماد جان قهوجي عبر ربط التمديد له بسلسلة من الاجراءت والمناقلات داخل المؤسسة العسكرية.
وبحسب المعلومات المتوافرة فان النائب فؤاد السنيورة والنائبة بهية الحريري عاتبا الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري على تسرعه في الاعلان عن دعم تيار المستقبل لمسألة التمديد، ووافقهم على هذا السفير السعودي في بيروت علي عواض العسيري الذي ابلغ نائبي صيدا بان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يوافقهما الرأي، وبالتالي «فان هذه الخطوة يجب ان لا تكون مجانية»، خصوصا ان العماد قهوجي لعب دورا رئيسيا في الضغط على القيادات السياسية للحصول على غطاء لضرب حركة الاسير في صيدا، وهو يغطي عمليا حركة حزب الله المسلحة.ولذلك ابلغ نائبا صيدا رئيس الجمهورية ميشال سليمان خلال اللقاء في بعبدا الاسبوع الماضي ان تيار المستقبل لن يقبل بتمرير التمديد الا بسلسلة تعهدات جدية بتغيير نمط تعامل المؤسسة العسكرية مع حزب الله،كما طالبا صراحة بتعهد واضح بتغيير مدير المخابرات في الجنوب علي شحرور وتعيين ضابط اخر مكانه «كونه يملك علاقة وطيدة مع حزب الله»، كما عبر النائبان عن سخطهما من قائد فرقة المغاوير شامل روكز واتهماه بالتعامل بقسوة مفرطة مع «الصيداويين»، وطالبا بضرورة عزله.
اما الخط الثالث الذي تعمل عليه السعودية فيتجلى «بالغزل» المفرط بالجنرال ميشال عون ومحاولة استغلال التباينات الداخلية بينه وبين كافة حلفائه في فريق 8اذار وفي مقدمتهم حزب الله، وسيكون «الجنرال» بمثابة «الجائزة الكبرى» بالنسبة الى الرياض لو نجحت في استمالته،فهي تعتقد ان خسارة الحزب لدعم المسيحيين ستعريه وتفقده الشرعية الداخلية. واذا كانت المملكة واضحة في اهدافها ونواياها،يبقى السؤال حول هامش المناورة الذي يمتلكه «الجنرال» في ادارة هذه «اللعبة» الخطرة،فاذا كان هناك من اقنعه ضمن دائرته الضيقة بان هذا الاسلوب قد يكون مجديا للضغط على الحلفاء وفي مقدمتهم حزب الله، فسيكتشف الجنرال عاجلا او اجلا فداحة حساباته الخاطئة، كما انه اذا ما قرر خوض «مغامرة» جديدة فانه سيكتشف خبث الفريق الاخر قريبا،وعندها لن ينفع الندم، لأن هذه التحولات لا تحصل في ظروف عادية وانما «تحت النيران»وفي قلب المعركة، وثمة من يقول انه لو جاء احدهم الى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وقال له ان «الجنرال» يريد فض «تفاهم مارمخايل»، لقال «اشاعة مغرضة»، ولو اتخذ الامر منحا جديا، لقال السيد ان الجنرال يمون « واذا اراد التخلي عنا فلن نتخلى نحن عنه»، ولو تبلغ في وقت لاحق باصراره على هذا الامر، فلن يتوانى السيد عن التأكيد على ان حزب الله لن ينسى وقفات الجنرال السابقة، ولكن الحزب لا يقبل سياسة الابتزاز «ولي الذراع» من احد، «والله يوفقه في تحالفاته الجديدة»، «واذا كان هذا خياره ويجد انه يؤمن له مصالحه فلا يجب ان يتردد،وعليه ان يطمئن بان حزب الله بخير، وهو قادر على التاقلم مع المتغيرات الطارئة مهما صغر او كبر حجمها.
هكذا تخوض السعودية جولة جديدة من حربها المفتوحة ضد حزب الله على الساحة اللبنانية، وهي في سباق مع الوقت بعد ان توصلت قيادتها الى قناعة «مرة ومؤلمة» تشير الى ان الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة باتت معنية اكثر بتداعيات الحدث المصري، وباتت واشنطن تتبنى واحداً من خياريين في الازمة السورية، الاول القبول بحتمية انتصار النظام السوري، والبدء بترتيب المخارج لهذا الواقع، والثاني هو التوصل لحل دبلوماسي وسياسي بالاتفاق مع روسيا. وكلا الخيارين لا يناسبان الرياض بعد ان فقدت القدرة على تحسين شروط التفاوض بسبب هزائم المعارضة العسكرية. فهل ستحسن بعض القيادات اللبنانية قراءة هذه الوقائع؟خصوصا ان حزب الله لن يسمح لاحد بجره الى خسارة داخلية بعد ان ساهم بفعالية بتحقيق الانتصار الاستراتيجي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018