ارشيف من :أخبار لبنانية
النظام السياسي أصبح عاجزاً والدستور وجهة نظر
غسّان جواد - صحيفة "الجمهورية"
يعكس السجال بين رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي طبيعة النزاع القائم في البلد. لكنه، على الأقل، يظلّ في النصوص والدستور والمؤسّسات، ولا يتوسّل التحريض و»الأسلحة المحرّمة»، بما يتناقض مع استخدام تيار «المستقبل» الشارع والخطاب المذهبي لمواجهة «حزب الله» بغية إرباكه وتطويقه.
الدستور في لبنان وجهة نظر. ليس في هذه الظروف وحسب، بل سبق للقوى السياسية أن اختلفت على تفسير "الكتاب" مراراً وفي استحقاقات عدّة. ألم تدخل البلاد في الفراغ الرئاسي عام 2008 غارقة بنقاش عبثي حول نصاب جلسة انتخاب رئيس جمهورية جديد؟
يومها استعان كل طرف بما لديه من فقهاء وفلاسفة قانون دستوري وحجج وبراهين ولم يستطع إقناع الطرف الآخر بصوابية رأيه. وكان 7 أيار الشهير وكانت "الدوحة" وانتخب رئيس توافقي برعاية القوى التي انتجت هذا الاتفاق.
بعدها دخل لبنان في لعبة جديدة ونزاع جديد وكانت الـ"سين - سين"، ثم محاولات التسوية حول المحكمة الدولية وغيرها من الملفات العالقة، الى أن دهم الاستحقاق العربي لبنان من تونس الى مصر الى اليمن والبحرين وليبيا فسوريا... وظلّ الدستور وجهة نظر.
المسألة الآن ليست خارج سرب النزاع التقليدي الذي اعتاده اللبنانيون منذ العام 2005، وليست خارج ما يراد لهذه المنطقة من تناقضات تحت مسمّى الفتنة او الصدام السنّي - الشيعي. كلّ طرف لديه ما يكفي من حجج وبراهين لإثبات صحّة رؤيته وانسجامها مع الدستور.
ليس لأنّ الدستور مبهم أو غامض او سوريالي، بل لأنّ البلاد دخلت منذ مدة طويلة في مرحلة انعدام الوزن، وعدم القدرة على إنتاج الحلول، في ظلّ اهتمام الراعي الإقليمي بمشكلاته، وانصراف الاهتمام الدولي الى إعادة رسم موازين القوى وخريطة العالم.
باتت الدولة هي الطرف الأضعف بين جميع اللاعبين، وصارت المؤسّسات صورة "طبق الأصل" عن الطوائف التي لها شرف استحقاقها بالعرف لا بالنص، وصار الشارع أقوى من الجميع، والكلمة العليا لزعماء الشوارع والمحاور.
حتى إذا ما أراد اللبنانيون يوماً أن يعودوا الى التعقل والتبصّر ولغة المؤسّسات، سيجدونها فارغة من كل مضمون، عاجزة، وغير قادرة على انتاج تسوية أو حلّ او خريطة طريق نحو الحلّ.
سيجدون ان النظام السياسي الذي تغنّوا به ونظموا بحقه المدائح والقصائد والاشعار، قد انتهى ولم يعد قادراً على إسعافهم او رعاية تناقضاتهم الداخلية المعطوفة على كل ما في الشرق الاوسط من تعقيدات وحسابات ومخططات ورؤى مستقبلية.
الحسنة الوحيدة في سجال برّي ـ ميقاتي انه لا يزال ضمن المؤسّسات. لكن الى متى؟ والاستحقاقات داهمة، ولا انتظام دستورياً وقانونياً. مجلس النواب قفز فوق استحقاقه ومدّد لنفسه وها هو أسير التآكل الذي يصيب الدولة.
البلاد تعيش بالحدود الدنيا في ظلّ حكومة تصريف اعمال، ورئيس حكومة مكلّف أُسقِط من يده أيّ خيار او اختيار، وهو أسير اللعبة التقليدية ذاتها، ورئاسة جمهورية تقترب من نهاية العهد ولا أفق واضحاً لما ستؤول اليه الأوضاع.
لم يبقَ غير الجيش والمؤسّسات الأمنية، وها هي تتعرّض للذبح المعنوي والمادي يومياً، فتتعرّض للإبتزاز المذهبي ومحاولات استضعافها وجعلها على صورة الاصطفاف القائم في البلاد.
وربما تكون الحملة التي تعرّض لها الجيش اللبناني عقب إنهائه ظاهرة أحمد الأسير في صيدا، مصداق الأذى المنظم الذي تتعرّض له هذه المؤسّسة على طريق إنهاء كلّ ما هو منتج في لبنان، تارة بالقتل وأُخرى بالابتزاز وطوراً بتكبيلها مذهبياً ومحاولة منعها من الاقتصاص حتى لدماء شهدائها الذين سقطوا غدراً.
حيال هذه الصورة "المَرِحة" او المشهد الموصوف، لم يعد في إمكان احد الاختباء وراء الشعارات والتصريحات والأكاذيب. لبنان "الطائف" أمام اخطر منعطفاته، واخطر الاختبارات التي يتعرّض لها منذ انتهاء الحرب الاهلية.
النظام السياسي الذي حكم هذه البلاد بجناحين احدهما سوري والآخر سعودي برعاية اميركية فقدَ كل ركائزه، واصبح على صورة العلاقة المتوترة او الحرب القائمة بين دمشق والرياض.
ثمّة لاعبون جدد، ثمّة شرق أوسط يغلي، ثمّة بلاد عربية تهتز من المحيط الى الخليج. ولن يصمد لبنان الكيان في ظلّ هذه العاصفة، إلّا بصيغة جديدة ونظام جديد وعقد اجتماعي جديد. وكلّ ما عدا ذلك من كلام ليس سوى تعامل موضعي مع المرض، ولم يعد احد يعالج السرطان بماء البقدونس المغلي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018